سجون العسكر السريَّة، مطارُ حماة العسكري (8)

عمار حسين الحاج28 أغسطس 2018آخر تحديث : منذ سنتين
عمار حسين الحاج
879 - حرية برس Horrya press

منهج السجون في دين الطغاة

” من أدبيات السجون “

(13)

ومن أدبيات السجون أيضاً، أنَّ كل مشاعرك تتضاءل، إلا تمردك، هو الوحيد الذي ينمو ويكبر في العتمة مثل قنبلةٍ موقوتة، ويتحول كل شيءٍ حولك إلى روزنامةٍ للأيام، تتوقف عن العد إمَّا بموتك أو بحريّتك، وتبقى سعيداً في انتظار أحد الاحتمالين.

كان معنا في الزنزانة عنصر من الدفاع الوطني “شبيح” من قرية قمحانة، وقد تم احتجازه كنوعٍ من التأنيب لأنه كان يسلب الدراجات النارية من أبناء قريته، كان مدلَّلاً من كل العناصر والمحققين، ينادونه بلقبه “السريع” وهم يحضرون له الطعام والتبغ، يحضرون له كل ما هو محرَّمٌ علينا، فلا يقاسمنا من هذا الجحيم سوى بنومه في الزنزانة نفسها، عندما سمع قصة أحمد، أمرني بأن أتركه ولا أساعده فهو خائن، فأجبتهُ بأنني خائنٌ مثلهُ، وعندما كان يريد أحمد التبول _ ولأنَّ الخروج إلى الحمَّام بقصد التبول، ثمنه باهظ جداً، يمكن أن يصل إلى درجة الموت، إذا أتت ضربة هراوة المساعد المناوب، وأنت تخرج من باب الزنزانة على غفلةٍ، أن تأتيك الضربة في مقتل، ولذلك كُنَّا نتبول في زجاجة ماء فارغة، ونفرغها من النافذة، عندما يبتعد الحارس، الذي يتجول خارج الزنزانات_  كان “السريع” يمنع أحمد من التبول، يمنعهُ بحقدٍ كبير، ويتشفى بعذابه، ونحن لم يكن في استطاعتنا فعل شيء مع هذا الشبيح.

أعادوا تعذيب أحمد في اليوم التالي، ولكن بقسوةٍ وهمجية أكبر، كنتُ أسمع صوته وهو يصرخ من ألمه، وأشعر بأنَّ صرخته ستدمر جدران هذا الجحيم، لكن، لا أحد يسمع في هذا الكون الأصمّ، أرادوا أسماءً يتعامل معها، فصار يتلو أسماء ضباط المطار الذين يعرفهم، والذين على رأس عملهم، لأنني أتذكر جملة قالها الشبيح “السريع”، ونحن نستمع لصوت أحمد أثناء التحقيق معه، وكان يذكر أسماءً ورتبهم، فقال “السريع” بأنه لم يترك ضابطاً في المطار إلَّا وذكر اسمه وبأنه يساعده في تسريب المعلومات.

كانت آخر ليلةٍ أقضيها في مستوصف الجوية في المطار، قبل تحويلي إلى الشرطة العسكرية، أحضروا أحمد إلى الغرفة جَرَّاً، فلم يكن يتحركُ فيه شيء سوى رأسه، بقيت تلك الليلة بجانبهِ، كان قد وصل لمرحلة الجنون، يتكلم كلماتٍ غير مترابطة، وبدون أن يفتح عينيه، لم يعد يشعر بالألم، ولا بشيء، كانت كلماته الأخيرة قبل أن يخرجوه قبيل الفجر، غريبة جداً عن هذا المكان وعن ما فيه الآن، (أشجار، ألعاب، عيد، مشروع الفول، سقاية الأرض) قالها بحروفٍ متباعدةٍ، ولكن إذا أنصتَّ جيداً إليهِ ستفهمها حتماً.

لا أعرف كم الساعة من صباح ذلك اليوم عندما ذاعوا أسماءً، كان اسمي من بينها، وأخبرونا بأن نجد ثياباً نلبسها، فسيتم تحويلنا إلى الشرطة العسكرية، وعندما نادوا علينا ثانيةً لنخرج من الزنزانات وقبل أن يقوموا بتقييدنا من أيدينا إلى الخلف، ووضع عصبةً قماشيةً على عيوننا، لمحتُ أحمد مُعلَّقاً على بابٍ في الممرِّ، بلا أدنى حركة ورأسهُ متهدلٌ على كتفهِ، كانت عيناه مغلقتان بهدوءٍ، وشفتاه جافَّتان حدَّ التشقُّقِ، تركتهُ هناك يسبح في هواء قريتهِ وذكرياتها، بعيداً عن هذا الجحيم، جحيم السوريين جميعاً، وضوءٌ خفيٌّ في عتمة عصبة العينِ يفتح لي أملاً في النجاة.

عندما كانوا يتلون أسماءنا مرةً أخرى قبل إخراجنا من فرع الجوية، ذكروا اسمين لكنَّهما لم يخرجوا معنا، قالوا لنا بأنهما مريضين وهما في المشفى الآن وعدما يشفيان سيتبعونكما إلى الشرطة العسكرية، ولم أعد أسمع باسميهما إلا بعد حوالي شهرين، عنما سلَّمَ قاضي الفرد العسكري في حماه (المقدم فراس دنيا) إلى ذويهما شهادة وفاتهما، وتفيد بأنهما توفيا بذبحةٍ قلبية، ولكني أعلم وكل من كان هناك يعلم جيداً، وهم يعلمون أيضاً، الجلَّاد، والقاضي، والجدران أيضاً تعلم، بأنهما قُتلا تحت التعذيب، التعذيب، مثل عشرات الآلاف من أبناء بلدي.

سلامٌ لروحيكما “خالد القصير” و “عصام المير” ولأرواح كل شهداء الرأي والكلمة، شهداء الحرية والكرامة.

لقراءة الجزء الأول: منهج السجون في دين الطغاة [1] ” من أدبيات السجون “

لقراءة الجزء الثاني: منهج السجون في دين الطغاة [2] – في السجون السورية لا وجود للآلهة

لقراءة الجزء الثالث: منهج السجون في دين الطغاة [3] – من أدبيات السجون، أن تصرخ عالياً، بصمت ..

لقراءة الجزء الرابع: منهج السجون في دين الطغاة [4] – ” من أدبيات السجون “

لقراءة الجزء الخامس: منهج السجون في دين الطغاة [5] – الأسد وريثُ السراج في تعذيب وتصفية معتقلي الرأي

لقراءة الجزء السادس: منهج السجون في دين الطغاة [6] – سجون العسكر السريَّة، مطارُ حماة العسكري (1)

لقراءة الجزء السابع: منهج السجون في دين الطغاة [7] – سجون العسكر السريَّة، مطارُ حماة العسكري (2)

لقراءة الجزء الثامن: منهج السجون في دين الطغاة [8] – سجون العسكر السريَّة، مطارُ حماة العسكري (3)

لقراءة الجزء التاسع: منهج السجون في دين الطغاة [9] – سجون العسكر السريَّة، مطارُ حماة العسكري (4)

لقراءة الجزء العاشر: منهج السجون في دين الطغاة [10] – سجون العسكر السريَّة، مطارُ حماة العسكري (5)

لقراءة الجزء الحادي عشر: منهج السجون في دين الطغاة [11] – سجون العسكر السريَّة، مطارُ حماة العسكري (6)

لقراءة الجزء الثاني عشر: منهج السجون في دين الطغاة [12] – سجون العسكر السريَّة، مطارُ حماة العسكري (7)

رابط مختصر

عذراً التعليقات مغلقة