سجون العسكر السريَّة، مطارُ حماة العسكري (3)

2018-07-14T21:19:17+03:00
2018-07-24T20:00:10+03:00
تدوينات
عمار حسين الحاج14 يوليو 2018آخر تحديث : منذ سنتين
عمار حسين الحاج
photo ٢٠١٨ ٠٥ ١٤ ١٨ ٥٨ ٥٠ - حرية برس Horrya press

منهج السجون في دين الطغاة

” من أدبيات السجون “

(8)

من أسفل العصبة القماشية، كنتُ أسترقُ النظر إلى أبعدِ من موضع قدمي، وخطواتي باتجاه “الحمَّام”، ويدُ الجلَّادِ تقودني من يديَّ المقيدتين إلى الخلف، بالدفعِ، والشتائم التي تُصبحُ معتادةً وطقساً ضرورياً، يُغلِّفُ دينَ وثقافة الطُغاةِ في تحقير المُعارضين لظُلمهم في هذه الأماكن السريَّة، “معابدِ دين الدكتاتورية الموروثة”. فارداً ذاكرتي المُحصَّنة بحُلم الحريَّة أمامي، مُستعيداً بها كل تجاربِ الاعتقال التي سمعتُ عنها، وقرأت أغلبها منذ وعيي في هذه الدنيا، والتي كثيراً ما حلمت بأن أكون بطلَ إحداها؛ والآن، وأنا أسير نحوَ مجهولٍ كلُّ احتمالاته عدمٌ في عدمٍ، أحاول أن أُثَبِّتَ في ذاكرتي كلَّ حركةٍ وحدثٍ أمرُّ به، رغم عدم يقيني بالنجاة من جحيم هذا الحمَّام لأروي قصتي في يومٍ ما.

وسط فوضى الوحشية، وتحركِ عناصرها مثل خلية نحلٍ، ودائرة التعذيب لأجل التعذيب تُحرِّكها منهجية القائدِ، بأوامرَ للتصرفِ الهمجي مع أجسامٍ لأناس طبيعيين أصبحت مرهونةً بالقرار السياسيِّ الأرعن لقائدِ مسيرة الإصلاح والتغيير، تغيير شكل ومضمون المجتمع السوري بما يتناسب مع أيديولوجية الدين الحافظيِّ الموروث، والتصفيةُ لأيِّ سببٍ كان وبدون مسؤوليةٍ أو محاسبةٍ أو معنى.

صعدتُ على عجلةِ سيارة كما أمرتني يدُ وصوتُ الجلَّاد، وعينيْ تبحثُ عن موقعٍ شفافٍ في عصبة العين، لا لشيءٍ، فقط لأرى كيف تكون هذه الوحوش، فمن المستحيل أن يكونوا بشراً مثلنا، يأكلون ويشربون مثلنا، أو أن يكون لهم عائلاتٌ أو أطفال ، من المستحيل أن يكونوا قد عرفوا الحُب يوماً، من المستحيل أن يكونوا سوريين؛ وبدأتْ تتكوّن في مخيلتي أشكالٌ كرتونية لهؤلاء الوحوش غير الأرضيين، مع تخيلي لكثيرٍ من النهايات التي سينتهي بها جسدي بين مخالبَ وأسنان هذه المخلوقات.

وكما هي العادة مع كل المعتقلين، وقبل البدء بأيِّ تحقيقٍ، قام الجلاد بتعليقي من يديَّ المقيدتين للأعلى، بشكلٍ مخالفٍ لطبيعة حركة مفاصل الأكتاف، أي أني معلقٌ من يديّ، ويداي خلفي “الشَبْح الخلفي” وهذا المصطلح الشعبي والمتعارف عليه هناك من بين وسائل التعذيب. ومن ثُمَّ دفع الجلاد العجلة من تحتي ليتخبط جسمي في الفراغ، مشنوقاً من معصمي وكتفي، وبهذه الحركة وبسبب وزن الجسم الثقيل يحدث تهتكٌ في عضلات وأربطة مفاصل الكتفين المفتولين بشكلٍ عكسي عن طبيعة اتجاه حركتهما، وتتشنج عضلات الرقبة والصدر، لتُصبح كلُّ حركةٍ من الجسد المشبوح لا تُحتمل، وشيئاً فشيئاً، يسري الخدرُ بدءاً من أصابع اليدين المربوطتين بأسلاكٍ كهربائية تعمل أخاديد في المعصمين تحت وطأة ثِقلِ الجسد السابح في الهواء، وتفتقد أوردة وشرايين الأيدي إلى الدماء، حتى تفتقد الشعور بها، أبداً، وكأنك بلا يدين، ولكن أنت مصلوبٌ على الهواء لا تقدر على أيِّ حركةٍ.  وعندما تتألم وتصرخُ وجعاً، لا تنال سوى المزيد من الشتائم، واللكمات على الصدر المُتشنج، فيكون رضُّ الأضلاع عند أصغر لكمةٍ سهلاً للغاية، ويضع الجلاد في فمك ” جرابات ” مبللة بالماء القذر، ليكتم صوتك وروحكَ أيضاً.

بعدَ يومٍ كاملٍ على هذه الحال، ودون أن يوجّه لي أيُّ سؤالٍ، استطعتُ لفظ الجرابات القذرة من فمي، ومن شدَّة الألم الجسدي والنفسي الذي تراكم في داخلي، صرختُ وجعاً وقهراً ولم أكن أعلم بأني وحدي في الحمَّام، والجلَّاد يغطُّ في نوم الوحوش الكاسرة، ليدخلَ حانقاً غاضباً لافظاً حممَ حقدهِ سُباباً ولكماً في جسدي، الذي بدأ يتهالكُ بدون طعامٍ أو شراب، أسفرت عن رضوضٍ لئيمةٍ في أضلاع صدري، ولم يشفِ غليله كُلُّ ذلك، فأمسكني من شعري بيده اليسرى وصفعني بكفِّه الكبير السميكِ، مثلَ لوحٍ خشبي على أذني اليُمنى، أحسستُ بشيءٍ تفجَّرَ في رأسي، وصمتَ الكونُ كله بعد ومضة ضوءٍ كبيرةٍ امتدت لثواني في عيني المعصوبتين، وامتدَّ الصمتُ طويلاً طويلاً ولكني ما زلت أشعر باللكمات تقتفي تضاريس جسدي النحيل، مع افتقادي القدرة على التعبير عن الألم.

لحظتها، تركتُ جسدي يسبح في بحر الألم، غير المحدود، وبدأتُ أبحثُ عن المعنى الحقيقي للإنسان السوريِّ، الذي تمرَّدَ على خنوعهِ، وما يدفعهُ من أثمانٍ في الصور التي تتراكم في مخيلتي مع تصاعد نبرة روحي الهاتفة من حمَّام مطار حماه العسكري، “وها أنا أعيشُ قصة الوطنِ كاملةً”.  أكثر من يومين، وأنا مُعلَّقٌ من حُلُمي على عامودٍ أفقيَّ، القهر في الحمَّام، ولم يكن قد بدأ التحقيقُ بعد.

لقراءة الجزء الأول: منهج السجون في دين الطغاة [1] ” من أدبيات السجون “

لقراءة الجزء الثاني: منهج السجون في دين الطغاة [2] – في السجون السورية لا وجود للآلهة

لقراءة الجزء الثالث: منهج السجون في دين الطغاة [3] – من أدبيات السجون، أن تصرخ عالياً، بصمت ..

لقراءة الجزء الرابع: منهج السجون في دين الطغاة [4] – ” من أدبيات السجون “

لقراءة الجزء الخامس: منهج السجون في دين الطغاة [5] – الأسد وريثُ السراج في تعذيب وتصفية معتقلي الرأي

لقراءة الجزء السادس: منهج السجون في دين الطغاة [6] – سجون العسكر السريَّة، مطارُ حماة العسكري (1)

لقراءة الجزء السابع: منهج السجون في دين الطغاة [7] – سجون العسكر السريَّة، مطارُ حماة العسكري (2)

رابط مختصر

عذراً التعليقات مغلقة