سجون العسكر السريَّة، مطارُ حماة العسكري (6)

عمار حسين الحاج13 أغسطس 2018آخر تحديث : منذ سنتين
عمار حسين الحاج
879 - حرية برس Horrya press

منهج السجون في دين الطغاة

” من أدبيات السجون “

(11)

كيف لإنسانٍ بسيطٍ، كما أعرفه، يعاني ما يعانيه من ضنك العيش، أن يحمل كل هذا التناقض المخيف، وكيف يصنع لنفسهِ توازناً اجتماعياً، بين عمله في مسلخٍ بشريٍّ بكل معنى الكلمة، وبين حياةٍ اجتماعيةٍ طبيعية؟؟

ألا تُرافقهُ إلى سريره، الذي تُشاركهُ بهُ زوجته، ولهو أطفاله، خيالات وصور، وأصوات، كل المعتقلين، الذين شاهدهم وشارك في إذاقتهم كل أشكال التعذيب الممكن والغير ممكن تخيلها، وهو يعلم بالتأكيد بأنَّ هؤلاء البشر، هم هنا لأنهم حاولوا دفع الظُلم عن مجتمعهم الذي هو منهُ ؟

كل هذه الاسئلة وغيرها تجسدت أمامي صوراً ومواقفاً، لهؤلاء المخلوقات الغريبة، أصواتهم، وحشيتهم، لُغتهم، رفضهم وإلغاءهم لآدمية وفكر وإنسانية مجتمعهم، غباءهم العظيم، وأنا أحاول تنظيف القيح الذي يسيل من أذني المثقوبة منذ أيامٍ، ويتجمد على جانب وجهي الأيسر، بعد أن أُطيح برأسي أرضاً، عند أصابع يدي المشلولة جزئياً، والممددة مثلَ جُثَّةٍ في الظل.

وأرى قمة الغباء، عندما يستعين الرائد (عقبة) وهو المحقق الرئيسي في فرع المخابرات الجوية في مطار حماه العسكري، بأحد الموقوفين، ليقوم بتشغيل الكمبيوتر الشخصي خاصتي، لجهله في استخدامه، وهو الضابط “أي الذي يحمل على الأقل شهادة الثانوية العامة، كأقل تحصيل دراسي لقبوله في إحدى الكُليَّات العسكرية، أو في وزارة الداخلية، ويخوض ثلاث سنوات في الكلية قبل أن يُصبح ضابطاً، هذا إذا لم يكن خريجاً من كلية الحقوق، فمن شروط وظيفة المحقق أن يكون حاصلاً على شهادة الحقوق الجامعية)، هذا المحقق المسؤول عن كل ما يحدث هنا من تعذيبٍ ممنهجٍ، وقتلٍ لغاية الإلغاء لا أكثر، يحارب الثورة وأبناءها هنا، الثورة التي ساعدتها تكنولوجيا المعلوماتية في تقديم نفسها للعالم، وفي رصد وتوثيق همجية النظام في محاربته لها، ويجهل هذا المحقق التعامل مع أبسطِ أدوات استخدام هذه التكنولوجيا، وعندما بادرته بأن يسمح لي بتشغيل جهاز الكمبيوتر، وأن أقوم بشرح ما عليه من مواد، رفض رفضاً قاطعاً، وبشكل جنوني، خوفاً من أقوم بتضليله مستغلاً جهله المعلوماتي، وأقنعه ببراءتي، وبالطبع بعد فتح الكمبيوتر وغوصهِ في الموجودات على ذاكرته، لم يستخرج المحقق أي دليل إدانة بحقي.

لم أكن سعيداً بما رأيت، فعندما ترى حقيقة وعمق من يحكمون البلد التي تبذل روحك في سبيل نهضتها وكسرها لظلم الدكتاتورية التي تسيطر عليها شعباً وخيرات، وأنَّ هؤلاء هم نموذج صغير عن الشريحة الكبيرة التي تحتكر مراكز القيادة والإدارة في كل مفاصل حياتنا، هم الذين يحكمون البلد منذ عقود، يتحكمون بمصائرنا، أحلامنا، حياتنا، موتنا، بكل همجيةٍ وبربرية، وأسأل من جديدٍ، كيف استطاع الشعب الصبر كل هذه السنين، في الذل والعبودية البدائية، _لأن مفهوم السلطة عن العبودية لم تعرف تطويره أيضاً_، كيف صبر الشعب كل هذا الوقت على سياسة التجهيل الأعمى، لأجيالٍ تكبُر وتورث أبناءها الخوف والخوف والخوف.

وحتى في صراعك مع عدو متطور، يدفعكَ ذكاء عدوك لتطوير ذاتك وإمكانياتك، لتحقق على الأقل توازناً في هذا الصراع، ولكن في صراعنا مع الطاغية نيرون دمشق، ابتلينا بعدوٍّ همجيٍّ قمعي، يرفض التطوير والتحديث، إلا في ما يناسب بقاءه وأبديته في السلطة، وهذا ما جعل الصراع بين الثورة والدكتاتورية، يُدخِلُ مؤيدي الثورة في سراديب وأنفاق غايةً في العتمة، أثرت سلبياً في مجرى الأحداث، وأعطت النظام فرصةً تاريخيةً في إعادة إنتاج ذاته الأمنية والعنفية، مُرتكزاً على تسويق ما تلوَّثَ به الكثيرون ممن حملوا بيرق الثورة، من سياسة النظام التبعية والعميلة، وإباحة العنف المضاد، والإلغاء للآخر، كردة فعلٍ محقة على ما قام به النظام.

وهذا سببه عدم نضوج الوعي لمفهوم الثورة، من حيث أنها ليست صراعاً سياسياً على السُلطة فقط، وليست حرباً طائفيةً كما أراد النظام بها، وإنما هي إعادة بناء شخصية الإنسان السوري، الحر والمُنتج حضارياً، وإعادة صياغة علاقاته الاجتماعية بمفهوم الحقوق والواجبات، والمواطنة، والذي استطاع الثورة على ذاته، التي ترسبت فيها على مدى عقودٍ تشوهاتٍ فكريةٍ وإنسانيةٍ من صُنع الاحتلال المختلف والدكتاتوريات المحلية، وتغييرها جذرياً لترفض الذل والعبودية الحديثة، محاولاً استنهاض نفسه من سقطاته السابقة، ليقضي على الأسباب الحقيقية والتي أصبحت واضحةً جداً، التي أدت لكل هذا الهبوط والانحدار الإنساني.

لقراءة الجزء الأول: منهج السجون في دين الطغاة [1] ” من أدبيات السجون “

لقراءة الجزء الثاني: منهج السجون في دين الطغاة [2] – في السجون السورية لا وجود للآلهة

لقراءة الجزء الثالث: منهج السجون في دين الطغاة [3] – من أدبيات السجون، أن تصرخ عالياً، بصمت ..

لقراءة الجزء الرابع: منهج السجون في دين الطغاة [4] – ” من أدبيات السجون “

لقراءة الجزء الخامس: منهج السجون في دين الطغاة [5] – الأسد وريثُ السراج في تعذيب وتصفية معتقلي الرأي

لقراءة الجزء السادس: منهج السجون في دين الطغاة [6] – سجون العسكر السريَّة، مطارُ حماة العسكري (1)

لقراءة الجزء السابع: منهج السجون في دين الطغاة [7] – سجون العسكر السريَّة، مطارُ حماة العسكري (2)

لقراءة الجزء الثامن: منهج السجون في دين الطغاة [8] – سجون العسكر السريَّة، مطارُ حماة العسكري (3)

لقراءة الجزء التاسع: منهج السجون في دين الطغاة [9] – سجون العسكر السريَّة، مطارُ حماة العسكري (4)

لقراءة الجزء العاشر: منهج السجون في دين الطغاة [10] – سجون العسكر السريَّة، مطارُ حماة العسكري (5)

رابط مختصر

عذراً التعليقات مغلقة