سجون العسكر السريَّة، مطارُ حماة العسكري (2)

عمار حسين الحاج3 يوليو 2018آخر تحديث : منذ سنتين
عمار حسين الحاج
photo ٢٠١٨ ٠٥ ١٤ ١٨ ٥٨ ٥٠ - حرية برس Horrya press

منهج السجون في دين الطغاة

” من أدبيات السجون “

(7)

كُلما حاولت العودة إلى تلكَ التفاصيل، أول ما أتذكره العتمة التي كانت كلَّ ما أرى خلفً قميصي الداخلي الذين عصبوا بهِ عيني، لا شيء يستر عُريَّ جسدي النحيل سوى ثيابي الداخلية، وأنا وسطَ مجاهيلٍ كثيرة. الأصوات صُراخ وشتائم، اللمسات ضربات مؤلمة تترك آثاراً نفسيةً وجسدية أبدية. عُقبَ يومٍ كاملٍ في مقرٍّ للّجان الشعبية بزعامة عضو مجلس الشعب “وريس اليونس” بعد أن خطفتني دوريةٌ تابعةٌ لهُ من منزلي، تم تسليمي للمخابرات الجويّة في مقرّها الكائن داخل مطار حماه العسكري، داخل مبنى المستوصف.. وهو سجنٌ سرّيٌ مثل كلِّ السجون السرّية الموجودة في كل القطع العسكرية التابعة للجيش السوري.

وقفتُ أمسكُ ظلِّي أمام جدارٍ كما أخبرني عنصرٌ اقتادني من حقيبة السيارة إلى داخل البناء من يدي المقيدتين إلى الخلف بشريطٍ نحاسيٍّ. كُنَّا رتلاً من العُراة المُطأطئين؛ يسجلون أسماءنا ويوجّهون إلينا سؤالاً واحداً فقط، وكان العناصر قد أخبرونا بالإجابة مسبقاً.

_ هل تم مصادرة أي شيء من ممتلكاتك الشخصية، وماهي بالتفصيل؟

_ لم يصادروا مني شيئاً.. ولا أملك غير هويتي الشخصية.

رغم أنّي في تلك اللحظة، كنتُ قد بدأتُ أنسى ملامحي في هويتي الشخصية، والتي ستتحول منذ هذه اللحظة إلى رقم، وتُحفظ البيانات الشخصية في درج المحقق.. فهي لم تعد ذات قيمة طالما سقطت عني صفة المواطن، جُملةً وتفصيلاً ! والذي كنتُ أُحاول أن أكونه، ولكي أكونه، كان لا بُدَّ من هذه الزيارة للعدم، مع جهل الجميع لمدة الزيارة، إلَّا الجلاد، فهو الوحيد الذي بيده كُلُّ شيءٍ في هذا المكان حتى المصائر. اكتشفتُ هنا بأن الموت والحياة ليسا من الغيب.

هنا معلومتان: تموت أوتحيا، بكلِّ بساطةٍ و هدوء، بحسب رغبة الجلّاد. هنا تكتشف كم أنّ موتكَ صار عاديَّاً بالنسبة للجميع، وكم هو جميلٌ بالنسبة لكَ وحدكْ.

اقتادونا بعد تسجيل الأسماء إلى ما أحسسّته ممرّاً ضيّقاً، وسمعت صوتاً يأمر الجميع بنزع ثيابهم وهم ثابتون في أماكنهم!  يبدو بأن هناك معتقلين مازالوا يلبسون ثيابهم بعكس ما حدث معي في مقر اللجان الشعبية؛ فمنذ لحظة وصولي إلى المقرّ، تم نزع ثيابي بالكامل عني، وعلقوني في سقفٍ من يدي معصوب العينين، ولأكثر من ثلاث ساعات والجميع كان يضربني على كامل جسدي. عندما وصلتُ إلى المطار، كان جسدي العاري مليئاً بالكدمات الزرقاء والبنفسجية، مع كسر اثنين من الأسنان الجانبية، وثمة جرحٌ عميقٌ في ساقي اليمنى، حتى أنني كنت أشعر بالدم المتخثر أسفلَ قدميَّ أثناء السير _عَرَجاً_ على بلاط المستوصف البارد جداً.

أصوات شتائم الجلادين وصُراخ المعتقلين الذين يُعَذَّبون، لم تردعني عن تركيز السمع لأي أمرٍ قد أتلقاه وأنا وسط عتمةٍ لئيمةٍ، أمام جدارٍ قدَّرتُ المسافة بينه وبين وجهي وأنا أقف مثل عمودٍ خشبيٍّ، تقريباً حوالي عشرين سنتمتر عبر أنفاسي الخرساء، التي أرسلتها لتلمّس الجدار وتعود إليَّ! نعم، لقد استعرت مسبار الدلفين، وكلُّ ذلك لأستطيع رسمَ صورةٍ متخيلةٍ في رأسي عن مكان وقوفي، وكيف يمكن أن أتفادى صدمةً عنيفةً لوجهي في الجدار، نتيجةَ دفعةٍ من أحد الجلادين الذين يدوسون ظلَّي المتخفّي، الممدّد على أرضية الممرِّ وهم يقومون بمهامهم، في تأدية طقوس دين الطاغية الأعظم والأب الجليل لكُلِّ مجرمٍ وحاقدٍ؛  وتكاثفت حاسَّة السمع لدرجةٍ عاليةٍ جداً، جعلتني أسمع أضعف الأصوات، وأترجمها إلى لغةِ الهندسة المكانيّة، والتموضع والحراك البشري في محيطي الضيقِ بهذا الظلام.

وبعد حوالي الساعتين، بحسب ساعتي البيولوجية، سمعتُ اسمي وكان الصوت مثلَ سيفٍ اخترق جمجمتي من أذني اليمنى ليخرج السيف من اليسرى، تاركاً خلفهُ فجوةً تتناثرُ منها الأسئلة القاتلة، ماذا الآن .. هل حان وقت الموت؟.. إلى أين ؟ .. ماذا أفعل ؟ .. هل ستحدث معجزةٌ وتنقذني ؟.. الموت .. الغياب .. أنا .. أهلي .. حبيبتي .. رفاقي .. كلُّ شيء .. كلُ شيءٍ يسقط مني تباعاً ولحظياً، وأنا أحاول التقاط الأجوبة، لألمّلم أطرافَ الفجوةِ في جمجمتي! ولكن، عبثاً كانت محاولاتي.. ولا أعرف أية قوةٍ ظهرت في داخلي؟!  جعلت من جهاز النُطقِ يعمل منفرداً ضمن جوقة جسدي الواقف، الثابت المتهدّم؛ وصرختُ بكل قوتي ..” حاضر سيدي ” فامتدت يدٌ وأمسكت يديَّ المقيدتين إلى الخلف، فأمرَ صوتٌ تلكَ اليد بأن تقودني إلى “الحمَّام”، وردَّتِ اليدُ على الصوتِ الآمر “حاضر سيدي”، لتأمرني بدورها “امشي يا ابن القحبة مع ايدي”.

للحظةٍ حاولتُ أن أكون ساذجاً، وأفكِّر بأنَّ الجلادَ أمرَ اليدَ أن تقودني إلى “الحمَّام”، لأستحمَ، لو لم يصفني العنصر بابن القحبة، ولو أنني لم أسمع من قبل بأنَّ الحمَّام في المطار هو “مسلخ المستوصف البشري”.

لقراءة الجزء الأول: منهج السجون في دين الطغاة [1] ” من أدبيات السجون “

لقراءة الجزء الثاني: منهج السجون في دين الطغاة [2] – في السجون السورية لا وجود للآلهة

لقراءة الجزء الثالث: منهج السجون في دين الطغاة [3] – من أدبيات السجون، أن تصرخ عالياً، بصمت ..

لقراءة الجزء الرابع: منهج السجون في دين الطغاة [4] – ” من أدبيات السجون “

لقراءة الجزء الخامس: منهج السجون في دين الطغاة [5] – الأسد وريثُ السراج في تعذيب وتصفية معتقلي الرأي

لقراءة الجزء السادس: منهج السجون في دين الطغاة [6] – سجون العسكر السريَّة، مطارُ حماة العسكري (1)

رابط مختصر

عذراً التعليقات مغلقة