إدلب في عين العاصفة [2/2]

زكي الدروبي5 أكتوبر 2018آخر تحديث :
إدلب في عين العاصفة [2/2]

تحدثت في المقال السابق عن إيجابيات الهدنة في إدلب، من كونها أوقفت الحل العسكري الذي يتبعه النظام من أول يوم في الثورة السورية، وأنها ستنقذ أرواح عشرات الآلاف من المدنيين الأبرياء نتيجة سياسة الأرض المحروقة التي تتبعها روسيا وتقصدها، وحذرت من أن الاتفاقية جاءت نتيجة ظروف دولية ولم تأت نتيجة ظروف ذاتية للثورة، وأن الظروف الإقليمية والدولية قد تتبدل في أي لحظة ولدينا الكثير من التجارب السابقة التي شاهدنا فيها تذبذب التصريحات والمواقف الدولية من ثورة الشعب السوري المطالبة بإسقاط نظام الاستبداد والانتقال لنظام ديمقراطي تعددي، وذكّرت بالسعي الروسي الحثيث لنقض الهدنة واستكمال سعيها لتدمير إدلب وقتل سكانها وتهجيرهم وإعادة من يبقى منهم لحضيرة الأسد الاستبدادية.

أعتقد أننا مطالبون بالسعي الحثيث لتثبيت هذه الهدنة مستفيدين من المناخ الدولي المناسب حالياً، والذي يعطينا فرصة لالتقاط الأنفاس وإعادة تنظيم صفوفنا.

سبق وأن أوضحت في مقالي (هل انتهت الثورة؟1/2) (هل انتهت الثورة؟ 2/2) أن الثورة السورية لم تخسر، وما حدث هو انتهاء هذا الشكل من العمل، الشكل الذي هيمن عليه التطرف والأسلمة والفصائلية وستنتقل الثورة السورية إلى طور جديد، وقد شهدنا في الأسابيع الماضية كيف خرجت سوريا كالعنقاء من تحت الرماد، فهذا الشعب الذي تحدثت عنه في مقال (سوريا تقاوم المخرز بأجساد معتقليها) شعب جبار لن يستكين حتى يصل لأهدافه، وقلت في مقال رابع حمل عنوان (إدلب والربيع العربي) أن المظاهرات التي خرجت في المناطق المحررة نبراس يضيء ويشحذ الهمم لبقية الشعوب المطالبة بحقها في التغيير نحو مستقبل أفضل في دول تعتمد المواطنة والديمقراطية وتحترم حقوق الإنسان وتحقق العدالة الاجتماعية، أي أنني واثق أن الثورة ستنتصر مهما فعلوا وهي بهذا المعنى ليست موضة أو نشاطاً موسميا، لتحقيق أهداف سياسية لفريق معارض يحسب نفسه على الثورة السورية لشركائه في الثورة، إنما مشروع تغيير حقيقي للمنطقة يخرجها من التبعية ويعيد للشعوب حريتها وكرامتها وثرواتها المنهوبة.

أعتقد أن الجميع يدرك أننا أمام منعطف تاريخي خطير، ولسنا في وضع يسمح لنا بالاستمرار في نفس النهج السابق الذي أوصلنا إلى ما وصلنا إليه، فالتكاليف التي دفعناها كبيرة جدا، ويجب أن لا نعيد دفع نفس التكاليف، ويجب على الجميع تنحية الذاتي والانطلاق للعام الوطني، لكن للأسف هناك من يحاول استغلال المظاهرات لإرسال رسائل داخلية إلى الثوار والمعارضة ويحاول فرض أيديولوجيته الإسلامية على النشاط محاولاً شراءه بالمال السياسي القذر تحت ذريعة شراء أعلام للثورة، ومستلزمات اللافتات، وأجهزة الصوت، ومن ثم الادعاء بأنه يمثل الثورة بشكل أو بآخر من خلال التلميحات والتصريحات، كما حاول البعض رفع أعلام وشعارات إسلامية، وشتم البعض الآخر القوى الوطنية – “العلمنجية” حسب تعبيرهم – الرافضة لتكبيراتهم وهتافاتهم الإسلامية في المظاهرات.

الوضع في إدلب خطير وعلى شفا حفرة من نار، فالمظاهرات التي خرجت في إدلب أوضحت أن هناك شعباً وهناك مدنيين وليست بؤرة تجمع للإرهابيين، وهناك ضرورة لتنظيم النشاط الثوري في الداخل وتطويره، وأن لا تقتصر المظاهرات على أيام الجمعة، بل يجب أن تتعداه لأيام أخرى خلال الأسبوع، ورفع شعارات وطنية وأعلام الثورة فقط بعيداً عن أية أعلام أخرى سواء أكانت أعلام دول أو أعلام فصائل أو أحزاب، وتشكيل تجمع يضم تنسيقيات المدن والقرى بعيداً عن هيمنة أي فريق سياسي، وينسق هذا التجمع مع الخارج ليكون هناك وحدة عمل وطني.

سحب ذريعة الإرهاب أكثر من مهم، وذلك عبر حل جبهة النصرة لنفسها إن كانت تريد الخير لهذا البلد ولهذا الشعب، ونشر المؤسسات الديمقراطية في المناطق المحررة، والعمل وفق دستور 1950، وفي محاكم مدنية تعتمد قانون أصول المحاكمات السوري وليست محاكم شرعية استثنائية فصائلية كما هو الواقع اليوم، وبجهاز أمني محترف يقوده ضباط مختصين محترفين يحمي أمن المواطنين ويمنع اختراقات النظام بإشراف القضاء، والسماح بحرية التعبير بكافة أشكالها وبحرية النشاط السياسي والحزبي والدعوة لانتخابات في كل المناطق المحررة لإيجاد إدارة منتخبة ديمقراطياً لهذه المناطق، وبإشراف الأمم المتحدة ذاتها.

يجب أن يترافق كل النشاط السابق بجهد سياسي وشعبي وإعلامي كبير ينفي عنها الصفة الإسلامية الإرهابية التي ألصقت بها، ويوضح أن السكان في المنطقة ليسوا متطرفين وأنهم شعب متحضر يؤمن بالديمقراطية مثله مثل أي شعب متحضر في هذه الدنيا، ويمارس إدارته للمنطقة بشكل ديمقراطي وهي مثال يحتذى، وأن معتقداته الدينية وممارسة شعائره وطقوسه أمر يخصه هو ولا يرغب بفرضها على الآخرين، ولن بجعل إدلب منطلقاً لغزواته لاستعادة أمجاد الإمبراطوريات الغابرة. لذلك فهناك ضرورة ملحة لفضح كل من يحاول إظهار أي مظهر أو أي شعار لا يتوافق مع مطالب الثورة بالانتقال من نظام عائلة الأسد المستبدة المجرمة القاتلة إلى نظام ديمقراطي تتعددي، وأي شعارات أو لافتات أو هتافات لا تندرج ضمن هذا الخط فستكون عبئ على الثورة والمدنيين في إدلب.

لننحِّ الجانب الذاتي والرغبات والعواطف ونظهر العقلانية والواقعية في التعامل مع الظروف المحيطة فالوطن بخطر شديد ويجب أن تتداعى كل القوى السياسية للقاء تشاوري على الأقل يتبادلون فيه الآراء حول ما حدث ويحدث وما الذي يجب فعله خلال الفترة القادمة.

التعليقات

عذراً التعليقات مغلقة

    عاجل