

تبدو العلاقة بين القانون والسلطة واحدة من أقدم الإشكاليات التي رافقت نشوء الدول والمجتمعات السياسية. فمنذ أن أدرك الإنسان أن القوة وحدها لا تكفي لبناء الاستقرار، بدأ البحث عن قواعد تنظم الحكم وتحدد حدود السلطة وتمنع تحولها إلى أداة قهر دائم. ولهذا لم يكن القانون مجرد نصوص جامدة، بل تعبيراً عن توازن دقيق بين الدولة والمجتمع، بين الحاجة إلى النظام والخوف من الاستبداد. غير أن التاريخ السياسي يكشف أن هذا التوازن ظل هشاً دائماً؛ فكل سلطة تميل بطبيعتها إلى التوسع، فيما تحاول المجتمعات، بدرجات متفاوتة، فرض قيود تحول دون احتكار القوة والقرار.
في العالم العربي، كما في تجارب كثيرة أخرى، اصطدمت مشاريع الدولة الحديثة بمأزق مزمن تمثل في غلبة السلطة التنفيذية والأجهزة الأمنية على حساب المؤسسات والقانون. وقد بدت سوريا نموذجاً صارخاً لهذه الإشكالية، حيث تداخل مفهوم الدولة مع مفهوم النظام السياسي، وأصبح الحفاظ على السلطة مرادفاً للحفاظ على الاستقرار نفسه، إلى أن انفجرت التناقضات الكامنة مع اندلاع الاحتجاجات في العام 2011 وما تبعها من تحولات عميقة لا تزال آثارها تتفاعل حتى اليوم.
تقدم الحالة السورية مثالاً واضحاً على المسار الذي يمكن أن تنتهي إليه الدولة عندما يختل التوازن بين السلطة والقانون. فخلال العقود السابقة، خصوصاً منذ تثبيت حكم حافظ الأسد ثم انتقال السلطة إلى بشار الأسد، قامت الدولة السورية على مركزية أمنية صارمة، حيث تراجعت السياسة لمصلحة الأجهزة، وتقلصت الحياة الحزبية والمدنية إلى حدود شكلية. وبالرغم من وجود دستور وبرلمان ومؤسسات رسمية، فإن القرار الحقيقي بقي محصوراً داخل بنية سلطوية مغلقة. ومع الوقت، أصبح الاستقرار يعني عملياً استمرار النظام نفسه، لا بناء دولة قادرة على استيعاب التنوع الاجتماعي والسياسي.
عندما اندلعت احتجاجات العام 2011، ظهرت الأزمة العميقة التي كانت كامنة تحت سطح الاستقرار الظاهري. فبدلاً من التعامل مع الاحتجاجات باعتبارها تعبيراً عن أزمة سياسية واجتماعية قابلة للإصلاح، جرى النظر إليها كتهديد أمني وجودي. ومع تصاعد العنف، دخلت البلاد في حرب مدمرة أعادت تشكيل المجتمع والدولة معاً، وفتحت الباب أمام تدخلات إقليمية ودولية واسعة.
لكن التطورات اللاحقة أظهرت أيضاً تحولات مهمة داخل المشهد السوري، خصوصاً مع بروز ترتيبات سياسية وإدارية جديدة في بعض المناطق، ومحاولات إعادة بناء مؤسسات محلية أقل ارتباطاً بالنموذج الأمني التقليدي. فثمة فارق واضح بين مرحلة ما قبل التغيير السياسي الحالي، حيث كانت السلطة شديدة التمركز ومغلقة إلى حد بعيد، ومرحلة ما بعده التي شهدت قدراً أكبر من النقاش العام، وتراجعاً نسبياً لهيمنة الخطاب الواحد، ومحاولات ـ ولو محدودة ومتعثرة ـ لإعادة تعريف العلاقة بين المجتمع والدولة.
هذه التغييرات لا تعني أن سوريا تجاوزت أزمة الاستبداد نهائياً. فالمشكلة الأعمق لا تتعلق بالأشخاص فقط، بل ببنية الحكم نفسها وبالثقافة السياسية التي تراكمت خلال عقود طويلة. إذ يمكن لأي سلطة جديدة، مهما رفعت من شعارات الإصلاح، أن تنزلق مجدداً نحو إنتاج الاستبداد إذا غابت الضمانات المؤسسية الحقيقية. والتاريخ السياسي مليء بحركات وصلت إلى الحكم بوصفها قوى تغيير، ثم تحولت لاحقاً إلى أنظمة مغلقة لا تختلف كثيراً عمن سبقها. وكما يقال فإن “الثورة قد تنجح في إسقاط القصر، لكنها أحياناً تحتفظ بالمفاتيح نفسها”.
لهذا تبدو المرحلة السورية الحالية شديدة الحساسية. فالتحدي لم يعد إسقاط نموذج قديم فقط، بل منع إعادة إنتاجه بأسماء وأدوات جديدة. وهذا يتطلب بناء قواعد سياسية واضحة تقوم على الفصل بين السلطات، واستقلال القضاء، وحرية الإعلام، وضمان التعددية السياسية، وربط شرعية الحكم بالمحاسبة لا بالقوة وحدها. فالدولة التي تعتمد على الزعيم المنقذ أو الحزب الواحد تبقى معرضة دائماً للعودة إلى الحلقة ذاتها، حتى لو تغيرت الوجوه والشعارات.
كما أن إعادة بناء الثقة داخل المجتمع السوري تحتاج إلى عقد سياسي جديد يشعر فيه المواطن أن الدولة تحمي حقوقه. وهذه النقطة بالذات ستكون الامتحان الحقيقي لأي سلطة جديدة. فهل تستطيع الانتقال من منطق السيطرة إلى منطق الدولة؟ وهل تقبل بوجود معارضة ومجتمع مستقل وصحافة قادرة على النقد؟ أم أن هواجس الأمن والخوف من الفوضى ستقود مرة أخرى إلى تبرير التضييق وإعادة إنتاج الحكم المغلق؟
إن التجربة السورية اليوم تقف عند مفترق طرق حقيقي، فهي تحمل في داخلها إمكانية الخروج من إرث طويل من الاستبداد، لكنها تحمل أيضاً خطر إعادة إنتاجه بصيغ جديدة أكثر مرونة ودهاءً. فالدول لا تُقاس فقط بقدرتها على فرض الأمن، بل بقدرتها على بناء شرعية مستدامة قائمة على القانون والثقة والمشاركة. وإذا كان السوريون قد دفعوا أثمانا باهظة خلال السنوات الماضية، فإن التحدي الأكبر اليوم يتمثل في ضمان ألا تتحول تضحياتهم إلى مجرد محطة عابرة في دورة جديدة من الحكم المغلق. فالتاريخ السياسي يعلمنا أن الاستبداد لا يعود دائماً بوجهه القديم، وهو أحياناً يعود مرتدياً لغة الإصلاح نفسها، ومبتسماً أكثر من السابق.





