

ما يستنتج من الاتصالات بين الولايات المتحدة وإيران، عبر الوسطاء الباكستانيين، وممّا يعلن من تصريحات يدلي بها مسؤولون باكستانيون، ودخول وساطة قطرية مدعومة إقليمياً ودولياً على الخط لدعم الجهود الباكستانية ودفع الأمور نحو اتفاق، وما يُستشفّ من التصريحات المتعارضة التي يطلقها ترامب والمسؤولون الإيرانيون، والتسريبات الصحافية التي تتحدّث عن نقاط التوافق والخلاف، وتلك المعلّقة بين الولايات المتحدة وإيران… ما يستنتج من هذا كلّه إمكان الوصول إلى حلّ مقبول قد يكون بمثابة اتفاق مرحلي، يمكن لكلّ طرف أن يسوّقه انتصاراً منتظراً، بالتناغم مع حسابات داخلية حسّاسة، وحتّى الاحتفاظ بصورة المنتصر دعائياً أمام القوى المنافسة المتربّصة، على المستويين الدولي والداخلي بالنسبة إلى الولايات المتحدة، أو على المستوى الإقليمي بالنسبة إلى الإيرانيين.
وفي وقت ينتظر فيه العالم بأسره أنباء حدوث انفراج في أزمة إغلاق مضيق هرمز التي أثّرت في الاقتصاد العالمي، وتنذر بعواقب وخيمة إذا ما استمرّ الوضع الراهن، تعاني دول مجلس التعاون الخليجي وضعاً غير مستقرّ، هو مزيج بين حرب غير مُعلَنة عليها، وقرار خليجي بعدم الانجرار إلى أيّ حرب لن تكون في مصلحتها، ولا في مصحلة أمن المنطقة واستقرارها.
يشغل مستقبل العلاقة بين النظام الإيراني وأذرعه في المنطقة بال صنّاع القرار في دول الخليج العربية
ولفهم هذا الموقف لا بدّ من الأخذ في الاعتبار جملة معطيات وحقائق منها: استحقاقات الجغرافيا، والتداخل السكّاني والمذهبي، والتشارك الاقتصادي الاضطراري، ولجميع هذه الأمور مآلاتها وانعكاساتها التي تؤثّر في واقع العلاقات بين دول الخليج والعراق من جهة وإيران من جهة ثانية. وتاريخ هذه العلاقات قديم يعود إلى البدايات الحضارية الأولى التي شهدها العالم في المنطقة. وبينما تركّز الولايات المتحدة بالتنسيق مع إسرائيل على ملفّ إيران النووي وصواريخها الباليستية، وتتوجّه أنظار العالم نحو مضيق هرمز، وتُبذل الجهود على مختلف المستويات من أجل المحافظة على انسيابية تدفّق النفط والغاز عبره، واستمرارية شحنات الأسمدة وغيرها من السلع التي تصدّرها دول المنطقة، فضلاً عن السلع التي تستوردها، ينصبّ اهتمام دول المنطقة، خصوصاً السعودية، لأنّها الحجر الأساس الوازن في عملية ضبط العلاقة بين دول الخليج، وحتّى اليمن والعراق إلى حدّ ما، من جهة، وإيران من جهة ثانية، على اليوم التالي للحرب، وبعد التوصّل إلى اتفاق أميركي إيراني ينصّ على إيقاف الحرب، وتحديد الآليات والضوابط المطلوبة لمراقبة مدى الالتزام الإيراني بالاتفاقية التي تشير المعطيات إلى قرب التوافق حولها.
وما يشغل بال صنّاع القرار في الدول الخليجية مستقبل العلاقة بين النظام الإيراني وأذرعه في دول المنطقة، خصوصاً في العراق ولبنان واليمن، واحتمال تحرّك الخلايا النائمة في الدول الأخرى، بما فيها سورية التي ما زالت في مرمى الخطر على الرغم من هروب بشّار الأسد وانهيار سلطته، ومجيء إدارة جديدة لم تتمكّن بعد من ضبط الأمور وحلّ المشكلات في الداخل السوري كما ينبغي. والجدير بالذكر هنا أنّ دول الخليج بذلت جهوداً مضنيةً مع الإدارة الأميركية من أجل إقناعها قبل الحرب بضرورة (وإمكانية) التوصّل إلى حلّ الخلافات مع إيران بالطرق الدبلوماسية، وكان ذلك بناء على قناعة هذه الدول بأنّها ستتأثّر بالحرب مباشرة، وذلك بموجب ضرورات الجوار وتداخل المصالح، والحساسيات المذهبية التي استغلّها النظام الإيراني أبشع استغلال منذ بدايات مجيئه، بل نفخ فيها، وحوّلها من قضية داخلية خاصّةً بالدول العربية المَعنية، كان يمكن حلّها من خلال المشاريع الوطنية في دول المنطقة، وهي المشاريع التي ينبغي أن تستوعب سائر المواطنين من دون أيّ تمييز، إلى قضية، بل أزمة، إقليمية كلّفت الدول التي عانت منه (وما تزال) أثماناً باهظةً، خاصّة في اليمن والعراق ولبنان. ولكنّ الحرب اندلعت بفعل إصرار الجانبَين، الإسرائيلي والإيراني، على ريادة الإقليم على حساب القوى الإقليمة الأخرى.
وعلى الرغم من حرص الجانب السعودي اللافت على استمرارية التواصل مع الجانب الإيراني، والتفاعل الإيجابي (الظاهري على الأقلّ) من الحكومة الإيرانية مع هذا التوجّه، يبدو أنّ قوى متشدّدةً باتت هي عملياً المتحكّمة في القرار الإيراني راهناً بعد سلسلة التصفيات التي تعرّضت لها معظم القيادات الروحية والسياسية والعسكرية الإيرانية في بدايات الحرب الأميركية الإسرائيلية الإيرانية (28 فبراير/ شباط الماضي)، وقد أوعزت تلك القوى المتشدّدة بتوجيه الضربات الصاروخية وهجمات المسيّرات ضدّ أهداف مدنية في دول الخليج (السعودية وقطر والإمارات بصورة خاصّة) متجاهلةً المواقف الرسمية التي أعلنتها هذه الدول، وأكّدت من خلالها حياديتها ورغبتها في حلّ الخلافات بالطرق الدبلوماسية. وبصرف النظر عن كلّ ما تعرّضت له من اعتداءات، ارتأت الدول المعنية ضبط النفس، واستمرّت في جهود التهدئة، ومحاولات التوصّل إلى توافقات تؤدّي إلى إيقاف الحرب.
وكان اللافت الذي أثار تساؤلاتٍ كثيرة، والاستهجان والإدانة، هو الهجوم الذي شنّته مسيّرات الفصائل العراقية الولائية على مواقع سعودية وإماراتية بالتزامن مع خطاب رئيس مجلس الوزراء العراقي الجديد، علي الزيدي، الأوّل بعد حصول حكومته على ثقة مجلس النواب، وأكّد فيه ضرورة إبعاد العراق عن الاصطفافات الإقليمية، والمحافظة على علاقات حسن الجوار، ورفض تحويل العراق إلى ساحة لتوجيه الهجمات على دول الجوار. ومن الواضح أنّ الجانب الأميركي منتبه لهذه النقطة، وهو على قناعة بأنّ الأوضاع في المنطقة لن تستقرّ، من دون إخراج العراق من دائرة الهيمنة الإيرانية، خصوصاً في سورية ولبنان. لذلك كان الإصرار الأميركي على إبعاد نوري المالكي من موقع رئاسة الوزراء. كما كان اعتقال محمّد باقر الساعدي، وهو القائد في مليشيا حزب الله، رسالةً مفادها وجود توجّه أميركي نحو فتح ملفّ الفصائل الموالية التابعة بصورة مباشرة للنظام الإيراني. وهذا فحواه إفهام النظام أنّ سياسة التغلغل والتمدّد ضمن دول المنطقة ومجمتعاتها لم تعد مقبولةً.
لن تتخلّى التيارات المتشدّدة التي تتحكّم اليوم بالقرار الإيراني بسهولة عن ورقة الأذرع، لأنّها قد تمكّنت بفعل هذه الأذرع من نقل الحروب والصراعات المسلّحة إلى داخل الدول المجاورة، كما تمكّنت من استخدام الأوراق الإقليمية لتعزيز موقع النظام الإيراني على المستويَين الإقليمي والدولي؛ حتّى بات التفكير في استعادة أمجاد الأمبراطورية الإيرانية جزءاً من استراتيجية النظام الإيراني الذي كان يرى في امتلاك السلاح النووي الأداة التي تمكّنه من بلوغ أهدافه، وحماية مشروعه، ولكنّ الأمور لم تصل إلى المبتغى الذي كان يريده النظام المعني، وجرت الرياح بما لم تكن تشتهيه سفن ولاية الفقيه الذي دفع حياته ثمناً للصراع على الزعامة الإقليمية.
هناك حاجة لبناء التفاهمات ومرتكزات العمل المشترك مع الدول الإقليمية مثل تركيا
وإلى أن يعود النظام الإيراني إلى رشده، ويتوصّل إلى قناعة تامّة بضرورة (وأهمية) الاندماج في المحيط الإقليمي، هناك خطوات مطلوبة من دول الخليج، خصوصاً من السعودية، لامتلاك أوراق إقليمية تتناسب مع وزنها الإقليمي والدولي وتتكامل معه. فعودة النظام الإيراني إلى رشده مسألة لم تدخل بعد مجال الممكن المتوقّع، خصوصاً في أجواء استمرارية الحكومة الإسرائيلية في تعطيل كلّ إمكانات التوصّل إلى حلّ مقبول لوضع حدٍّ لمعاناة الشعب الفلسطيني التي تظلّ، على الرغم من كلّ ما حدث، موضوعاً يثير التعاطف والتعاضد على مستوى الشعوب العربية والإسلامية، وهو الأمر الذي يستغلّه النظام الإيراني بصورة مباشرة أو من خلال أذرعه في المنطقة. ولكنّ الانفتاح على الحكومة العراقية وتعزيز مواقع القوى السياسية العراقية المتذمّرة من التدخّلات الإيرانية السافرة في الشؤون العراقية مسألة ممكنة، وبذل المساعي من أجل تطوير العلاقات بين الحكومتين العراقية والسورية من المسائل الممكنة أيضاً، فخطوة من هذا القبيل ستعزّز الموقع العربي إقليمياً، وتعيد التوازن إلى المعادلات الإقليمية المختلّة بين القوى الإقليمية التي تحاول ترتيب الأمور في ما بينها، وغالباً ما تكون الدول العربية في المنطقة هي ساحات التنافس والصراع الإقليميين على النفوذ والتحكّم، بناء على أولويات الأطراف المتنافسة المتصارعة وحساباتها.
حالة اللاحرب واللاسلم هي المهيمنة على أجواء المنطقة، وهي حالة مفتوحة على كلّ الاحتمالات؛ بفعل تداخل الحسابات الإقليمية والدولية، والإضطرابات الداخلية، ومحاولات القوى الإقليمية والدولية استغلال هشاشة أوضاع دول المنطقة على المستويين الرسمي والشعبي، وهذا كلّه، وغيره، يستوجب تحرّكاً عربياً مدروساً يمكن أن يجمع بين دول مجلس التعاون بقيادة السعودية ومصر والأردن، وبالتنسيق مع العراق وسورية والدول العربية الأخرى الراغبة، باتجاه القوى الدولية المؤثّرة على الساحة الدولية (الولايات المتحدة، والصين، والاتحاد الأوروبي، وروسيا). وفي الوقت ذاته، هناك حاجة لبناء التفاهمات ومرتكزات العمل المشترك مع الدول الإقليمية المستعدّة مثل تركيا.
ولكن المزيد من الانفتاح والدعم لحكومات كلّ من العراق وسورية ولبنان يبقى الخطوة الأهم لإفهام النظام الإيراني بأنّ هذه الدول ليست سائبة، ولن تكون إلى الأبد بمثابة الحديقة الخلفية للمشروع الإيراني التوسّعي. كما أنّ تأكيد حقّ الشعب الفلسطيني في الحصول على حقوقه وفق القرارات الدولية يظلّ الخطوة الأهم لقطع الطريق أمام المزاودات الشعاراتية التي استخدمها النظام الإيراني بصورة دائمة منذ سيطرته على الحكم في إيران لاسباغ قسط من الشرعية الوهمية على جهوده العصيّة على أيّ شرعنة.





