

أتابع حالة الإحباط والخذلان التي يعيشها الكثيرون، ومعظمهم من أبناء الثورة.. حالة اصطدام مشاعر النشوة بانتصار الثورة مع واقع سياسي واجتماعي وأمني ومعيشي معقد للغاية.
أشعر بخيبة الأمل التي يعانيها الكثيرون، وهي ناتج خلط متوقع وغير مستغرب بين التوقعات من نتائج “إسقاط النظام”، وتحديات التغيير، الذي تقتضيه عملية “بناء الدولة”.
ما أكتبه هنا ليس محاولة لتبرير شيء من السلبيات والأخطاء والخطايا، التي نعايشها جميعا، بل محاولة لوصف الواقع، ومن يعتقد أن نجاح الثورة بإسقاط النظام هو الغاية فهو مخطئ، ومخطئ أيضاً من يعتقد أن انتصار الثورة يعني بالضرورة نجاح كل الأهداف المتوقعة.
لماذا يعتبر انتصار الثورة مهماً، ولماذا ليس كافياً، الفيلسوف الألماني هيغل يقول: “لا يمكن بناء صرح جديد على أرض مليئة بالأنقاض القديمة دون إزالتها أولاً”، المعنى أن الثورة كانت ضرورة لتحقيق الأهداف، والثورة عملية هدم أولاً، عندما تنتصر نرى مشهد الركام أولا.
ولماذا نهدم في الثورة؟ يجيب عن هذا السؤال فريدريك دوغلاس: “السلطة لا تتنازل عن شيء دون مطالبة، لم تفعل ذلك أبداً ولن تفعله أبداً”، وفي حالة سلطة مثل سلطة عصابة الأسد ومليشياته، سيكون شكل المطالبة خطيراً ومكلفاً، ورد السلطة مدمراً، وعندما تنجح الثورة بالإطاحة بالسلطة الاستبدادية سيكون المشهد محبطاً، والتضحيات محزنة، وهو ما كان عليه حالنا جميعا ليلة سقوط الأسد، فرح عارم، وحزن مرير على الضحايا.
حقوق الناس وحرياتهم لا يمكن الحصول عليها من مستبد متسلط، دون هدم أركان قوته وجبروته، وأثناء القيام بهذه المهمة ستتراكم نتائج سلبية لمجموع أفعال طلاب الحرية، متنوعي التوجهات والأهداف، المتفقين على هدف الخلاص من الاستبداد، المختلفين على شكل الدولة ونهجها وطبيعتها وسياساتها.. كما تتراكم نتائج سلبية للغاية بفعل جرائم السلطة تجاه معارضيها ومجتمعاتهم، والصورة النهائية خراب كبير.. لكنه الخراب الذي لا بد منه، شرٌ لا بد منه للتخلص من شرٍ مطلق أكبر، هو إرث الاستبداد والقتل والقمع وإذلال الناس واختطاف إرادتهم.
ومع انتصار الثورة، يسترد الناس إرادتهم، وحريتهم، لكن ضمن مجال عام يتسم بفوضى عارمة، نتيجة فراغ السطة أو غياب التسلط، وانفجار التوقعات المكبوتة، والكثير منها يكون غير واقعي، وخارج منطق قدرات السلطة الجديدة، أمنياً ومعيشياً، وهذه الفوضى قد تطول أو تقصر حسب قدرة السلطة الجديدة على فرض منطق سيادة القانون.. القانون في هذه المرحلة يغدو قانون القوي، ويحتاج لضبطه خطوات لا يمكن إنجازها إلا في مساحة زمنية تتناسب مع مقدار الخراب الذي خلفه الصراع بين طلاب الحرية وسلطة الاستبداد.. وفي حالتنا السورية، حيث الخراب واسع، عام وخطير، يبدو أن الزمن المطلوب لن يكون قصيراً.
عندما تزول سلطة المستبد وقدمه الثقيلة عن رقاب الناس، تبرز طموحات وتوقعات بعض فئات المجتمع بأشكال خطرة غالباً، بدوافع مختلفة، بعضها نتاج أخطاء السلطة الجديدة، أو مظلوميات السلطات السابقة، أو ثأر أو مطامع، ما يتيح المجال لعبث التدخلات من أطراف خارجية، تزيد التعقيدات حدة، وتفتح المجال لتحول الفوضى إلى ساحات دم.
ختاماً.. الثورة ونجاحها ليسا الهدف، هما مدخل إجباري لتحقيق حلم دولة القانون والحقوق والحريات التي ثار من أجلها طلاب الحرية.
الثورة عملية هدم لما هو قائم ومتخلف، تمهيدا لبناء دولة سيادة القانون واحترام وإدارة التنوع بنهج المواطنة المتساوية.. دولة تقديم الخدمات بكفاءة ونزاهة.
وهذا المسار طويل، والعمل لأجله شاق.. ويحتاج الصبر.. وعدم الانهزام أمام الخيبات.. وعدم البقاء في موقع المعارضة العدمية التي لا تثق بشيء ولا بأحد، وتنشر الإحباط في نفوس الناس.
بمقدار ما نحتاج قادة دولة يتسمون بالكفاءة والنزاهة، نحتاج معارضين ونشطاء يحولون نقدهم أو حماسهم الثوري إلى تجمعات وكيانات منظمة، نقابات وجمعيات وأحزابا، لا تكتفي بالنقد النظري، وملاحقة أخطاء السلطة وعثراتها، بل تركز على التفكير والتخطيط لتقديم بدائل سياسية واقتصادية واقعية.





