عودة السوريين لا تبدأ من المطار

سمر بدر7 سبتمبر 2026آخر تحديث :

هناك عودة تحدث عند بوابة المطار وعودة أصعب تبدأ عندما يقرر السوري أن يربط مستقبله بالبلد الذي غادره.

وبين الاثنتين سنوات من الغياب، وحياة كاملة بنيت في مكان آخر.

بعد سقوط نظام الأسد، عاد إلى سوريا كثير ممن غابوا عنها لسنوات طويلة. سياسيون وأكاديميون وأصحاب خبرات ورجال أعمال وناشطون. بعضهم عاد ليرى بيتا تركه خلفه، وبعضهم جاء وفي داخله رغبة حقيقية بالمشاركة في المرحلة الجديدة.

لكن الزيارة شيء، والعودة شيء آخر.

الكاتب السوري عمار ديوب طرح في مقال نشره في العربي الجديد في 6 أيلول، بعنوان “لماذا لا تعود النخب السورية؟”، سؤالا يستحق التوقف عنده: لماذا خفت حماسة كثير من النخب السورية للعودة، بعدما شهدت الأشهر الأولى بعد سقوط النظام زيارات ولقاءات ومحاولات للمشاركة؟

السؤال لا يتعلق بالحنين. فالحنين إلى سوريا موجود لدى كثير ممن غادروها، وربما لم يغادرهم يوما. المشكلة تبدأ حين يتحول التفكير من زيارة قصيرة إلى قرار بالعيش والعمل وتربية الأولاد وبناء المستقبل من جديد.

فالحنين قد يحجز تذكرة سفر، لكنه لا يكفي لبناء حياة.

خلال العقود الماضية لم تخسر سوريا أعدادا كبيرة من أبنائها فقط، بل خسرت سنوات من الخبرة تراكمت خارج البلاد. طبيب غادر في بداية حياته المهنية وأصبح اليوم صاحب خبرة طويلة، ومهندس بنى مسارا مهنيا في بلد آخر، وباحث أو أستاذ جامعي أو رجل أعمال امتلك معرفة وعلاقات لم تكن لديه يوم خرج من سوريا.

وهنا يصبح الحديث عن عودة هؤلاء جزءا من إعادة إعمار البلاد، لا موضوعا جانبيا.

إعادة الإعمار ليست طرقا وأبنية وكهرباء فقط. هناك شيء أصعب من إعادة بناء الجدران، وهو إعادة بناء الثقة.

فمن يفكر بالعودة لن يسأل فقط إن كان يستطيع الدخول إلى سوريا، بل ماذا سيفعل في اليوم التالي. هل يجد عملا يناسب خبرته؟ هل يستطيع تأسيس مشروع؟ هل تحمي القوانين استثماره؟ هل يمكنه التخطيط لسنوات مقبلة؟ وهل يشعر أساسا بأن خبرته مطلوبة وأن له مكانا حقيقيا في البلد الجديد؟

هذه ليست أسئلة رفاهية، ولا تعني أن أصحابها أقل ارتباطا بسوريا. هي الأسئلة الطبيعية لأي إنسان أمضى سنوات طويلة وهو يعيد بناء حياته من الصفر.

ولهذا ربما يكون الخطأ أن نضع السوري في الخارج أمام خيارين فقط: أن يعود نهائيا، أو أن يبقى بعيدا.

يمكن للدولة السورية أن تستعيد خبرات أبنائها قبل أن تستعيد عناوين سكنهم.

طبيب يستطيع أن يعود فترة لتدريب فريق طبي، وأستاذ جامعي يمكن أن يشارك في برنامج أكاديمي، ومهندس في مشروع، وخبير اقتصادي في مؤسسة، ورجل أعمال يبدأ باستثمار محدود ثم يوسعه إذا وجد بيئة مستقرة. عودة الخبرة قد تبدأ بخطوات صغيرة قبل أن تتحول إلى عودة أصحابها.

وهذه الفكرة ليست نظرية فقط. المنظمة الدولية للهجرة تحدثت في خطتها لعام 2026 عن برامج تسمح بمشاركة أصحاب الكفاءات السورية في مسارات عودة منظمة وآمنة عندما تسمح الظروف بذلك.

والأهم ألا يتحول قرار العودة إلى اختبار للوطنية.

كثير من السوريين الذين يعيشون اليوم في الخارج لم يغادروا بحثا عن حياة أسهل. خرجوا من حرب واعتقال وخوف وفقد، ثم احتاجوا سنوات كي يبنوا حياة جديدة. واليوم، بعد أكثر من عقد، لم يعد قرار العودة يتعلق بشخص واحد يحمل حقيبته ويغادر. هناك زوج أو زوجة وأطفال ومدارس وأعمال وبيوت وحياة كاملة نشأت في مكان آخر.

لذلك، بدلا من سؤالهم: لماذا لا تعودون؟ ربما يكون السؤال الأكثر فائدة للدولة السورية: ماذا نحتاج كي تصبح العودة خيارا ممكنا؟

بيانات منظمة الهجرة نفسها تظهر أن استدامة العودة إلى سوريا ما تزال مرتبطة بالأمن والسكن والخدمات وسبل العيش والبنية التحتية، وهي عوامل لا يمكن تجاوزها بمجرد فتح الحدود أو استئناف الرحلات.

سوريا اليوم أمام فرصة نادرة. لديها ملايين السوريين في الخارج، وبينهم خبرات يمكن أن تختصر سنوات من التجربة والخطأ إذا وجدت طريقها إلى مؤسسات البلد واقتصاده وجامعاته ومستشفياته.

لكن استعادة هذه العقول تحتاج إلى أكثر من دعوة للعودة.

تحتاج إلى بلد يشعر فيه السوري أن ما بناه خلال سنوات الغربة لن يضيع، وأن عودته لن تكون مغامرة، وأن له مكانا في مستقبل سوريا مثلما بقي لسوريا مكان في ذاكرته.

قد يعيد الحنين السوري أياما أو أسابيع.

أما الثقة، فهي التي يمكن أن تعيده عمرا.

اترك رد

عاجل