

كنت أتصفح الأخبار حين وصل المقطع الذي سُئل فيه أحمد الشرع في نيويورك إن كان ينوي ترشيح نفسه للرئاسة عندما تصل سوريا إلى الانتخابات. قال إنه لم يفكر بالأمر بعد وإن أمامه ثلاث سنوات من المرحلة الانتقالية وإن كانت المهمة يومها تحتاج وجوده فلن يتجنب ذلك. كان ابني يسمع إلى جانبي ثم سألني كما يسأل الأولاد الأشياء التي نظن نحن أنها تحتاج كتباً كاملة للإجابة عنها: ماما إذا ترشح الرئيس إنتِ بتنتخبيه؟
لم أجبه… ليس لأن السؤال أحرجني ولا لأنني أخشى إعلان موقف من أحمد الشرع. ببساطة شعرت أن الإجابة بنعم أو لا ستختصر سؤالاً أكبر بكثير من الرجل الذي ظهر على الشاشة. لأول مرة خطر لي أن ابني يتعامل مع رئيس سوريا بوصفه شخصاً قد يدخل يوماً انتخابات ويطلب صوتاً ويمكن لأمه أن تمنحه هذا الصوت أو تمنعه عنه. جيل كامل من السوريين لم يتعلم السياسة بهذه الطريقة. عرفنا الرئيس من موقعه في أعلى الدولة ثم جرى ترتيب كل شيء تحته. لم نعرفه مرشحاً يقف قبل المنصب ويسأل الناس إن كانوا يريدونه. لهذا كان سؤال طفل في البيت أبسط من أن يكون سياسياً وأثقل من أن يكون عابراً.
حتى الآن لا يوجد ما يسمح لنا أصلًا بمعرفة شكل تلك الانتخابات. الإعلان الدستوري الذي يحكم المرحلة الانتقالية حددها بخمس سنوات لكنه ليس دستور سوريا الدائم ولا نعرف بعد أي نظام سياسي سيستقر عليه البلد بعدها ولا كيف سيُنتخب رئيس الجمهورية ولا حجم الصلاحيات التي سيحملها ذلك المنصب. والشرع نفسه قال في اللقاء ذاته إن المرحلة الانتقالية لا ينبغي أن تصبح نموذجاً دائماً للدولة وإن المطلوب أن تصبح السلطة مؤسسة لا فرداً. هذه الجملة أهم بالنسبة إليّ من الإجابة عن ترشحه. لأن المشكلة السورية لم تكن يوماً في الاسم وحده. كانت في المسافة التي كبر فيها الاسم حتى صار أوسع من المؤسسة والقانون والدولة نفسها.
وحين ننظر حول سوريا تصبح المسألة أكثر إثارة من مجرد اختيار رئيس جديد. الأردن جارتها دولة ملكية وراثية ذات نظام برلماني. لبنان جمهورية برلمانية لكن رئيس الجمهورية ينتخبه مجلس النواب وجرى العرف السياسي ضمن نظام تقاسم السلطة على أن يكون الرئيس مسيحياً مارونياً. وفي العراق ينتخب مجلس النواب رئيس الجمهورية وليس الناخبون مباشرة. أما الفلسطينيون فآخر انتخابات رئاسية عامة أجروها كانت في كانون الثاني 2005 وتأجلت الانتخابات التي كان يفترض إجراؤها عام 2021. وفي الجهة الأخرى هناك تركيا التي تعرف الاقتراع المباشر للرئاسة. لذلك لن يكون دقيقاً أن نقول إن سوريا ستصبح وحدها ديمقراطية وسط جيرانها إن اختارت رئيسها مباشرة. الدول لا توزع عليها صفة الديمقراطية بهذه السهولة أصلًا. لكن سيكون من الصعب تجاهل حجم التحول إذا أصبح السوري ذات يوم صاحب صوت مباشر في اختيار الرجل أو المرأة الموجودين في أعلى السلطة التنفيذية في بلده.
ولعل المسألة كلها موجودة في كلمة قالها ابني من دون أن ينتبه إليها. قال لي «بتنتخبيه؟». لم يسألني إن كنت أحبه ولا إن كنت أثق به ولا إن كنت أراه جيداً أو سيئاً حسب منطق الأطفال. افترض ببساطة أن الرئيس يمكن أن يحتاج صوتي. هذه العلاقة العادية جداً في دول كثيرة ليست عادية في الذاكرة السورية أن يضطر صاحب السلطة إلى العودة إلى الناس لا بصفته صاحب الدولة بل طالباً لوظيفة عامة محددة المدة. أن يشرح ما فعله وأن يسمع من يقول إنه أخفق وأن يقف إلى جانبه آخرون يقولون إنهم أقدر منه على الحكم ثم ينتهي الأمر بأرقام لا يعرف نتيجتها مسبقاً.
لهذا لا أعرف اليوم إن كنت سأنتخب أحمد الشرع إذا ترشح والأهم أنني لا أريد أن أعرف الآن. اتخاذ موقف من مرشح قبل أن أعرف منافسيه وقانون الانتخابات وصلاحيات المنصب والضمانات التي تحكم السباق ليس موقفاً سياسياً بل انحياز إلى اسم قبل أن توجد المنافسة. وحتى سجل الرئيس الموجود في السلطة لن يكون وحده كافياً. سأحتاج أن أعرف إن كان منافسه يستطيع أن يظهر على التلفزيون بالمساحة نفسها وأن ينتقده بلا خوف وأن يجمع مؤيديه وأن يمول حملته وفق قواعد معلومة وأن يصل إلى صندوق لا تكون أجهزة الدولة واقفة خلف أحد المرشحين فيه.
هذه التفاصيل تبدو أقل إثارة من أسماء الرؤساء لكنها في الحقيقة الانتخابات كلها. وجود عدة مرشحين لا يعني وجود منافسة. وجود صندوق لا يعني أن السلطة قابلة للتداول. ويمكن لدولة أن تنظم يوماً انتخابياً كاملاً بكل ما يلزم من أوراق وحبر وطوابير ومراقبين بينما تكون الإجابة معروفة قبل أن يصل أول ناخب. الفرق الحقيقي يبدأ حين يكون احتمال خسارة الرئيس القائم احتمالاً سياسياً عادياً لا زلزالاً في الدولة.
وربما لهذا فإن الاختبار الأصعب لأي رئيس سوري مقبل لن يكون فقط ماذا يفعل عندما يفوز. سيكون ماذا يفعل كي يصبح فوزه غير مضمون في المرة التالية. هل يقبل بوجود إعلام يستطيع أن يزعجه وقضاء لا يحتاج إلى رضاه ومجلس تشريعي يستطيع أن يوقفه وقانون انتخاب لا يكتبه على مقاسه ومنافس يمكن أن يصبح رئيساً مكانه من دون أن يتغير تعريف الوطنية أو تبدأ الدولة بالبحث عن أعدائها بين الذين صوتوا للرجل الآخر.
ليس المطلوب من الانتخابات أن تنتج لنا الرجل الصحيح إلى الأبد هذه بالضبط إحدى الأفكار التي أنهكت منطقتنا. المطلوب أن تنتج نظاماً يسمح لنا بتصحيح اختيارنا نعم، قد ننتخب رئيساً جيداً وقد نخطئ. قد يأتي من نثق به ثم يخذلنا وقد يأتي من لم ننتخبه ويثبت أنه أفضل مما توقعنا. الديمقراطية لا تعد الناس بالحاكم المثالي ميزتها الأقل شاعرية والأكثر أهمية أنها تمنحهم موعداً يستطيعون فيه أن يقولوا للحاكم إن العقد انتهى.
وهنا ربما تصبح سوريا مثيرة للاهتمام فعلًا لا لأنها ستخترع نموذجاً لم تعرفه المنطقة ولا لأنها ستتحول بانتخابات واحدة إلى دولة مكتملة الديمقراطية. بل لأن شعباً بقيت الرئاسة في ذاكرته زمناً طويلاً فوق مستوى الاختيار قد يجد نفسه للمرة الأولى أمام رئيس يعرف أن كرسيه لا يصل إليه فقط من فوق بل يمكن أن يسحب من تحته من أسفل أيضاً. عندها يتغير معنى الرئاسة حتى قبل أن يتغير صاحبها.
بعد دقائق عاد ابني للسؤال نفسه قال لي طيب ما جاوبتيني رح تنتخبيه ولا لا؟
قلت له إذا وصلنا ليوم تقدر تسألني فيه هالسؤال عن جد بكون صار عندي جواب أهم من اسم الرئيس والله يا ماما..
بكون صار عندي صوت….!





