

تخوض سوريا اليوم منعطفاً هو الأكثر دقة وحساسية في مسارها التاريخي والانتقالي؛ إذ تتداخل الاحتجاجات الاقتصادية والتحديات المعيشية الضاغطة، المتمثلة في تراجع القدرة الشرائية والعملة، مع مخاض شاق لإعادة بناء مؤسسات الدولة واستعادة الاستقرار وضبط الأمن الداخلي.
وفي خضم ذلك، لم تعد الاختبارات الراهنة تقتصر على تأمين الحدود أو إعادة هيكلة التشكيلات العسكرية الكبرى فقط، بل تمتد لتلامس العمق المجتمعي والأمن الداخلي المباشر.
ومن هنا تبرز تعقيدات التعامل مع شبكات متباينة الولاءات والغاية، بدءاً من جيوب تنظيم “داعش” النائمة التي تتخذ من التضاريس الرخوة ملاذاً، مروراً بشبكات الجريمة المنظمة وعصابات تهريب المخدرات التي تحولت إلى ما يشبه الكارتيلات، وصولاً إلى نفوذ أمراء الحرب السابقين وشبكات المصالح غير الشرعية التي ترسخت في بعض المجتمعات المحلية مستفيدة من سنوات الحرب وغياب القانون.
وما شهدته مدينة الصنمين في ريف درعا مؤخراً ليس سوى نموذج لنمط متكرر ومتشعب يمكن تلمسه بوضوح في مناطق مشابهة بريف حلب الشمالي ومناطق أخرى من محافظة درعا نفسها. وتكشف هذه البقع الساخنة عن حجم التحدي الميداني المحفوف بالمخاطر الذي تواجهه قوى الأمن الداخلي عبر تدخلات متلاحقة لاحتواء العنف وحماية السلم الأهلي.
ورغم الأهمية الكبيرة لهذه التحركات الاستباقية والدفاعية، إلا أنها تسلط الضوء في آن واحد على معضلة هيكلية أعمق وأكثر خطورة؛ تتمثل في الانتشار الواسع للسلاح الفوضوي خارج إطار الدولة، وهشاشة البيئة المحلية، وتراجع مستويات الثقة في بعض المجتمعات، وهي تركات ثقيلة ومزمنة تعجز الردود الأمنية الإسعافية وحدها عن تفكيكها أو اجتثاث جذورها.
ولا ينفصل هذا المشهد المحلي المعقد عن شبكات إقليمية ودولية أوسع أفرزتها سنوات الحرب الطويلة؛ فتلك الخلايا لا تنشط أبداً في فراغ سياسي أو أمني، بل تتقاطع مصالحها الوظيفية مع أجندات أطراف خارجية تسعى جاهدة لتعطيل مسار الاستقرار وبناء الدولة.
وتتنوع تلك الارتباطات الخبيثة بين خلايا تستغل جغرافية البادية السورية والريف الممتد، واختراقات موجهة ترعاها جهات استخباراتية تستهدف إبقاء الساحة السورية عرضة للاهتزاز المستمر وإبقاءها ورقة ضغط.
وخير دليل ومثال حي على ذلك ما كشفت عنه المتابعات والعمليات الأمنية الدقيقة في منطقة الرستن بريف حمص، حيث أحبطت الأجهزة المختصة باستمرار مخططات لشبكات تتلقى تمويلاً خارجياً ضخماً لاستغلال قساوة الظروف المعيشية، وبطالة الشباب، وتحويلهم بأثمان بخسة إلى أدوات لتأليب الشارع وتوسيع الشروخ الطائفية والمجتمعية ضد الدولة ومؤسساتها.
ولا يقتصر الأمر على حدود الخلايا التقليدية أو شبكات التخريب، بل يتصاعد خطورةً بشكل لافت مع التحول المقلق في طبيعة عصابات المخدرات وتطورها. ولعل العملية الأمنية الأخيرة ضد شبكة مخدرات كبرى في مدينة حمص، والتي أسفرت عن استشهاد عنصر أمني، تشكل نقطة تحول في طبيعة المواجهة؛ إذ تؤشر بوضوح إلى نزعة عسكرية كارتيلية مسلحة متزايدة لدى هذه العصابات.
فبعد أن كانت تكتفي في السابق بأساليب التهريب الخفي، والتنكر، وتجنب الصدام، باتت اليوم أكثر جرأة واستعداداً للدخول في مواجهة عسكرية مباشرة وعنيفة مع قوات الأمن، لا سيما بعد أن أظهرت ضبوطات وزارة الداخلية المتكررة حيازتها ترسانة من الأسلحة النوعية كالصواريخ المحمولة على الكتف والعبوات المتفجرة المتقدمة.
ويزداد المشهد تعقيداً وخطورة مع احتمال التقاء هذه الكارتيلات الإجرامية بشبكات التهريب الحدودية وشبكات الإرهاب الدولي، ما يضاعف من تعقيد المعادلة الأمنية برمتها.
وأمام هذا التشابك الميداني والتهديدات المعقدة، تبرز المفارقة الأكثر إثارة للتساؤل والمتمثلة في الغياب المستمر للإطار التنسيقي الأعلى الذي يُفترض أن يضبط إيقاع الدولة بأكملها ويضع السياسات الكبرى، وهو “مجلس الأمن القومي”.
وكان هذا المجلس الحيوي، قد أُسس بموجب المرسوم الرئاسي رقم (5) لعام 2025 ليكون بمثابة العقل الاستراتيجي الجامع لوزارات الدفاع والداخلية والخارجية وجهاز الاستخبارات العامة، لكن على ما يبدو فإن انعقاده لا يزال بعيداً عن دوراته المنصوص عليها بقانونه التأسيسي، حيث تخلو الساحة الرسمية تماماً من أي مؤشرات واضحة أو بيانات عن اجتماعات شاملة تضع استراتيجية أمنية ودفاعية موحدة للبلاد.
وينعكس هذا الفراغ المؤسسي على طبيعة التنسيق الميداني بين الأجهزة التنفيذية، وتحديداً بين وزارة الدفاع ووزارة الداخلية. فبينما تتحمل الداخلية والأجهزة الأمنية التابعة لها كجهاز مكافحة الإرهاب أو حتى جهاز الاستخبارات عبء العمليات اليومية في الشارع والمدن، من ملاحقة خلايا الإرهاب، مروراً باحتواء توترات الجنوب، وصولاً إلى تفكيك الشبكات الإجرامية المسلحة، تبدو وزارة الدفاع مشغولة في مسار منفصل تماماً يتعلق بإعادة الهيكلة الكبرى للجيش، وتأمين الحدود الاستراتيجية، وإدارة المهام العسكرية البحتة.
ورغم أن هذا الفصل الميداني قد يبدو طبيعاً في أوقات الهدوء والراحة وانشغال كل جهة بمسؤوليات جسمية، لكن في ظل غياب غرفة عمليات استراتيجية دائمة مشتركة، يبقى التعاون مرهوناً بالاتصالات الفردية والاجتماعية المؤقتة بين الوزراء بدلاً من أن يحكمه ناظم مؤسسي وقانوني ملزم، ما يفتح الباب على مصراعيه أمام تداخل الصلاحيات أو وقوع تقاطعات ميدانية غير محسوبة قد تهدد جهود الاستقرار.
إن استمرار القيادات في إدارة التحديات الأمنية “بالتجزئة” ومحاولة معالجة الأحداث الأمنية المتلاحقة لا يمكن بحال من الأحوال أن يعوض غياب العقل المؤسسي المدبّر ورسم السياسات بعيدة المدى، فالتهديدات المركبة التي تواجهها سوريا اليوم بتداخلاتها المعيشية والأمنية والسياسية والإقليمية باتت تفوق طاقة الردود الإسعافية المحدودة.
ومن هنا، فإن تفعيل مجلس الأمن القومي وتحويله من نصوص جامدة على ورق إلى خلية قيادة حية ومستدامة، لم يعد خياراً بل ضرورة وطوق النجاة الأبرز لعبور هذه المرحلة الانتقالية البالغة الخطورة، ومنع تحول الاستنزاف الأمني المتواصل إلى واقع دائم يهدد استقرار الدولة السورية.





