عقيدة نتنياهو تجاه سوريا بين خطابين.. من الأمن إلى الأيديولوجيا

عمر إدلبي27 سبتمبر 2026آخر تحديث :
عقيدة نتنياهو تجاه سوريا بين خطابين.. من الأمن إلى الأيديولوجيا

لا يمكن اختزال فارق توجهات بنيامين نتنياهو تجاه سوريا في خطابيه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في 2025 وفي 2026، في كونه تغيّراً في النبرة أو تبدّلاً في الظروف، فالتحوّل بدا مرجعياً على نحو واضح، ويشكل عقيدة جديدة يلتزم بها رئيس وزراء الاحتلال في سياساته العدوانية تجاه سوريا الجديدة، التي يعيشها هاجساً مقلقاً من دون شك.

يكشف تحليل الخطابين عن تغير كبير، ففي خطابه عام 2025، تحدث نتنياهو عن مفاوضات جدية مع الحكومة السورية الجديدة، وعن اتفاق يحفظ السيادة السورية ويلبي مصالح الاحتلال، كما قال نتنياهو آنذاك، وربط هذا التصور المتفائل للعلاقة مع سوريا بضرورة حماية الدروز، لكن لهجة نتنياهو اختلفت في خطابه الأخير أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، فاختفت النبرة التفاؤلية وحلّ محلها خطاب بدا متوتراً للغاية، لدرجة توجهه بالحديث إلى الرئيس أحمد الشرع مدعياً أن “اليهود موجودون في الجولان منذ أيام موسى”، لينقل العلاقة مع سوريا من تفاوض محتمل ونزاع على أرض، إلى صراع وجودي، يتناول “وجود الدولة اليهودية”، وزاد في وضوح خطابه وتوجهه العدائي الاستراتيجي إدراجه سوريا كجبهة يتعامل معها الاحتلال ضمن حرب على 7 جبهات.

الفارق إذن ليس تفصيلاً خطابياً، بل تغيير جوهري في وظيفة الخطاب نفسه، ففي عام 2025، كان الخطاب أداة تفاوض، تضمن تحديد شروط، وأوحى بتقديم تنازلات محتملة، وبدا كما لو أنه رسالة بحث عن صيغة لتفاهم مشترك، لكن في خطاب نتنياهو الأخير ظهر كأداة مواجهة وإنكار، يلغي أساس التفاوض، ويستبدل القانون الدولي بسرد ديني لا يقدم حجة تاريخية قابلة للنقاش، بل حكماً مقدساً غير قابل للتفاوض عليه أو التنازل عنه، رغم تهافت حجته وانعدام أسانيده، ما يستدعي السؤال عن الأبعاد الجوهرية لهذا التغير.

يتمثل البعد الأول لهذا التحول في انكشاف الذريعة الإيرانية وأزمة العقيدة الأمنية الإسرائيلية، ففي مرحلة ما قبل سقوط النظام المخلوع، كان خطاب الاحتلال الإسرائيلي يستند إلى معادلة دعائية مريحة: سوريا مسرح نفوذ إيراني، وإسرائيل تضرب هذا النفوذ لحماية نفسها، وهذه المعادلة منحت الاحتلال الإسرائيلي غطاءً دولياً للتدخل العسكري وخرق اتفاق فض الاشتباك لعام 1974 وترتيباته الحدودية، لكن هزيمة وإخراج قوات إيران، وانهيار ميليشياتها في معركة ردع العدوان نهاية العام 2024، جرد إسرائيل من هذا الغطاء، ما استدعى خطاباً قدم فيه نتنياهو في العام 2025 رؤية تفاؤلية لفرصة سلام يفرض فيها الاحتلال على سوريا ترتيبات استسلام، في حين يستخدم هذا الخطاب تعابير خادعة عن “احترام السيادة السورية”.

أما في خطاب العام 2026، وبعد أن أبدى المفاوض السوري تمسكاً صريحاً بثوابته السيادية الوطنية، خاصة فيما يتعلق بسوريّة أراضي الجولان المحتل، إضافة إلى التعهد السوري الصريح بعدم إثارة أي صراعات مع المحيط الإقليمي تهدد مسار التعافي الداخلي، فلم يعد نتنياهو يواجه نظاماً وكيلاً لإيران، بل دولة سورية وطنية تسعى إلى ترسيخ سيادتها، ما دفع نتنياهو للبحث عن ذريعة بديلة لمواصلة السياسات العدائية تجاه سوريا، وصياغة عقيدة أمنية جديدة، فلم يجد سوى الأساطير الدينية، وأصبح الخطاب يدور حول عقيدة هوياتية مغلقة، لا تصلح للنقاش السياسي ولا الأمني.

ويظهر البعد الثاني لهذا التحول في خطاب نتنياهو من اكتساب القيادة السورية الجديدة مزيداً من الشرعية والموثوقية داخلياً وخارجياً، والقلق من هذا النموذج الناجح، ففي العام 2025، كانت إسرائيل تتعامل مع نظام حكم سوري جديد معزول دولياً، مكبل بالعقوبات والاحتياجات، يكافح لفرض نفسه إقليمياً، بدا للإسرائيليين سهل التهميش، والتفاوض معه ليس أكثر من مناورة مضمونة المكاسب، يمكن فرض التنازلات عليه من دون مقابل لها.

أما في 2026، فقد صعدت القيادة السورية الجديدة إلى منبر الأمم المتحدة مدعومة بحاضنة داخلية وعربية وإقليمية، بصفتها القوة التي أنهت نظام الاستبداد والمجازر، وطهرت البلاد من الميليشيات الأجنبية، وكافحت عصابات المخدرات، ورسّخت الاستقرار داخلياً وعلى حدودها مع دول الجوار، وقطعت الطريق على مشاريع التقسيم، وهو واقع برزت تداعياته في رد فعل نتنياهو الحاد في خطابه الأخير، بما يعكس خشيته من نموذج سوري ناجح، فالدولة السورية المستقرة، القادرة على ضبط حدودها وبناء تحالفات خليجية وعربية ودولية، تشكّل ضغطاً دبلوماسياً وقانونياً قوياً لوقف الاعتداءات والتوغلات الإسرائيلية، والمطالبة باستعادة الجولان المحتل، ما دفع نتنياهو إلى تبني عقيدة تحاول تعطيل شرعية مطالب الخصم السوري الصاعد.

أما البعد الثالث، فيعتقد أنه يتعلق بالتنافس على الموقع الجيواقتصادي،  فالخطوات التي قطعتها سوريا خلال العام 2026 في مجال إعادة الاندماج مع محيطها كحلقة وصل برية حيوية بين الخليج والأردن وتركيا وأوروبا، نقلت الصراع السوري الإسرائيلي من نطاق الحدود والأمن المباشر إلى مجال التنافس على التموضع الجيواقتصادي، ونهج نتنياهو في خطابه الجديد يبدو محاولة لعرقلة هذا الصعود السوري من خلال فرض مصاعب وتحديات على سوريا، تعيقها عن لعب دور محوري في الإقليم، وتوحي بأن الاستقرار الاقتصادي في المنطقة غير ممكن وصعب الاكتمال من دون إذعان دمشق للمطالب الإسرائيلية.

أما البعد الرابع في هذا التحول، فيتمثل في الدوافع الإسرائيلية الداخلية المتشابكة، وفي مقدمتها الدافع الانتخابي، فالخطاب الجديد المستند إلى خلفية أيديولوجيا توراتية يبدو معنياً بالشارع الإسرائيلي كخطاب انتخابي بامتياز، يقدم نتنياهو كقائد شعبي يحمي “الوجود اليهودي”، لا كسياسي يبحث عن تسوية، ما يسهم في تعزيز فرصه الانتخابية ويعيد إنتاج حالة التعبئة الدائمة خلف تياره، ويسهل استقطاب أنصار فكرة بقاء الجولان المحتل جزءً من “الوطن التاريخي اليهودي”، وجعل أي انسحاب منه مستحيلاً سياسياً داخلياً.

ورغم أن التداعيات المحتملة لهذا التحول في عقيدة نتنياهو تجاه سوريا، لا تخالف السيناريوهات المتوقعة أساساً لفشل مسار التفاوض، فإن هذا التغير لا يمكن تسويقه من قبل الاحتلال على أنه انتصار إسرائيلي، فالواقع الذي يدركه الجميع بما في ذلك نتنياهو نفسه، أن هذا الموقف الجديد ليس إلا استجابة – غير مضمونة النتائج – لأزمة مركبة، ذرائع سقطت، وخصم اكتسب شرعية ويسير بخطى ثابتة نحو التعافي، وواقع إقليمي ودولي سياسي واقتصادي يتبدل، واحتلال مدان ونهج إجرامي لم يعد أحد في العالم يستطيع الدفاع عنه أو تبرير جرائمه.

المصدر تلفزيون سوريا

اترك رد

عاجل