

قد تبدو محاكمات المتهمين في أحداث السويداء، والمقاعد الانتخابية الشاغرة للمحافظة في مجلس الشعب، ملفين لا يجمع بينهما الكثير. الأول قضائي والثاني سياسي، لكنهما يلتقيان عند سؤال واحد: هل تكفي العدالة وحدها لإعادة بناء العلاقة بين السويداء والدولة؟
المحاسبة حق وليست منّة. وإذا ثبت أن عنصراً أو مسؤولاً تابعاً للدولة ارتكب انتهاكاً في أحداث تموز، فعليه أن يقف أمام القضاء مثل أي مواطن. بل ربما تكون هذه المحاكمات اختباراً أوسع لدمشق نفسها: هل تتصرف بوصفها دولة تخضع رجالها للقانون، أم بوصفها امتداداً لجماعة مسلحة تحاسب خصومها وتحمي أبناءها؟ ما كان يمكن فهمه بمنطق الفصائل خلال سنوات الحرب لا يصلح معياراً لإدارة بلد. الدولة تبدأ، في أحد معانيها الأساسية، عندما يصبح السلاح خاضعاً للقانون حتى لو كان في يد من انتصر.
لكن العدالة تفقد معناها أيضاً إذا صارت مطالبة في اتجاه واحد، وكأن الدم سقط من طرف واحد، أو كأن القتل والخطف والانتهاكات جاءت من جهة واحدة. ما جرى في السويداء كان أكثر تعقيداً؛ فقد وثقت جهات حقوقية انتهاكات ارتكبتها قوات حكومية ومجموعات بدوية مسلحة ومجموعات درزية مسلحة، وهو ما يجعل المحاسبة الشاملة شرطاً لأي مصالحة جدية لا مجرد أداة سياسية.
الدولة بدأت، ولو متأخرة، فتح ملفات لرموز النظام السابق وصدرت أحكام في عدد منها. وهذه خطوة لا تكتمل قيمتها إذا بقيت العدالة مرتبطة بالماضي وحده. المعيار نفسه يجب أن يحكم الحاضر: مسؤول في الدولة، عنصر أمني، قائد فصيل، أو مسلح محلي. الجريمة لا تصبح أقل خطراً لأن مرتكبها يقف في الجهة التي نميل إليها. والمحاكمات الجارية في ملف السويداء تكتسب أهميتها من هذه النقطة تحديداً؛ فهي ليست محاكمة أفراد فحسب، بل امتحان لقدرة السلطة الجديدة على الانتقال من منطق الفصيل إلى منطق المؤسسة. وقد بدأت جلسات علنية منذ تموز، وصدر في أيلول أول حكم في إحدى القضايا المعروضة أمام المحكمة.
لكن السويداء ليست نسخة عن قضية محمد غميرة، ولا عن أحداث الساحل. هنا توجد بنية محلية مسلحة أقدم من الأزمة الأخيرة، ومرجعيات دينية وسياسية متنافسة، وفصائل توسعت قوتها خلال سنوات. وبعد أحداث تموز ظهر الحرس الوطني كإطار جمع عشرات الفصائل الموالية لحكمت الهجري، وتحول مع الوقت إلى جزء من سلطة أمر واقع داخل المحافظة، فيما بقيت داخل السويداء نفسها قوى وأصوات ترفض هذا المسار وتختلف معه حول شكل العلاقة مع دمشق. وفي تموز الماضي ذهب الهجري أبعد من ذلك عندما أعاد الحديث علناً عن «استقلال» السويداء وإمكان وضعها تحت رعاية دولة أخرى أو الانضمام إليها.
وهنا لا يمكن إخراج الاحتلال الإسرائيلي من المشهد أو التعامل معه كطرف محايد ظهر فجأة لحماية جماعة خائفة. فالاحتلال جعل «حماية الدروز» عنواناً معلناً لتدخله العسكري، وقصف مواقع ومؤسسات سورية في دمشق والجنوب، في وقت كانت قواته قد توسعت أصلاً داخل الأراضي السورية بعد سقوط النظام السابق. المسألة أقدم أيضاً من أزمة السويداء الحالية؛ فتاريخ المؤسسة العسكرية الإسرائيلية نفسه يتضمن إنشاء وحدات أقليات ضمت الدروز، ويورد أرشيف الجيش الإسرائيلي أن أحد الأهداف السياسية المبكرة لهذه السياسة كان تفكيك الوحدة العربية. أما كتيبة «حِرِف» 299، المعروفة بكتيبة السيف والتي تألفت في معظمها من جنود دروز، فقد أُغلقت عام 2015 بعد دمج جنودها في بقية الوحدات.
لهذا يصبح خطاب «حماية الدروز» أكثر تعقيداً من أن يؤخذ بمعناه المعلن فقط. قوة احتلال تسيطر على الجولان وتوسعت إلى مواقع إضافية داخل سوريا لا تتحول إلى جهة إنسانية لمجرد أنها رفعت شعار حماية مكوّن سوري. والنتيجة السياسية الأخطر أن الأزمة الداخلية في السويداء منحت الاحتلال مدخلاً مباشراً إلى علاقة المحافظة بدولتها، وأعطت القوى المحلية التي تراهن على الحماية الخارجية قدرة أكبر على تحدي أي تسوية داخلية.
حتى الملفات المدنية دخلت في هذا الاشتباك. تعطل وصول آلاف الطلاب إلى امتحاناتهم، واستمرت أزمات الخطف والاحتجاز والانقسام على السلطة المحلية. وهذه الوقائع لا تبرئ دمشق من أخطائها، لكنها تقول إن القانون داخل السويداء ليس سؤالاً موجهاً إلى دمشق وحدها، ولا يمكن بناء دولة إذا طُلب من السلطة المركزية وحدها أن تُحاسب نفسها بينما تبقى سلطات مسلحة محلية خارج المعيار نفسه. وقد قالت الأمم المتحدة في حزيران إن خطة إعادة دمج السويداء لم تحقق تقدماً يذكر، وسط استمرار الخطف والانقسامات والدعوات الانفصالية.
ربما كانت السويداء «غلطة الشاطر» بالنسبة إلى الدولة الجديدة. ليس لأن الحل كان يجب أن يكون أكثر عنفاً، بل لأن الحكومة دخلت ملفاً شديد الحساسية من دون قراءة كافية لبنية المحافظة، ومرجعياتها، والسلاح المنتشر فيها، وحجم التدخل الإسرائيلي. وفي المقابل، لا يمكن اختزال الأزمة في أخطاء دمشق وحدها فيما توجد جماعات مسلحة محلية تسيطر على أجزاء واسعة من المحافظة، وتدير ملفات أمنية ومدنية، وبعض قادتها يطرح صراحة مشاريع تتجاوز العلاقة الطبيعية بين محافظة ودولتها.
وهنا تحديداً لا تكفي العدالة وحدها، مع أنها شرط لا يمكن تجاوزه. في الحالة الطبيعية يفترض أن يؤدي تطبيق القانون بالتساوي إلى طمأنة الناس وإعادة الثقة بالمؤسسات. أما في السويداء فالمشهد أعقد: سلاح محلي، ذاكرة دامية، خوف طائفي، سلطة أمر واقع، وتدخل إسرائيلي مباشر جعل أي محاولة لاستعادة سلطة الدولة بالقوة وحدها باباً لاحتمال انفجار جديد. لذلك تحتاج دمشق إلى العدالة، وإلى نفس طويل أيضاً؛ محاسبة عناصرها حين يخطئون، وعدم منح خصومها ذريعة جديدة، وترك الوقت والخلافات الداخلية تضعف قدرة القوى المتشددة على تقديم نفسها ممثلاً وحيداً للسويداء.
وفي ظل ميزان القوة القائم في الجنوب، يصعب فصل الحل الداخلي أيضاً عن الملف الإسرائيلي. دمشق نفسها تقول إنها تسعى إلى اتفاق أمني يوقف الاعتداءات ويعيد ترتيب الوضع في الجنوب من دون التخلي عن حقها في الجولان. وإذا تحقق تفاهم يقيّد التدخل الإسرائيلي ويمنع استخدام «حماية الدروز» ذريعة لضرب سوريا، فسيكون هامش القوى المحلية التي تستند إلى هذا التدخل أضيق بكثير. هذه ليست دعوة إلى منح الاحتلال شرعية، بل قراءة لواقع فرضه بالقوة على الأرض.
العدالة في السويداء إذن ليست الحل كله، لكنها البداية التي لا يجوز القفز فوقها. المطلوب قانون واحد يطال من أخطأ في الدولة كما يطال من قتل أو خطف أو تجاوز داخل المحافظة، وتمثيل سياسي يفتح باب الخلاف داخل المؤسسات لا خارجها. ثلاثة من مقاعد السويداء ما زالت شاغرة في مجلس الشعب، وهو فراغ سياسي لا يقل دلالة عن الفراغ الأمني.
السويداء جزء من سوريا، لكن إعادة العلاقة بينها وبين الدولة لن تتم بمحكمة وحدها ولا بحملة عسكرية. تحتاج إلى عدالة تصنع الثقة، وسياسة تسحب الذرائع، وصبر يسمح بانكشاف الفارق بين من يريد ضمانات حقيقية لأهل المحافظة ومن يريد تحويل خوفهم إلى مشروع سلطة وسلاح. وفي النهاية يبقى الامتحان الأكبر أمام دمشق نفسها: أن تثبت، بالفعل لا بالشعارات، أنها دولة لجميع السوريين وليست فصيلاً وصل إلى العاصمة.
والأيام المقبلة ستحمل كثيراً من الأجوبة، ويبقى الأمل ألا تكون مكتوبة بمزيد من الدم.





