
عندما تختل المعايير الناظمة لأوجه النشاط الحيوي للإنسان، مؤسسات حكم، وإدارة، وقضاء، إلخ. نكون قد دخلنا عالم الفوضى حيث تختلط فيه المفاهيم، الحق بالباطل، الصح بالخطأ، فيصير المشهد مقلوباً. يصبح في سدة القرار من لا يمتلك الأدوات الكافية والكفاءة، ويتراجع من يمتلكها وغالبا يهاجر إلى مكان يحظى فيه بتقدير مناسب، فيصير ميزان العدل مائلاً، لأن سلم الصعود الوظيفي والمهني والإداري والقضائي مائلًا بالأساس.
في المجتمعات الصحية والمستقرة نسبيّاً، يتقلد مواقع المسؤولية من لديه الخبرة والمعرفة وتراكم التجارب، ولا يعد هذا الأمر تنظيراً لأنه حسب ما أرى أمراً بديهياً، بل هو شرط لابد منه لتنظيم الحياة العامة والتي يتشارك فيها الناس. ويبدو بديهيّاً أيضاً أن نقول إنّ الطب يحتاج لأطباء، والقضاء لقضاة، والهندسة لمهندسين، إلخ. لا لأن الآخرين أقل قيمة إنسانية، بل لأن لكل مجال أدواته ومسؤولياته، والكفاءة التي يتميزون بها لشغل وظائفهم هي بيضة القبان كما يقول التعبير الشعبي ولاسيما لمن يتصدر الصفوف الأولى ومواقع المسؤولية واتخاذ القرار.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه ليس إن كان لدينا معياراً ناظماً فقط؟ بل: ما هو هذا المعيار؟
أرى أن المعيار قد خضع عبر التاريخ لتحولات كثيرة، فكان أسيراً للمفاهيم السائدة، ولم يكن بالضرورة أخلاقيّاً أو إنسانيّاً؛ ففي بعض غابات إفريقيا القديمة، كان معيار الزعامة أو الاستحقاق في الزواج من ابنة زعيم القبيلة، هو عدد الجماجم البشرية التي في حوزة الرجل، والمربوطة إلى خاصرته. وكلما زاد عدد الجماجم، ارتفعت مكانته. هذا يعني أنه لم يكن هناك فراغ في المعايير، بل كان هناك معيار قائم على العنف والقدرة على ممارسته.
في أوروبا القروسطية، وفي بعض الدول الدينية المغلقة والمؤدلجة في عصرنا الحالي، كان -وما يزال- معيار القبول أو الإقصاء هو مقدار الالتزام الطقوسي، أو درجة الانصياع للتفسير السائد للنص المقدس، واستعراض مظاهر الالتزام أو التدين كاللحية وغير ذلك، لا يُختبر المرء هنا عما يعرف أو يفهم، بل يُسأل عما يحفظ ويردد.
في أنظمة تقليدية أخرى، كان يُسأل الشخص عن اسم أبيه، لا عن اسمه هو. فالمنزلة الاجتماعية ليست أمراً مكتسباً بقدر ما هي عملية وراثية. أما في الصين الإمبراطورية، فقد تطور معيار مختلف: كان يُسأل المرء عن عدد الامتحانات التي اجتازها. فكانت الوظائف العليا في الدولة تُمنح بناء على اختبارات قاسية في الفلسفة والإدارة والكتابة. لم يكن النظام مثاليا بالضرورة، لكنه أقرّ بفكرة جوهرية تفيد بأن إدارة الشأن العام تحتاج إلى معرفة موثقة وموثوقة، لا إلى قرابة، أو سطوة، أو بطولة عابرة.
هنا يتضح لنا أن المشكلة ليست في وجود معيار من عدمه وحسب؛ إذ طالما كان هناك معايير ناظمة، لكن المشكلة بحسب ما أرى في طبيعة هذا المعيار. ففي اللحظات العاصفة، خصوصاً في سياق الحروب والثورات كما نعيش في سوريا اليوم، يحدث ارتباك عميق في توزيع الأدوار. تختفي الفواصل بين التضحية والكفاءة وبين الجرأة والمعرفة، بين الحماسة والأهلية. فيتقدم صاحب الصوت الأعلى أحياناً لا من لديه الرؤية الأعمق، ويتم اختزال معيار وظيفة عامة في شجاعة موقف أو في حجم تضحية، وليس في القدرة على إدارة ما سيأتي بعد هذا الموقف وتلك التضحية.
ليس في هذا انتقاص من قيمة التضحيات التي قدمها السوريون، فهي نبيلة طالما هي من أجل الدفاع عن الكرامة والعدالة وقيم الإنسان العليا، فالتضحيات مهما عظمت، ليس بإمكانها أن تنتج بشكل تلقائي خبرة في الإدارة أو في حل المشكلات العمومية لدى الشخص، ولا تُنشئ لديه في الضرورة قدرة على التشريع أو القضاء أو التخطيط الاستراتيجي. المعرفة مجال مستقل، له شروطه ومساراته وتراكمه. فحين يغيب هذا المعيار تتضخم الشعبوية التي سيطرت على مجالنا العام بشكل محكم منذ سنوات، حيث يظن كل صاحب تجربة محدودة أنها الحقيقة الكاملة. فيتم اختصار الخبرة البشرية الطويلة التي تقدمها لنا الجامعات والمعاهد ومراكز الدراسات المحترفة، في أمتار قليلة من التجربة الشخصية. وبالتالي سيرتفع خطاب “أنا أعرف من خبرتي التي عشت” ليطغى على أسئلة مثل: ماذا تعلّمت وأين؟ ماذا قرأت وفي أي مستوى ومعيار؟ وماذا اختبرت وكم المدة؟ وماذا استفدت وراكمت من تجارب الآخرين حتى تعتلي مواقع المسؤولية؟
في سوريا، قبل الثورة وخلالها، عانى الناس من اضطراب هائل في المعايير، أدى بطبيعة الحال إلى غياب العدالة، وأسهم في شق الطريق أمام الثورة. لأن هذا الاضطراب في المعايير جعل الناس تشعر بالغبن، والظلم. ففي زمن نظام الأسد، كان يُسأل المرء عمّن يعرف، عن واسطته، عن طائفته، عن منطقته، لا عمّا يعرف، ليس عن خبرته. ليس عما يبدع فيه، وفي زمن الثورة وانهيار عرى المجتمع وروابطه، صار يُسأل المرء عن موقعه من الاصطفاف وعملية الاستقطاب، وبالطبع عن طائفته ومنطقته وقبيلته أو عائلته، لا عن قدرته على الإنجاز وأداء المهام بالشكل الصحيح. وبين الزمنين، بقي المعيار هشّاً أو مشوهاً أو حتى معدوماً.
السؤال القرآني: “هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون؟” ليس سؤالًا عن الأفضل، بل هو سؤال عن المعيار. فالعلم هنا ليس لقباً بقدر ما هو مسؤولية، ومعيار المعرفة شرطاً لتنظيم الحياة المشتركة بين الناس. وجاء في العهد الجديد :”اغفر لهم يا أبتاه فإنهم لا يعلمون”، ثمة إِشارة إلى أن الجهل ليس إدانة بحد ذاته ويمكن تجاوزه بوصفه جزءاً من الطبيعة البشرية. لكن تجاوز عدم المعرفة لا يتم بإنكار الحاجة إلى المعرفة، بل بالاعتراف بها والسعي إليها.
لا يمكن لمجتمع أن ينهض إذا ساوى بين من يعلم ومن لا يعلم في مواقع القيادة والإدارة والمسؤولية وكل ما يرتبط بحياة البشر ومصيرهم. وبالتالي فإن الدفاع عن معيار المعرفة وملحقاته كالخبرة ليس دعوة إلى نخبوية متعالية، بل هو دعوة إلى البحث عن الأفضل وعن تكافؤ الفرص، دعوة إلى العدالة. فالعدل لا يتحقق فقط بتوزيع السلطة، بل بتوزيعها على من يملك القدرة على ممارستها بمسؤولية.
المعيار، في نهاية المطاف، هو ما يحمي المجتمع من استبداد الفرد، ومن الشعبوية، ومن أن يتحول عدد الجماجم – أو عدد الأتباع أو الولاء أو الواسطة أو الطائفة والمذهب والعرق – إلى بديل عن العلوم التي اختبرناها، وعدد الكتب التي قرأناها، والخبرات التي راكمناها، والأخطاء التي تعلمنا منها. والعجلة التي اخترعناها ولا نحتاج لاختراعها من جديد.








