
«نريدكم. ريدونا.. الخارج ما رح يفيدكم».
قالها مواطن وسط احتجاج على ارتفاع أسعار المحروقات. جملة بسيطة لكنها ربما قالت ما لم تقله خطابات طويلة خلال الأشهر الماضية. الرجل لم يكن يهتف ضد الدولة ولم يكن يتحدث بلسان خصومها. كان يخاطب حكومة يريدها ويقول لها بوضوح إنه يريد منها أن تريده أيضا. وهذه ربما هي اللحظة التي يجب أن تسمع فيها الحكومة الكلام كما هو لا كما تحب أن تسمعه.
فالاحتجاج هذه المرة ليس على وهم. وفق رويترز رفعت الحكومة سعر المازوت 40 بالمئة إلى 175 ليرة للتر وارتفع بنزين 95 بنحو 28 بالمئة إلى 195 ليرة وبنزين 90 بنحو 26 بالمئة إلى 185 ليرة فيما ارتفع الغاز المنزلي والصناعي بنحو 9 بالمئة. سانا نشرت الأسعار الجديدة نفسها وقالت وزارة الطاقة إن الإجراء مؤقت وجاء بسبب ارتفاع كلفة تأمين المشتقات عالميا وزيادة الاعتماد على الاستيراد بالتزامن مع عمرة مصفاة بانياس. هذه أسباب يمكن فهمها اقتصاديا ولا يجوز تجاهلها. الدولة لا تستطيع شراء الوقود بأي سعر ثم بيعه إلى الأبد بأقل من كلفته. لكن المواطن أيضا لا يعيش داخل جدول إكسل ولا يستطيع أن يضيف 40 بالمئة إلى دخله لأن المازوت ارتفع 40 بالمئة.
المشكلة أعمق من نشرة أسعار. رويترز تقول إن 90 بالمئة من السوريين يعيشون تحت خط الفقر. ووفق أرقام رسمية نشرتها سانا بلغ الحد الأدنى للأجر عام 2026 نحو 1.256 مليون ليرة قديمة أي ما يعادل قرابة 105 دولارات. نعم رفعت الحكومة الأجور مقارنة بالسنوات الأخيرة من حكم الأسد وهذا يحسب لها. لكن ماذا تفعل المئة دولار أمام المواصلات والطعام والإيجار والدواء والكهرباء ثم وقود يرتفع بهذه النسب. والأكثر قسوة أن رويترز تقول إن سعر بنزين 95 ارتفع منذ شباط بنحو 86 بالمئة وأن المازوت تضاعف بأكثر من مرة في الوقت الذي ارتفع فيه خام برنت بنحو 44 بالمئة. هنا يصبح من حق الناس أن تسأل لا أن تكتفي بالتصفيق.
ولا نحتاج في كل مرة إلى العودة للأسد كي نبرر الحاضر. لا مقارنة أصلا بين نظام سرق البلد وأفقر أهله وحكمهم بالخوف وبين سلطة ورثت دولة محطمة وتحاول فتح الطرق وتأهيل المؤسسات وجذب الاستثمارات وإعادة سوريا إلى العالم. هذه حقيقة. لكن الحقيقة الأخرى أن كون الحكومة أفضل من الأسد ليس برنامجا اقتصاديا ولا معيار نجاح يكفي لسنوات. السوريون لم يدفعوا كل تلك الأثمان حتى يصبح معيارهم إلى الأبد هو أن يكون المسؤول الجديد أقل سوءا من مسؤول النظام السابق. المقارنة مع الأسد يجب ألا تتحول إلى بطاقة إعفاء من النقد. الأسد انتهى. واليوم نحن أمام دولة يجب أن تقاس بما تفعله هي.
ومن هنا يأتي السؤال الذي سيزعج البعض. كم ندفع للمهرجانات والاحتفالات والفعاليات والاستضافات ودعوات المؤثرين وصناع المحتوى ومن يدفعها أصلا. ليس المطلوب إلغاء مهرجان ولا إطفاء المسرح ولا إعادة سوريا إلى الحزن. بالعكس البلد الذي عاش كل هذا الموت يحتاج أن يفرح وأن يرى العالم وأن يعود العالم إليه. وصانع المحتوى ليس متهما لأنه يملك ملايين المتابعين. لكن عندما تقول الدولة لمواطن يعيش تحت خط الفقر إن الظروف تفرض زيادة الوقود فمن حقه أن يعرف إن كانت هذه الفعاليات ممولة من شركات ورعاة أم من المال العام وكم تكلف وما الذي تعيده إلى البلد. إذا كان القطاع الخاص يدفع فليقال ذلك وتنتهي القصة. أما إذا كانت الخزينة تدفع فمن حق صاحب الـ105 دولارات أن يسأل لماذا توجد أموال هنا ولا توجد عندما يصل الدور إلى المازوت. المسألة ليست ضد الفرح. المسألة ببساطة ألا يكون الفقير هو ممول البهجة كل مرة.
حتى الحكومة تعرف أن المال محدود. وزارة المالية قالت إن إيرادات الدولة في النصف الأول من 2026 بلغت نحو 2.7 مليار دولار مقابل إنفاق عام يقارب 3.7 مليارات. هذا وحده يشرح حجم المشكلة ولا يحتاج تجميلا. لكن شح المال يجعل ترتيب الأولويات أكثر أهمية لا أقل. عندما تكون الليرة قليلة يصبح السؤال عن مكان صرفها واجبا وعندما تكون القدرة على الاحتمال محدودة يصبح القرار الذي يمس ملايين الناس بحاجة إلى حس سياسي واجتماعي لا إلى حسبة سعر وتكلفة فقط.
وهناك سؤال آخر لا يجوز أن يبقى همسا. هل تصلح تجربة إدلب بكل تفاصيلها لتصبح نموذجا لسوريا كلها. ما نجح في إدلب يستحق الدراسة والاستفادة منه لكن سوريا ليست إدلب كبيرة. هي بلد شديد التنوع خرج من تجارب سياسية واجتماعية واقتصادية مختلفة. ما يصلح لإدارة منطقة في سنوات الحرب لا يمكن نسخه آليا على دولة كاملة. الأمر نفسه ينطبق على الأشخاص. السوريون لا يريدون أن يروا دائرة واحدة يعاد توزيعها على المؤسسات والمناصب ولا يريدون أيضا عملية انتقام تقصي كل من عمل في مؤسسة خلال عهد الأسد. بين الأمرين دولة اسمها الكفاءة والمحاسبة وتكافؤ الفرص. من لم تتلطخ يداه ويملك الخبرة لا يصبح مجرما لأنه كان موظفا في الدولة ومن وقف مع النظام وروج له أو استفاد منه لا يجب أن يعود ببساطة بثوب جديد فقط لأنه يعرف الطريق إلى المكتب.
وأخطاء الوزراء لم تعد هفوات صغيرة يمكن دفنها تحت عبارة المرحلة الانتقالية. الوزير الذي يتولى ملفا يمس ملايين الناس يجب أن يحاسب على كلمته وقراره وأدائه. والمحاسبة لا تهدم الدولة بل تحميها. أخطر إرث يمكن أن يحتفظ به السوريون من زمن الأسد ليس شخصا أو مؤسسة بل فكرة أن نقد المسؤول يعني الوقوف ضد الدولة. إذا أردنا فعلا دولة مختلفة فيجب أن يكون أول اختلاف أن المسؤول يخطئ ويقال له أخطأت وقد يعتذر وقد يصحح وقد يغادر منصبه إذا استحق الأمر. لا قداسة لوزير ولا لمحافظ ولا لأي مسؤول.
ربما احتاج السوريون بعد سقوط الأسد إلى أشهر من الفرح. كان من الطبيعي أن يرفعوا الأعلام وأن يحتفلوا وأن يسامحوا بعض الارتباك وأن يعطوا الحكومة وقتا. لكن بهجة البداية ليست سياسة عامة ولا يمكن أن تبقى إلى الأبد بديلا عن الحساب. بعد قرابة عامين صار من حق المواطن أن يسأل أين وصلنا وكم تحسن دخله وماذا حدث للخدمات ومن اختار هذا المسؤول ولماذا أعيد ذاك الشخص وكم كلفت هذه الفعالية ولماذا ارتفع هذا السعر. هذه ليست لغة معارضة ولا مؤامرة ولا انقلابا على الحكومة. هذه لغة مواطن يعتقد أن هذه الدولة دولته ولذلك يحاسبها.
ربما لهذا كانت عبارة الرجل في دير الزور أهم من كثير من الشعارات التي قيلت منذ التحرير. «نحنا رايدنكم.. ريدونا». هو لا يقول للحكومة ارحلي بل يقول لها لا تخسرينا. لا تجعلوا من وقف معكم يشعر أن صوته أصبح مزعجا بعد أن انتهت الحاجة إلى التصفيق. لا تطلبوا من السوري أن يختار بين تأييد الدولة وبين الاعتراض على قراراتها. يستطيع أن يريد الحكومة ويغضب منها في اليوم نفسه ويستطيع أن يدافع عن بلده ثم يسأل وزيره أين أخطأت.
نريد الطرق الجديدة والمصانع والاستثمارات والمهرجانات والحفلات وعودة السياح والطائرات والفن والحياة. نريد دولة لا تشبه الدولة التي تركها الأسد. لكن نريد أيضا أن نعرف الحساب.
وحين تأتي الفاتورة لا تضعوها دائما في جيب المواطن.





