

شكّلت عمليات 11 أيلول (سبتمبر) 2001 التي قتلت أكثر من ثلاثة آلاف مدني في الولايات المتحدة الأمريكية، والـ«حرب على الإرهاب» الي تبعتها والتي قتلت في اجتياحَي أفغانستان والعراق وما تلاهما من صراعات مئات آلاف المدنيين، محطة مفصلية في تاريخ العنف وفي تاريخ العلاقات الدولية والقانون الدولي.
عنف مشهدي لا سابق له
تُعدّ هجمات 11 سبتمبر أولى الهجمات القاتلة الكبرى التي لا أسلحة تُستخدم فيها، بل طائرات نقل مدنيّ مختطفة، تتحوّل خزانات وقودها وثقل حديدها وعصف ارتطامها خلال طيرانها بأهدافها – بُرجَي التجارة في نيويورك ومبنى البنتاغون في واشنطن– إلى وسائل دمار شامل.
كما تُعدّ أكبر الهجمات التي تركت أثراً مشهدياً سيبقى مقترناً بمجرّد ذكرها. فمن شهدها مباشرة لا يمكن أن ينسى تفاصيلها، ومن لم يشهد وقوعها شاهد صورها وفيديوهاتها عشرات المرّات لاحقاً، وانطبعت في ذهنه وفي ذاكرته البصرية على نحو مذهل يجاري مفاعيل الحدث الجرمية، أي تلك التي أطاحت بحياة آلاف الأشخاص.
ويمكن أن يُضاف إلى ذلك أنها كانت أبرز العمليات التي لم تشكّ أجهزة المخابرات المختلفة حول العالم بمنفّذيها أو تتوجّس من تحرّكاتهم، ولم يكن أيّ منهم في قواعد بياناتها، بما حال دون الإجراءات الاحترازية التي كان يجدر أن ترافق سفرهم وتنقّلاتهم. حتى أن بعض منفّذيها تابعوا دروساً في الطيران في مدرسة متخصّصة في ولاية فلوريدا، قال أستاذهم بعد نشر أسمائهم إنه فهم للتوّ أسباب تغيّبهم عن الحصص التي كانت للتدرّب على الهبوط!
إختراع مسمّى «الحرب على الإرهاب»
على أن الأفظع من الهجمات نفسها كان الحرب التي أعلن الرئيس الأمريكي جورج بوش الإبن انطلاقها، في مقولة خرجت عن فلسفة الحروب والقوانين التي «ترعاها» وتصنيفات القانون الدولي المعتمدة حول الجرائم. ذلك أن الحروب عادة تكون ذات جغرافيا محدّدة وضمن ضوابط زمنية وفي مواجهة خصوم أو أعداء مكتملي الملامح، بما يضع لها قواعد ويوضح ما لا يمكن ارتكابه خلالها نتيجة اتفاقات هي قوام القانون الدولي الإنساني. أما «الحرب على الإرهاب» فلا جغرافيا لها ولا أفق زمنياً ولا قوانين. وهي تستهدف «إرهابيين» مفترضين، خالقة فئة من الناس المجرّمين الذين لا روادع في التعامل معهم، وصولاً إلى القول الذي سيسود بضرورة اجتثاثهم، حتى لو كلّف الأمر «أضراراً جانبية»، أي خراباً وقتلاً لمدنيين يعيش الإرهابيون المزعومون في بيئاتهم.
و»الإرهاب»، كصفة مطّاطة لا حدود لاستخداماتها وتوظيفاتها، سيصبح منذ 2001 الذريعة الأوسع انتشاراً لتبرير سياسات وعمليات عسكرية في العالم بأسره ضد من تقرّر دول أو أطراف وسمه به، وسيقترن غالباً اللجوء إلى اعتماده لتوصيف عنفٍ بهوية المُتهمين بممارسة هذا العنف. فهو سيسود إن كان المتهمون أصحاب هوية إسلامية، وسيتراجع في الحالات الأخرى ليصبح «إجراماً عادياً» أو أمراً جنائياً يتطلّب التحقّق من رجاحةٍ عقلية أومن دوافع لا نية «إرهاب» بالضرورة فيها.
هكذا، شنّت أمريكا حربها الشهيرة على أفغانستان بحجة «استضافة» الطالبان لأسامة بن لادن زعيم «تنظيم القاعدة» المسؤول عن هجمات 11 سبتمبر. وبعد قصف وتدمير وقتل وخراب واحتلال ميداني وإسقاط لحُكم الطالبان ثم اغتيال لبن لادن وصراعات على السلطة في كابول استمرّت لعشرين عاماً وقتلت جميعها أكثر من مئتي ألف شخص، انسحب الأمريكيون من أفغانستان، لتعود إلى الحكم فيها حركة طالبان إياها!
وهكذا أيضاً، شنّت واشنطن حربها على العراق، متذرّعة بأسلحة دمار شامل (أقرّت لاحقاً بعدم وجودها) وبرعاية إرهابٍ وانتماء لمحور شرّ، فسيطرت على بغداد وأسقطت نظام صدام حسين وحلّت الدولة العراقية، ليصبح العراق بعدها نهباً لاحتلالها ولانتشار ميليشيات ذات هوى إيراني وأخرى من بقايا البعث أو من الموالين لتنظيم القاعدة! وولد من رحم الوضع العراقي الجديد نموذج «الدولة الإسلامية» الذي فاض لاحقاً على سوريا. وتسبّبت الحرب الأمريكية المباشرة ثم التفجيرات والمعارك والاغتيالات والفوضى وقيام خلافة البغدادي رأس «الدولة» والحرب الجديدة عليه ضمن مسمّى «الإرهاب» نفسه إلى مقتل أكثر من نصف مليون شخص.
مكافحة «الإرهاب» عن طريق الإبادة
لم يقتصر اعتماد «الحرب على الإرهاب» على واشنطن، ولَو أنها بادرت إلى إعلانها. فقد لجأت إليه موسكو بعد فترة في حرب الشيشان الثانية التي انتهت بإبادة عمرانية لمدينة غروزني وبقتلٍ لأكثر من عشرة آلاف من سكّانها. واعتمدت المصطلح أيضاً الصين لتبرير قمعها الشرس للإيغور. واعتمدته فرنسا للتدخّل عسكرياً في دول أفريقية. كما اعتمدته أنظمة عربية ضد معارضاتها، لا سيّما بعد نشوب الثورات العام 2011 وتحوّل بعضها إلى صراعات مسلّحة وحروب.
أما الاستخدام الأوسع والمستمر بلا توقّف منذ ربع قرن – بعد مصطلحات شبيهة استخدمت قبله على مدى ربع قرن أيضاً – فقد لجأت إليه إسرائيل في حروبها على الفلسطينيين واللبنانيين، التي وصلت إلى ذورة العنف والتوحّش في السنوات الثلاث الماضية. وليس الأمر مرتبطاً بهجمات حماس في السابع من تشرين الأول ( أكتوبر) وتشبيهها إسرائيلياً بهجمات 11 سبتمبر. فقد سبق لآرييل شارون أن قال العام 2001 إن ياسر عرفات هو «بن لادن إسرائيل»، وإن عمليات الفلسطينيين ضد الاحتلال الإسرائيلي هي «إرهاب أخطر من إرهاب القاعدة». وكرّر مسؤولون إسرائيليون هذه المقولات على مدى سنوات، انتهاءً ببنيامين نتنياهو ووزراء حكومته، وبالرئيس الإسرائيلي إسحق هرتزوغ الذي أعلن في 12 تشرين الأول/أكتوبر 2023أن «أمّة بأكملها تتحمّل مسؤولية إرهاب حماس» وأن «لا مدنيين في غزة غير متورّطين بالهجمات».
الحرب التي لن تنتهي
«الحرب على الإرهاب» هي إذاً حرب بلا نهاية، وهي ذريعة لتسليط عنف على جماعات وبلدان بلا روادع، وهي إسقاط للقانون الدولي وما أرساه عبر اتفاقيات جنيف من حماية للمدنيين ومنشآتهم وللفرق الطبية وأسرى الحرب. فالإرهابيون فئة غير مذكورة في أي نص قانوني، والبيئة الاجتماعية التي ينتمي إليها «الإرهابيون» المزعومون «بيئة حاضنة» لهم، وقصفها أو ترويعها وصولاً إلى إبادتها هو جزء من عملية «اجتثاث الإرهاب»، ولَو تخلّلته «أضرار جانبية». هذا ما جرى تطبيعه خلال ربع قرن، وهذا ما دفع تدريجياً إلى «نزع الأنسنة» و«نزع السياسة» عن بشر ومجتمعات (معظمها مسلمة) وحوّل أهلها إلى أرقام متفاوتة أو إلى ضحايا تكاد تستحقّ مصيرها.
لكلّ ما ورد، يبدو اليوم، بعد ربع قرن على مقتلة 11 سبتمبر وما تلاها من حروب وكوارث، ضرورياً التركيز من جديد على مسألة «الإرهاب» من الزوايا الحقوقية والسياسية، وعلى تداعيات استخدام هذا المصطلح في خطاب المسؤولين وفي «أدبيات» وسائل الإعلام، على نحو يسوّغ العنف والانتهاكات. ويبدو ضرورياً كذلك نشر ثقافة حقوقية تُعيد إلى القانون الدولي حصراً الحقل المصطلحي وما يمكن أن يُبنى عليه.





