
متابعات – حرية برس:
نحو مليوني طفل خارج المدارس، وأكثر من 2700 مدرسة خارج الخدمة، في وقت تستعد فيه المنظومة التعليمية لاستقبال نحو ستة ملايين طالب خلال العام الدراسي الحالي.
هذه الأرقام كانت في صلب جلسة استماع وزير التربية والتعليم محمد عبد الرحمن تركو أمام مجلس الشعب، الاثنين، لكنها تكشف أيضاً حجم الفجوة بين ارتفاع أعداد الطلاب وقدرة قطاع التعليم على استيعابهم.
وقال تركو إن عدد الطلاب المتوقع هذا العام يصل إلى نحو ستة ملايين مقابل 5.3 ملايين العام الماضي و4.3 ملايين في عام 2024.
وعزا الزيادة إلى عودة اللاجئين والنازحين والمتسربين إلى المدارس، إضافة إلى زيادة الولادات.
في المقابل، قدّر الوزير عدد المتسربين من التعليم بنحو مليوني طالب، مشيراً إلى أسباب اقتصادية واجتماعية تقف خلف الظاهرة، فيما تعمل الوزارة بالتعاون مع وزارة الشؤون الاجتماعية والجهات الحكومية على معالجتها.
الرقم الرسمي يبقى أقل من تقديرات اليونيسف التي تشير إلى وجود نحو 2.45 مليون طفل خارج المدرسة في سوريا، وأكثر من مليون آخر معرضين لخطر التسرب.
ولا تعكس الأرقام بالضرورة الفئة نفسها، لكنها تضع حجم الأزمة في نطاق يتجاوز تسجيل الطلاب إلى قدرتهم على الاستمرار في التعليم.
ضغط على المدارس
التحدي الأول يبدأ من المدرسة نفسها.
بحسب الأرقام التي عرضها الوزير أمام مجلس الشعب، يوجد في سوريا 18 ألفاً و312 مبنى مدرسياً، تعمل منها 15 ألفاً و568 مدرسة.
ومن المدارس العاملة هناك 2873 مدرسة متضررة جزئياً، و3639 تحتاج إلى صيانة عاجلة.
أما المدارس الخارجة عن الخدمة فيبلغ عددها 2744 مدرسة، بينها 822 مدمرة بالكامل، و278 مستخدمة كمراكز إيواء، و1321 متضررة جزئياً، إضافة إلى 213 مدرسة ما تزال قيد التقييم.
وقال تركو إن 3857 مدرسة جرى ترميمها، فيما يستمر العمل على 704 مدارس أخرى، مع إدخال 212 مدرسة جديدة إلى المنظومة التعليمية.
وتبقى 2609 مدارس تعمل بنظام الفوجين.
بهذه الأرقام، لا تصبح زيادة عدد الطلاب مؤشراً إيجابياً بمفردها. فالعودة إلى التعليم تحتاج إلى مبان قادرة على الاستيعاب، وصفوف أقل اكتظاظاً، وكوادر موزعة وفق الحاجة.
المعلم داخل المعادلة
الوزارة تضم نحو 339 ألف عامل، بينهم أكثر من 232 ألف موظف مثبت ونحو 63 ألف عامل بعقود، إضافة إلى معلمي الدمج والوكلاء.
لكن الوزير أقر بوجود مشكلة في توزيع الكوادر بين المحافظات.
وتأتي هذه الفجوة رغم الزيادة النوعية التي أقرتها الحكومة للعاملين في قطاع التربية خلال العام الحالي وشملت أكثر من 363 ألفاً من الكوادر التعليمية والتربوية.
وبحسب جداول الرواتب المنشورة استناداً إلى التعليمات التنفيذية للزيادة، يصل إجمالي راتب معلم الصف أو المدرس من الفئة الأولى إلى نحو 36 ألفاً و400 ليرة سورية جديدة شهرياً.
الرقم يبقى مهماً عند قراءة أزمة التعليم، ليس باعتبار راتب المعلم ملفاً معيشياً منفصلاً، بل لأنه جزء مباشر من قدرة المدرسة على الاحتفاظ بكادرها.
فالمعلم الذي لا يغطي دخله احتياجاته الأساسية سيبقى معرضاً للبحث عن عمل إضافي أو مصدر دخل آخر، وهو ما ينعكس حكماً على استقراره المهني وعلى العملية التعليمية نفسها.
41 مليون كتاب ومنهاج موحد
وتحدث الوزير خلال الجلسة عن مجموعة إجراءات لمواجهة الزيادة في أعداد الطلاب.
وقال إن الوزارة طبعت 41 مليون كتاب للعام الحالي مقابل 28 مليوناً العام الماضي، مع إعطاء الأولوية للصفوف من الأول حتى الرابع.
كما يشهد العام الدراسي الحالي تطبيق منهاج موحد للمرة الأولى بعد وجود أربعة أنظمة تعليمية، مع منح الطلاب الذين درسوا وفق المناهج السابقة فترة انتقالية مدتها سنتان.
واعتمدت الوزارة أيضاً القبول الشرطي للطلاب العائدين الذين لا يملكون وثائق كاملة، ومنحتهم عاماً لاستكمالها، إلى جانب امتحانات سبر لتحديد المستوى الدراسي.
كما استفاد نحو 83 ألف طالب من دورات وامتحانات في اللغة العربية ضمن برامج معالجة الفاقد التعليمي.
كلفة الوصول إلى المدرسة
إلى جانب المدرسة والمعلم، دخل عامل اقتصادي جديد على العام الدراسي.
فمنذ 13 أيلول ارتفع سعر ليتر المازوت إلى 175 ليرة سورية جديدة، بعدما كان 125 ليرة قبل التعديل، أي بزيادة تقارب 40 في المئة.
ويمس المازوت قطاع النقل بصورة مباشرة، إضافة إلى استخدامه في التدفئة مع اقتراب فصل الشتاء.
وبالنسبة إلى أسرة لديها أكثر من طفل يستخدم وسائل النقل للوصول إلى المدرسة، لا تبقى الزيادة في سعر الوقود منفصلة عن كلفة التعليم.
كما لا ينحصر الأثر بالطلاب، إذ يعتمد جزء من المعلمين أيضاً على النقل اليومي للوصول إلى أماكن عملهم، ولا سيما في الأرياف والمناطق البعيدة.
وهنا تتقاطع الملفات.
فالوزارة تسعى إلى إعادة المتسربين واستيعاب العائدين، بينما ترتفع في المقابل كلفة الطريق إلى المدرسة، وتبقى رواتب المعلمين محدودة، وتحتاج آلاف المدارس إلى إصلاح أو صيانة.
لهذا لا تبدو المشكلة في عدد الأطفال الذين سيبدأون العام الدراسي فقط.
المعيار الأهم سيكون عدد من يستطيعون البقاء في مقاعدهم حتى نهايته.
فإعادة طفل إلى المدرسة خطوة، أما توفير مدرسة قادرة على استقباله ومعلم قادر على الاستمرار وأسرة تستطيع تحمل كلفة تعليمه، فهي الاختبار الأصعب.








