

شاركت قبل أيام في ندوة في فندق البوابات السبع بدمشق حول تشكيل الأحزاب في المرحلة الانتقالية، نظمتها مؤسسة بصمات التنمية ضمن برنامج صالون سوريا للفكر والثقافة. هذه الندوة هي الأولى من نوعها في سوريا بعد التحرير تقام في شكل علني ومنظم وبدون سقف للحديث، نوقشت فيها قضايا بالغة الحساسية والأهمية وحضرها جمهور كبير معظمه من الشباب في مقتبل العمر، ما يعكس اهتماما بالسياسة يدعو للتفاؤل.
كثير من المواضيع نوقشت في الندوة، لكن أجد أن التفكير في إدارة المجال العام الذي يمثل مسؤولية حكومية بالدرجة الأولى، يحتاج لنقاش أوسع، ولهذا أريد هنا أن أناقش هذه القضية وتوضيح ما أراه ديناميات تحكم هذا المجال العام لاتخاذ خيارات صائبة قدر الإمكان.
يؤدي المجال السياسي العلني دور الحيّز المنظّم الذي تتحول داخله التباينات الاجتماعية إلى منافسة قابلة للإدارة ويتيح هذا الفضاء للأحزاب السياسية والنقابات ومنظمات المجتمع المدني صياغة المصالح وبناء التحالفات وإدارة الخلافات ضمن قواعد متوافق عليها. إذا تعرض هذا المجال للتقييد أو الإغلاق، فسوف يعيد إنتاج السياسة في أشكال بديلة أقل شفافية وأكثر توتراً، حيث تنشأ تحولات مترابطة تبدأ بالانتقال إلى العمل السري، وتتطور نحو تآكل الوسائل السلمية في التعبير، وتنتهي بتعزيز الهويات ما قبل الدولة بوصفها أطراً بديلة للتمثيل والحماية.
يفقد الفاعلون السياسيون منصاتهم المفتوحة عندما تُقيَّد القنوات الشرعية، فيلجؤون إلى شبكات غير رسمية للنشاط السياسي خارج الرقابة الحكومية، وإذا انحسر الفضاء العلني، تتراجع معايير الشفافية والمساءلة لدى التنظيمات السياسية، ويصبح الخطاب الداخلي أكثر تجانساً وتصلباً، لأن المخاطَبين ينتمون إلى دوائر ضيقة متشابهة، وتنشأ دينامية داخلية بتحول الحوافز من التنافس على البرامج إلى التنافس على التنظيم والانضباط والولاء.
ومع تراكم هذه الممارسات واستمرارها لوقت طويل، تتشكل بنى موازية يصعب دمجها لاحقاً في الحياة السياسية النظامية حتى في حال إعادة فتح المجال، هذا ما سيحصل مع الأحزاب التقليدية في سوريا بكل حال.
أما في الجوانب المتعلقة بالسلطات الحاكمة، فتنشأ ظاهرة “حزب السلطة” الذي لا ينشأ من قاعدة شعبية أو أيديولوجية، وانما يُخلق من داخل أجهزة الدولة أو برعايتها ليكون أداة للسيطرة وحشد الدعم للنخبة الحاكمة، ومعه تنشأ ظواهر مثل الزبائنية وتقديم الولاء والعلاقات العصبوية على الكفاءة، وذوبان الحدود الفاصلة بين الحزب والدولة، والعزوف عن المشاركة السياسية، وغيرها من الظواهر المعروفة للباحثين في هذا المجال.
يفقد الاحتجاج السلمي والتفاوض المؤسسي فاعليتهما إذا غابت الضمانات التي تحميهما وتراجعت الثقة بجدوى الوسائل السلمية، حيث يميل بعض الفاعلين إلى تبني العنف بوصفه أداة قادرة على فرض الحضور وإعادة توزيع السلطة. يظهر العنف كاستجابة لأزمة، ومع تكرار استخدامه، تتشكل حلقات تصعيدية يصعب احتواؤها، حيث يغذي كل فعل عنيف رداً مضاداً، وتتآكل المساحات الوسطى تدريجياً.
عندما تفقد الدولة قدرتها على تمثيل وتأمين وإتاحة قنوات تعبير سياسي للتعبير عن مصالح وهموم العامة يبحث الأفراد عن مظلات بديلة، فإذا غابت القنوات الوطنية الجامعة، تقدمت الهويات القريبة الفرعية الطائفية والعرقية والعشائرية والمناطقية بوصفها أدوات تنظيم وحماية ومساحة آمنة للتعبير. هذا يصعد النزعة الطائفية والعنصرية ويعمق الانقسامات والشروخ الاجتماعية، ويحول هذه الانتماءات من مجرد روابط اجتماعية وثقافية إلى فواعل سياسية تعيد تعريف المصلحة والأمن وفق معاييرها الخاصة والضيقة.
شهدت سوريا مساراً تراكمياً من إغلاق المجال العام، بدأ بحلّ الأحزاب في سياق الوحدة مع مصر، ثم تعمّق مع انقلاب حزب البعث العربي الاشتراكي وفرض حالة طوارئ طويلة الأمد، وصولاً إلى مرحلة حافظ الأسد ثم بشار الأسد، حيث أُغلقت قنوات التعبير السياسي على نحو شبه كامل.
أنتج هذا المسار بيئة يمكن توصيفها، في أدبيات علم السياسة، بأنها حالة اختبار مكثّف لآثار الانغلاق، إذ أظهرت مخرجاتها بصورة متسقة تحولات في أنماط الفعل السياسي وانتقاله من العلن إلى أنماط أقل مؤسسية، إلى أن وصلت للانفجار.
تُفسَّر الثورات، ضمن هذا الإطار، بوصفها استجابة بنيوية لإغلاق المجال العام عندما يبلغ درجة عالية من الإحكام. وإذا ترافق الانغلاق مع سوء إدارة الفضاء السياسي، فإن شروط الانفجار الاجتماعي تتعزز. لم يكن اندلاع الثورة السورية العظيمة 2011 سوى لحظة تراكمية في تداعيات الانغلاق في سياق ممتد؛ فقد سبقتها أحداث الثمانينيات الدامية، والتي كشفت عن انكسار المسار السلمي والتحول نحو العنف في ظل غياب قنوات التعبير وسيادة منطق التحكم السلطوي المفرط.
يفرض استقرار الدولة في المرحلة الراهنة معالجة الآثار البنيوية التي خلّفها هذا الإغلاق، وفي مقدمتها صعود الهويات الفرعية بوصفها بدائل تمثيلية. وإذا أُريد تقليص حضور هذه الهويات في المجال السياسي، يتعين تفكيك أسبابها الأصلية عبر توسيع الانفتاح السياسي، وتمكين قنوات تعبير حقيقية من التشكل والعمل، ورفع القيود عن التنظيم المدني. تتيح هذه الإجراءات للدولة إعادة بناء قدراتها التنفيذية وتقديم الأمن والخدمات دون إضطرابات عميقة تهدد كيان الدولة ذاتها، كما تعيد توجيه التفاعلات الاجتماعية نحو إطار وطني جامع.
وإذا استمر إغلاق المجال العام، فسوف تتشكل حلقة تغذية راجعة: يعزز الانغلاق العمل السري، ويقوّض العمل السري قواعد التعبير السلمي، ويغذي تآكل السلمية صعود الهويات الفرعية، في حين يجعل هذا الصعود إعادة بناء المجال الوطني أكثر تعقيداً.
ينبغي التمييز، في تحليل المرحلة الانتقالية، بين منظورين رئيسيين. حيث يركّز منظور “التحول الديمقراطي” على تسريع بناء الهياكل التمثيلية والانتقال إلى نظام ديمقراطي تنافسي. في حين ينطلق منظور “بناء الدولة” من ثلاث ركائز: احتكار العنف المشروع، وبناء القدرة التنفيذية، وتعزيز الشرعية.
تطبيق المنظور الأول في سياق ما بعد نزاع واسع النطاق قد يفضي إلى نظام هش غير قادر على الصمود، خاصة في ظل دمار واسع وخسائر بشرية كبيرة وشروخ اجتماعية عميقة. لذلك يبدو تأجيل التنافس الحزبي المباشر مفهوماً في مرحلة مبكرة تتسم بغياب الانتخابات، وضعف توحيد مؤسسات الدولة، واستمرار مخاطر الانتكاس، ومحدودية قدرات الجهازين الحكومي والقضائي.
ولكن مع تراجع معظم التهديدات بعد نحو عام ونصف، صارت مقاربة بناء الدولة طابعاً أكثر واقعية، حيث يعود النقاش حول إعادة فتح المجال السياسي عبر إقرار قانون ينظم الحياة الحزبية. لا يدور الجدل حول مبدأ حرية التنظيم، وإمكانية تشكيل أحزاب الآن أو حول حرية التعبير، فهذا أمر قائم ولا خلاف عليه، وهو يشكل أرضية مهمة، وإنما حول الإطار القانوني الناظم له.
الحقيقة أنه إذا طال أمد المرحلة الانتقالية دون قنوات تمثيل سياسية منظمة، يتزايد خطر تقويض الانتقال ذاته، سواء عبر الانزلاق إلى هشاشة سياسية وأمنية، أو عبر تكريس نموذج حزب سلطة يعيد إنتاج أنماط السيطرة السابقة.
نحتاج إلى مقاربة متوازنة لقانون الأحزاب، فإذا تم التعجيل بإقراره دون توافق واسع، قد يؤدي ذلك إلى انقسامات حادة أو إلى نشوء أحزاب ضعيفة أو خاضعة. وإذا جرى تأجيله طويلاً فإن الفراغ السياسي يتفاقم ويُضعف المسار الانتقالي، ويجعله مهدداً بالفشل والاستنقاع. وبتقديري أن التوافق على الإطار الدستوري يجب أ، يسبق التشريع الحزبي، لأن النظام السياسي يبنى في الدستور، بحيث يُبنى القانون على قاعدة دستورية متفق عليها. ومن الأفضل أيضاً أن تُدار هذه العملية عبر نقاشات مؤسسية داخل البرلمان وخارجه، بهدف الوصول إلى صيغة تحظى بقبول واسع وتؤسس لحياة سياسية مستقرة وقابلة للاستمرار.





