
إن مسألة التعافي والاستشفاء الوطني السوري، ليست عملية تقنية أو مساراً إدارياً قابلاً للضبط عبر أدوات التخطيط الاقتصادي أو إعادة الإعمار المادي. ولا شكّ أن المجتمعات الخارجة من الحروب لا يمكن أن تعود إلى سابق عهدها، بل تدخل في طور تاريخيّ جديد يتمثّل في إعادة صياغة العلاقة بين الدولة والمجتمع، وبين السلطة والشرعية، وبين الذاكرة الجماعية والهوية والانتماء الوطني. ومن هذه الزاوية، يغدو سؤال التعافي في قلب معادلة التغيير التي شهدتها سوريا بعد 8 كانون الأول/ ديسمبر 2024، وهو سؤال يتجاوز المؤشرات الاقتصادية ليطال بنية المجال العام، وأنماط توزيع القوة، وشروط إنتاج المعنى الاجتماعي في سوريا في الوقت الراهن.
فالتعافي الوطني السوري بدأ يواجه، في مستوياته الشكلية والعميقة، جملة من التحديات والعثرات؛ نظراً لغياب العدالة الانتقالية بوصفها أداةً لإعادة تأسيس الشرعية والعقد الاجتماعي وتضميد الجراح المفتوحة، فضلاً عن اختلال البنية الاقتصادية والإنتاجية، وهو ما يعيد إنتاج الهشاشة الاجتماعية، إلى جانب استمرار حضور الذاكرة الجمعية بوصفها عنصراً فاعلاً في تشكيل السلوك السياسي والاجتماعي والنفسي. وهذه المحددات تتقاطع ضمن ما يمكن تسميته بـ”حقل ما بعد النزاع”، حيث تطفو على السطح قضايا تتعلق بطبيعة السلطة الجديدة، وحقوق الضحايا، والإصلاح الاقتصادي والاجتماعي والدستوري.
– العدالة الانتقالية بوصفها شرطاً لتعزيز شرعية السلطة الجديدة
تُظهر أدبيات التغيير والتحولات السياسية أن الانتقال إلى حالة الاستقرار لا يمكن أن يتم عبر تعليق سؤال العدالة أو تأجيله. فالعدالة الانتقالية لا تقتصر على البعد القانوني، بل تُعدّ آليةً لإعادة تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع، من خلال الاعتراف بالانتهاكات، وتحديد المسؤوليات، وإدماج الماضي ضمن إطارٍ سرديٍّ قابلٍ للتداول العام. وفي غياب هذه العملية، تبقى الدولة في موقعٍ ملتبس، تمارس فيه السلطة من دون أن تمتلك شرعيةً متجددة.
ومن منظور سوسيولوجي، يمكن قراءة ذلك في ضوء مفهوم “العنف الرمزي” عند عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو (1930 – 2002م)، حيث لا يقتصر تأثير السلطة على أدوات العنف المباشر، بل يمتد إلى قدرتها على فرض تعريفٍ معيّنٍ للواقع، بحيث يغدو هذا التعريف مقبولاً بوصفه طبيعياً أو غير قابل للنقاش. وفي الحالة السورية الراهنة، فإن إعادة إدماج شخصيات أو شبكات مرتبطة ببنية النظام السابق لا تمثّل مجرد خيارات سياسية، بل تُعدّ آلية لإعادة إنتاج أنماط الهيمنة ذاتها، مع إجراء تعديلات شكلية لا تمس البنية العميقة. وهذا ما يُضعف إمكان تشكّل مجالٍ عام قائم على الاعتراف المتبادل، ويُبقي الضحايا خارج الميزانين السياسي والقانوني.
وتُظهر تجارب دول مثل ماليزيا، ورواندا، والبوسنة، وجنوب إفريقيا، فضلاً عن دول أميركا اللاتينية مثل السلفادور وتشيلي، أن التعامل مع الماضي لا يكون بتجاهله، بل بتنظيمه ضمن إطار مؤسسي يتيح إعادة بناء الثقة. وأما في غياب هذا التنظيم القانوني لحقوق المتضررين، فإن المجتمع يدخل في حالةٍ من عدم الاستقرار، حيث لا تُعالَج جذور المشكلات، بل تعلّق، وقد يُدفع ذوو الضحايا إلى خياراتٍ غير قانونية ولا أخلاقية في بعض الأحيان، بما يهدد السلم والاستقرار الأهلي.
إن التدهور في مستويات المعيشة، واتساع الفجوة بين الأجور والأسعار، لا سيما في الاحتياجات اليومية والسكن، إلى جانب التفاوت في الأجور بين موظف وآخر داخل المؤسسة نفسها، وارتفاع معدلات البطالة، تمثّل جميعها مؤشرات على اختلالٍ عميق.
– الاختلال الاقتصادي يخلق هشاشة اجتماعية وفوضى أخلاقية
يرتبط مسار التعافي بطبيعة البنية الاقتصادية السورية التي ظهرت ملامحها بعد سقوط نظام الأسد، والتي تمثّلت في بدء محاولات الإصلاح الاقتصادي والخصخصة، ومصادرة منظومة النظام السابق، والتقارب مع الغرب والولايات المتحدة لرفع العقوبات الاقتصادية عن سوريا، وإطلاق حزمةٍ من المشاريع تبنّتها المملكة العربية السعودية، ودولة قطر، والإمارات العربية المتحدة، والكويت، وتركيا، والولايات المتحدة، وإيطاليا، وفرنسا، وألمانيا، وأوكرانيا، وأذربيجان، في المجالات الصحية والتعليمية والصناعية والزراعية والسياحية والخدمية والتشغيلية، إلى جانب انطلاق حملات التبرع والمبادرات الشعبية لإصلاح البنى التحتية. غير أن هذا الزخم كان أكبر من الواقع، ولم يُطبَّق منه حتى اللحظة إلا بعض المشاريع المحدودة.
وفي واقع الأمر، فإن التدهور في مستويات المعيشة، واتساع الفجوة بين الأجور والأسعار، لا سيما في الاحتياجات اليومية والسكن، إلى جانب التفاوت في الأجور بين موظف وآخر داخل المؤسسة نفسها، وارتفاع معدلات البطالة، تمثّل جميعها مؤشرات على اختلالٍ عميق. ولا شك أن هذه الظواهر تعد نتائج ظرفيةً للحرب، غير أنها تعكس أيضاً نمطاً اقتصادياً غير قادرٍ على إعادة إنتاج التوازن الاجتماعي حتى اللحظة، وهو ما يجعل الاقتصاد عاملاً مركزياً في تحديد مدى قابلية المجتمع للاستقرار أو الانكشاف نحو عدم الاستقرار والفوضى الأخلاقية التي قد تدفع الأفراد إلى خياراتٍ تهدد المجال العام.
ويتيح تحليل المؤرخ الاقتصادي المجري كارل بولاني (1886 – 1964م)1 للتحولات الاقتصادية الحديثة فهماً معمقاً لهذه الظاهرة، حيث يشير إلى أن تحرير السوق من القيود الاجتماعية يؤدي إلى تفكك البنى المجتمعية، إذا لم تُرافقه آليات حماية تضمن الحد الأدنى من العدالة في توزيع الثروة والعمل والدخل المناسب. وفي الحالة السورية، لا يبدو أن هناك توازناً بين منطق السوق ومنطق الحماية الاجتماعية، إذ تطفو على السطح مظاهر هيمنةٍ لآلياتٍ غير منظمة، تتداخل فيها المضاربة والاحتكار وضعف الرقابة، إلى جانب استمرار بعض أنماط الفساد السابقة، ما يؤدي إلى تحويل الاقتصاد إلى مصدر ضغط دائم على الشرائح المجتمعية الأوسع.
ومن منظور بورديو، لا يتعلق الأمر فقط بتوزيع الموارد الاقتصادية، بل بإعادة توزيع أشكال متعددة من الرأسمال الثقافي والاجتماعي والاقتصادي. فالاختلال الاقتصادي يؤدي إلى تقليص فرص الوصول إلى التعليم، وإضعاف الشبكات الاجتماعية المستقلة، وتعزيز الاعتماد على علاقات الوساطة والولاء. وهذا النمط الاقتصادي لا يعيد إنتاج الفقر فحسب، بل يعيد أيضاً إنتاج أنماط الهيمنة ذاتها، ويحدّ من قدرة الأفراد على الفعل داخل المجال العام.
وتُظهر تجارب ما بعد الصراع، في البلقان والعراق، أن غياب إصلاحٍ اقتصاديٍّ عادل أدى إلى تشكّل نخبٍ اقتصاديةٍ جديدة استفادت من الهشاشة العامة ومن إرث الفساد الإداري، وعزّزت أنماط المحسوبية والشللية، وأسهمت في ترسيخ طبقةٍ أوليغارشيةٍ على حساب الأغلبية الساحقة من المواطنين. وبهذا، فإن التعافي الوطني، بمفهومه الشامل، يغدو عمليةً غير متكافئة، تتراكم فيها المكاسب في أطرافٍ محددة، بينما تستمر الأغلبية في مواجهة ظروف معيشية قاسية، قد تصل إلى حدودٍ يصعب التنبؤ بمآلاتها.
لا يمكن اختزال التعافي في استقرارٍ أمنيٍّ جزئي، أو في تحسنٍ محدودٍ لبعض المؤشرات الاقتصادية، كما يظهر في الخطابات الرسمية المتعلقة بالناتج المحلي أو الانفتاح الاقتصادي أو تحسن ميزانية الدولة أو رواتب العاملين.
– الذاكرة الجمعية تؤسس العقد الاجتماعي والسياسي الجديد
لا يمكن التعامل مع الذاكرة في المجتمعات الخارجة من العنف بوصفها بقايا ماضٍ يمكن تجاوزه بمرور الوقت. فالذاكرة، وفقاً لعالم الاجتماع الفرنسي موريس هالبفاكس (1877–1945م)، تتشكل داخل أطرٍ اجتماعية، وتؤثر في أنماط الإدراك والسلوك. وهذا يعني أن التجربة السورية لا تُختزن فقط في الوعي الفردي، وإنما في بنىً جماعية تُعيد إنتاج نفسها في الخطاب واللغة، وفي الحياة اليومية والعالم الافتراضي، وفي العلاقات الاجتماعية، والمواقف السياسية، وحتى في المشكلات القانونية والجوار الجغرافي بين المناطق والمكونات الاجتماعية والإثنية في سوريا.
وفي هذا الإطار، فإن الدعوات إلى “تجاوز الماضي” من دون معالجة واقعية للذاكرة غالباً ما تؤدي إلى نتائج عكسية، إذ بدأنا نشهد مظاهر انتقام فرديّ في بعض المناطق، مثل حلب وحمص وحماة. فالذاكرة التي لا تُدمج في سرديةٍ عامة تبقى حاضرةً بشكلٍ غير منتظم، وتتحول إلى مصدر للشك وانعدام الثقة بين السوريين، وهو ما لوحظ في تجاربٍ مثل لبنان والعراق، نتيجة العنف والانقسام الاجتماعي وغياب العدالة وردّ الحقوق إلى أصحابها، الأمر الذي دفع، في بعض الحالات، إلى اللجوء إلى العنف المباشر كوسيلةٍ لحل النزاعات.
وفي الحالة السورية، تتخذ الذاكرة بُعداً إضافياً، نظراً لتعدد مستويات العنف وتداخل التجارب الفردية والجماعية، ما يجعلها عنصراً فاعلاً في تشكيل الحاضر، لا مجرد انعكاسٍ للماضي. وبالتالي، فإن أي مشروعٍ للتعافي يتجاهل هذا البعد، أو يسعى إلى تحييده، يظل مشروعاً منقوصاً، لأنه لا يعالج أحد الشروط الأساسية لإعادة بناء الثقة، وترميم النسيج الاجتماعي، ومعالجة القضايا الأمنية معالجةً جادة، بدلاً من الاكتفاء بمصالحاتٍ قد تبدو للناس وكأنها عفوٌ عن الماضي مقابل تنازلاتٍ معينة لصالح السلطة.
ولا يمكن اختزال التعافي في استقرارٍ أمنيٍّ جزئي، أو في تحسنٍ محدودٍ لبعض المؤشرات الاقتصادية، كما يظهر في الخطابات الرسمية المتعلقة بالناتج المحلي أو الانفتاح الاقتصادي أو تحسن ميزانية الدولة أو رواتب العاملين. فالتعافي، في معناه العميق، يتطلب إعادة تأسيس العلاقة بين الدولة والمجتمع على قاعدة الاعتراف والعدالة، وإعادة بناء الاقتصاد وفق معطيات الواقع المعيشي وتطوراته المتصاعدة، وهو ما يسمح بإنتاج حدٍّ أدنى من التوازن الاجتماعي، وإدماج السوريين في إطار سياسيّ وأخلاقيّ وقيميّ يؤسس لمستقبلٍ أكثر استقراراً وعدلاً.
وفي غياب هذه الشروط، يبقى ما يُسمى بالتعافي أقرب إلى إعادة ترتيبٍ شكليٍّ لا يغيّر جوهر الأزمة العالقة بعد التحرير، والمتعلقة بحقوق الضحايا والمفقودين والمنكوبين، وبضرورة معالجة الأسباب التي أدت إلى دمار سوريا. فالتعافي من دون عدالة سيُعيق تشكّل العهد الجديد، ويجعل البلاد عرضةً لانتكاساتٍ محتملة عند عودة التدخلات الخارجية أو تفاقم الأوضاع المعيشية.
فالتاريخ يُظهر أن الاستقرار الذي لا يقوم على معالجة جذور الصراع يظل قابلاً للانكشاف والانهيار، حتى وإن بدا متماسكاً في ظاهره. ومن ثم، فإن التعافي والاستشفاء الوطني السوري له مقوماته التي تبدأ بصياغة رؤية وطنية جامعة، ومعالجة المشكلات القانونية والمعيشية والأمنية معالجةً شاملة، وهو ما يشكّل المدخل الحقيقي للنهوض الوطني الشامل.








