

وصل قائد العمليات العسكرية أحمد الشرع إلى دمشق في 8 ديسمبر/ كانون الأول 2024، وتوجّه مباشرة إلى الجامع الأموي، فأدّى الصلاة وخطب في الحاضرين معلناً سقوط نظام الأسد، قائلاً إنّ “سورية تُطهّر اليوم”، وإنّ ما تحقّق ليس انتصاراً سورياً، وإنما يمثّل “نصراً للأمة الإسلامية بأكملها”. ومن الطبيعي أن يحمل هذا الحدث التأسيسي دلالاتٍ سياسيةً ورمزيةً كثيفة، فالجامع الأموي أضفى طابعاً رمزياً، واستدعى طبقات من الذاكرة الوطنية والإقليمية والإسلامية التاريخية، في منطقة تنتعش فيها مظلومية سنّية في سياق صراع جيوسياسي اتخذ أبعاداً مذهبية، وفي سياق هزيمة إيران “الشيعية”.
وفي الذكرى السنوية الأولى لسقوط النظام، عاد الرئيس الشرع إلى الجامع الأموي ببزّته العسكرية نفسها التي ظهر بها عند دخول دمشق، وأمّ المصلين في صلاة الفجر، وخطب في الناس قائلاً إنّ البلاد تطوي “حقبةً سوداء مرّت على سورية غريبة عن تاريخها ومجدها وحضارتها”، وإن الله أكرم أهل الشام “بما لم يمنّ به على الأمة الإسلامية منذ ألف عام”، وإنّ إعادة بناء الدولة سيقوم على “طاعة الله ونصرة المستضعفين وإقامة العدل بين الناس”، فـ”أطيعوني ما أطعت الله فيكم”. والأهم في ذلك كلّه ليست الدلالات الرمزية التي يراد تأكيدها، وإنما في التداخل بين الديني والسياسي، فهذا خطاب يحمل دلالةً واضحةً على إعادة ترتيب العلاقة بين الدين والدولة، وربّما حتى نظام الحكم.
الواقع أن تاريخ العلاقة بين الدين والدولة في سورية شائك، ولم يحظَ إلّا بدراسات نادرة، فقد كان ظهور الدولة الوطنية، ثم بدء الحقبة الاستعمارية، بشكل شبه متزامن، أدّيا إلى تغيّر جذري في موقع الدين في الدولة، ودفعا إلى الواجهة موضوع ردّ الاعتبار للشريعة الإسلامية واستعادة الهُويّة الثقافية التي يمثّل الإسلام صُلبها. لكنّ التطوّرات الخاصّة في سورية جعلت موضوع العلاقة أكثر تعقيداً، فقد كان الدين عنصراً رئيساً في الصراع السياسي؛ إذ استخدم الانتداب الفرنسي الطوائف أداةً لاستمرار السيطرة، وانعكس ذلك في بنية جيش الشرق الذي شُكِّل (بصورة أساسية) من الأقليات الدينية والعرقية المهمّشة، ثم من خلال محاولة تقسيم الدولة إلى ثلاث دول على أساس طائفي: دولة للعلويين، ودولة للدروز، ودولة لبقيّة السكّان الذين يُفترض أنهم مسلمون سنّة في الأعمّ الأغلب مع المسيحيين.
لم يكن غريباً خروج المظاهرات من المساجد عند اندلاع الثورة، فالتمسّك بالدين كان يعني مقاومة السلطة
بعد انقلاب حزب البعث (8 مارس/ آذار 1963)، استُخدم الانتماء الديني أساساً لسيطرة اللجنة العسكرية على الجيش، وكان يقودها فعلياً ثلاثة ضبّاط بعثيين علويين (محمّد عمران، وصلاح جديد، وحافظ الأسد)، إذ نُفّذت عمليات تسريح قسري واسعة النطاق ضدّ السنّة بشكل رئيس، بغرض تعزيز العصبة وضمان توسيع النفوذ واستمراره في الجيش. ثم تطوّر الأمر في عهد حافظ الأسد بعلونته السلطة، أو ما سمّاها صادق العظم “العلوية السياسية”، فاستُخدم العصب الطائفي للأقلية العلوية لإحكام السيطرة على مفاصل الدولة ومؤسّساتها، واتّبع سياسات تمييزية غير معلَنة لتعزيز الولاء والسلطة الفردية.
قبل ذلك، كان محمّد عمران، قائد مجموعة الانقلاب، قد طبّق سياسات اشتراكية متطرّفة في بلد كان يحكمه نظام ليبرالي وانتعاش اقتصادي، وبالتضافر مع الخلفية الاجتماعية لعمران، المنحدر من الساحل، وبمزيج بين الأيديولوجيا والطائفية، بدأت ملامح عداء تظهر بين الحكّام الجدد والدين نفسه. وانعكس هذا سريعاً في احتجاجات حماة التي أفضت إلى حادثة جامع السلطان في حماة (قصف جامع للمرّة الأولى في تاريخ سورية)، وظهور مجموعة الشيخ مروان حديد في إبريل/ نيسان 1964، أي بعد عام فقط من الانقلاب. ثم أدّت أحداث الثمانينيّات في عهد حافظ الأسد إلى حصر دلالة “الدين” بـ”المسلمين السنّة”، ثم مطابقة “السنّة” مع جماعة الإخوان المسلمين، فأخذت معاداة الدين بعداً سياسياً؛ فهي من جهة صارت تهديداً لحكم الأسد، وهي من جهة أخرى صارت أداةَ مقاومةٍ لحكمه. وبالتالي، صار قمع التعبير الديني السنّي تحديداً جزءاً من وسائل تثبيت الحكم، ما جعل ممارسة الشعائر الدينية في الجيش أو الأمن أو الأجهزة الحكومية الأخرى دلالة انتماء سياسي وسبباً للتنكيل.
لم يكن غريباً إذاً أن تخرج المظاهرات من المساجد عند اندلاع الثورة، فقد كان التمسّك بالدين يعني، بطريقة ما، مقاومة السلطة. فالخضوع لله وحده، ببساطة، يعني رفض الخضوع للأسد، والمجتمع بطبيعة الحال يصبح أكثر محافظة وتديّناً في ظلّ الأنظمة الشمولية، لأن التدّين يمثّل نوعاً من الحماية من فقدان المعنى، ويمنح قدرة أكبر على التحمّل، ويخلق الأمل بـ”عدالة الله” التي لا بدّ آتية. ولأنّ المساجد في صلاة الجمعة هي المساحة الوحيدة الممكنة للاجتماع العلني، تلاقت المقاومة مع الاحتجاج السياسي في مكان واحد، وهذا منح الصوت الاحتجاجي قوةً مضاعفة، وسمح بتمدّده إلى المجتمع سريعاً.
لم تكن السلطات الحكومية، في الواقع، قادرةً على إغلاق المساجد، خصوصاً أن ذلك يحدث في ظلّ ثورة، فمنع الناس من أداء فريضة الصلاة، وفي سياق السياسات الطائفية يتحوّل الدين إلى هُويّة سياسية، وهذا ما دفع مزيداً من الناس من غير المتديّنين للانخراط في مظاهرات المساجد. إنه لأمرٌ ذو دلالة أن الاحتجاجات التي انطلقت في المساجد لم تكن تحمل خطاباً طائفياً، على الرغم من محاولة أجهزة المخابرات السورية تلفيق هتافات من هذا النوع، ما يعكس بوضوح كيف أن الدين شكّل عنصر مقاومة.
حسناً، عبر هذه الطبقات المتعدّدة من التاريخ العام والتاريخ الوطني، وموقع الدين في الدولة وتحوّلاته في الأنظمة السياسية المتعاقبة في سورية، تشكّل الإرث الذي وجد الرئيس الشرع نفسه أمامه: الدين مقاومةً سياسيةً، والدين مؤسّساً للهُويّة. وهذا هو الشاغل الرئيس لتفكير الحركات الإسلامية عموماً، والسلفية الجهادية منها على وجه الخصوص، التي ترى في استعادة موقع الشريعة، وعدم الاعتراف بالنظام الدولي القائم على الدولة الوطنية، والتغيير بالقوة، هو الجواب عن المشكلات التي تطرحها طبقات التاريخ المتراكمة تلك. وقد وصل الشرع إلى القصر عبر معركة لا يزال غبارها عالقاً بأطرافه، وابتداءً من ركوبه الحافلة إلى بغداد لمقاومة الاحتلال الأميركي، مروراً بتأسيسه جبهة النصرة، وصولاً إلى تأسيسه هيئة تحرير الشام، وتشكيل حكومة الإنقاذ، إلى معركة ردع العدوان، ترسّخت في ذهنه مواجهة هذا الإرث.
منذ انقلاب “البعث”، وإلى جانب العداء الصريح للدين، أُلغيت استقلالية المؤسّسات الدينية على نحوٍ تام تقريباً، وأُلحقت بشكل فظّ بالقرار السياسي
من الطبيعي، والحال هذه، أن يكون تفكيك الإرث المعادي للدين في الدولة، وتصفيته، في صدارة أولويات الحكم الجديد. فمن جهة، يعني ذلك إنهاء مخلّفات نظام الأسد، ومن جهة أخرى القضاء على الآثار الدينية للتدخّل الإيراني، ومن جهة ثالثة تصحيح علاقة الدولة بالدين وإقامة علاقة تصالحية أمراً لا مفرّ منه. وأظهر الشرع، خلال عامه الأول، حرصاً واضحاً على الحكم بسياسات براغماتية لا أيديولوجية، بمعنى أن السياسات الدولية والعامة المحلّية لا تُحدَّد انطلاقاً من حكم ديني مسبق، وإنما من المصالح العامة ومن منظور نفعي (براغماتي). لكن ممارسات المسؤولين، في بعض الأحيان، تلقي بعض الشكوك حول هذا المسار، فبعض التعميمات الصادرة من المحافظين في دمشق واللاذقية تلقي بعض الشكوك في الاستمرار بهذا النهج، وتدعم فرضية الأسلمة التدريجية للمجتمع من أعلى.
يلقى نهج الرئيس معارضةً متفاوتةً من أعضاء متشدّدين في هيئة تحرير الشام، في ظلّ وجود خطر تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، ومحاولة تأليف ما تبقّى من “أخوة المنهج” للتمرّد الداخلي والانضمام إلى صفوف “داعش”. ولذلك؛ في بعض الأحيان، يمكن تفسير تصرّفات أنها محاولة لامتصاص الغضب من فئات متشدّدة كانت في صفوف هيئة تحرير الشام، والتخفيف من التوتّر في صفوف رفاق السلاح، وليس نهجاً ثابتاً للحكم. غير أنّ مقاومة تلك القرارات، التي غالباً لا تنسجم مع طبيعة المجتمع السوري وتنوّعه، تؤدّي غالباً إلى التراجع عنها.
في مسار تعديل العلاقة الحكومية مع الدين وتأسيس علاقة إيجابية، تطلّب الأمر مجموعةً من البدائل في السياسات العامة لإعادة بناء المشهد الديني، تبدأ بإعادة هيكلة المؤسّسات الدينية وترتيب أدوار الفاعلين فيها. فقد طُبّق العزل السياسي على الشخصيات التي كانت مواليةً لنظام الأسد من الخطباء وأئمة المساجد، وكذلك في المؤسّسات الأكاديمية والتعليمية الدينية. وحُلّ المجلس الإسلامي السوري الذي نشأ لمواجهة “داعش” وتوجيه النشاط الثوري وفق قواعد وضوابط متوافقة مع الأحكام الشرعية، وتشكيل مجلس إفتاء متنوّع الاتجاهات يدمج، للمرّة الأولى، بين السلفية والأشعرية، وتعيين الشيخ أسامة الرفاعي رئيساً له، وأيضاً مفتياً عاماً للجمهورية، واستحداث منصب مستشار الرئيس للشؤون الدينية.
كان نظام “البعث” قد تلاعب في انتخاب مفتي جمهورية من بين علماء الدين، بالتدخّل المباشر عام 1964 لصالح الشيخ أحمد كفتارو، ثم ألغى حافظ الأسد انتخاب المفتي وجعل المنصب تعييناً (ثبّت الشيخ كفتارو حتّى وفاته، وقد أمضى نحو 48 عاماً في منصبه، ولعب دور المشرّع الديني لنظام البعث ثم نظام الأسد)، وبذلك أفقده الاستقلالية تماماً، ودمّر سلطته التأويلية، وحوّله إلى غطاء شرعي لسياساته. ومع أن هذا الوضع لم يتغيّر كثيراً بعد التحرير، لجهة التعيين، إلّا أن اختيار المفتي جرى إلى حدّ كبير بالتوافق بين مجلس الإفتاء والرئاسة، ويتمتّع المفتي برمزية يصعب إملاء الفتاوى عليه.
أمّا وزارة الأوقاف والشؤون الدينية، التي أُسّست عام 1965 بغرض السيطرة على المجال الديني، وأُلحقت بها المساجد والمؤسّسات الدينية، وحُوّل الأئمة والخطباء والعاملين إلى موظفين حكوميين يتقاضون رواتب من الحكومة بدلاً من مؤسّسات الوقف والمجتمع الأهلي، فقد استمرّت أيضاً، إلّا أنها أُسندت إلى شخصية لها تاريخ في المعارضة والعمل الخيري في المؤسّسات الدينية، ونجحت، إلى حدّ كبير، في تغيير السياسات السابقة، والتقليل من مهامها في الضبط والمراقبة التي كانت تتداخل مع الأجهزة الأمنية في عهد الأسد، والعمل بدلاً من ذلك لإنتاج مناخٍ من التوافق والانسجام في المؤسّسات الدينية مع التحوّلات الجديدة، عبر “ميثاق وحدة الخطاب الإسلامي” الذي يشكّل نتاج توافق العاملين في المؤسّسات الدينية على مبادئ عمل في إطار الدولة.
وعلى كلّ حال، تعمل المؤسّسات الدينية، التي أُعيد لها الاعتبار، في تعزيز شرعية السلطة مع الأجسام والإجراءات السياسية الأخرى، ذلك أنّ إدماج المؤسّسات الدينية في جهاز الحكم، مع احترامها وتقدير مواقعها الرمزية، وعدم التدخّل في عملها أو فرض القرار السياسي عليها، أعاد لها الاعتبار. وذلك على عكس ما كان متّبعاً منذ انقلاب “البعث”، فإلى جانب العداء الصريح للدين، أُلغيت استقلالية المؤسّسات الدينية على نحوٍ تام تقريباً، وأُلحقت بشكل فظّ بالقرار السياسي، وليس بجهاز الدولة فحسب، ما أدّى إلى فقدان المؤسّسات الدينية الرسمية ذاتها للشرعية في المجتمع، ونشوء خطاب ديني اعتراضي في الظلّ.
لا يملك الرئيس بالشرعية الثورية، القدرة على البتّ في موضوعات سيادية من دون مجلس شعب منتخَب
كان النشاط الديني ممنوعاً تقريباً في عهد نظام الأسد، وما يُسمح به يكون تحت رقابة شديدة وبشروط مجحفة، وفي سنوات الثورة جرى حظره تماماً. وكانت آخر صحيفة دينية قد أُوقفت بقرار حكومي عام 1963، وآخر مجلّة شهرية دينية (“حضارة الإسلام”) في عام 1981، ثم أصدرت وزارة الأوقاف مجلّةً تهدف إلى تشكيل خطاب ديني رسمي مناسب لنظام الأسد، ولم يكن لها أيّ تأثير، فتوقّفت عام 2010. في حين نشهد اليوم عودة واضحة للأنشطة الدينية برقابة محدودة، إذ تشعر المؤسّسات الدينية أنها جزء من الدولة، وليست على عداء معها، وقد مُنعت نشاطات تهدف إلى تأليب أطراف من المجتمع في الأشهر الأولى من التحرير.
في إعادة ترتيب العلاقة الحكومية مع الدين، لا يمكن تجاهل الإعلان الدستوري، إذ ثبّت الرئيس الشرع مادَّتَين أساسيتَين تكرّرتا منذ دستور 1950: “دين رئيس الدولة” و”الفقه الإسلامي هو المصدر الرئيس للتشريع”. ولم يكن الرئيس الشرع ليغير أساساً هاتَين المادّتَين لانسجامهما مع قناعته، ولأنّه سيواجه مشكلةً في الشرعية بين رفقاء الأمس، وسيعطي رسالةً سياسيةً خاطئةً للأغلبية السنّية التي وقع عليها عبء التضحية الرئيس في الثورة. وأخيراً، لا يملك الرئيس القادم، عبر شرعية ثورية، القدرة على البتّ في موضوعات سيادية تحتاج إلى توافق واسع في المجتمع، في وقت مبكّر، من دون وجود مجلس شعب تمثيلي منتخَب.
أخيراً، في حين كان حافظ الأسد والمسؤولون الحكوميون في أعلى السلطة، منذ استيلاء “البعث” على الحكم، حريصين على إظهار تقوى دينية شكلية زائفة في المناسبات الإسلامية الرئيسة، مثل الصلاة في العيد، في نفاق للمجتمع من أجل الحفاظ على خيط رفيع من الشرعية، في وقت كانت العدائية الممارسة منهم تجاه الدين تقول نقيض ذلك، فإنّ الرئيس أحمد الشرع متديّن حقيقي، ولم يكن يظهر تقواه من أجل كسب الشرعية، وإنما على النقيض من ذلك، فإنّ إعادة تعريف العلاقة بين الدين والدولة تأتي من خلال هذه الحقيقة.





