لا عودة إلى حمص!

دراسة عن الهندسة الديموغرافية في سوريا

فريق التحرير22 أكتوبر 2017آخر تحديث : الأحد 22 أكتوبر 2017 - 9:28 مساءً
22751469 752233614972059 1759610682 o 1 - حرية برس Horrya press

ترجمة إسراء الرفاعي – حرية برس:

*المقدمة:

لقد أصبح التهجير السكاني الذي يقوم به النظام سمة مميزة للنزاع في سوريا. حيث يقضي النظام السوري عمداً على المدنيين في المناطق التي تمردت ضده -بمساعدة حلفائه روسيا وإيران- وذلك من خلال سياسة الحصار، التجويع، التدمير، والتهجير. مما أدى إلى نزوح ملايين الأشخاص من المراكز الريفية والحضرية في كل دمشق ، حلب، وحمص. وسبب ذلك أزمة أسفرت عن نزوح أكثر من نصف الشعب السوري من بلاده.

وتشير الدلائل إلى أن استراتيجية التهجير التي يتبعها النظام السوري قد تم اتخاذها بناء على الهندسة الديموغرافية، وتُعرف هنا بالتلاعب الذي تقوم به الدولة تجاه المجموعات العرقية أثناء النزاع. والهدف المباشر لهذه الاستراتيجية هو تغيير توازن القوى بين مختلف الطوائف المعارضة، إلا أن هذه الاستراتيجية تحمل بعداً ثقافياً طويل الأمد فضلاً عن الآثار الاجتماعية والاقتصادية التي ستشكل مستقبل سوريا ولاجئيها.

إن التغيرات الديموغرافية التي حصلت خلال النزاع لا تؤثر على حياة الملايين من السوريين فحسن، بل إنها أيضاً تُعقّد آفاق السلام في المستقبل. حيث إن المفاوضات المعقدة المحيطة بها كالنزوح والهوية الطائفية.

وقبل أن يُصدم ضمير العالم بمشاهدة الدمار شرق حلب في عام 2014، فقد كانت حمص أول مركز حضري في سوريا يخضع للحصار الذي فرضه النظام ولاستراتيجيته المدمرة، من مجازر، اغتصاب، احتجاز، حرمان من الرعاية الطبية، بالإضافة إلى القصف الذي يستهدف المدنيين والبنية التحتية ، فضلاً عن المليشيات الطائفية والحرب النفسية، جميعها تكتيكات يستخدمها النظام في سبيل التهجير القسري. حيث أصبحت الأحياء ذات الأغلبية السنية في حمص مخططاً لأماكن مثل داريا وحلب في 2016. وبالتالي فإن تجربة حمص وشعبها المشتت بعد سنوات من التهجير يمكنها أن تعزز النظرة المستقبلية لما يمكن أن يحمله الغد للمناطق المهجرة حديثاً، وتلك المناطق مثل مضايا ودوما التي تبدو مستعدة لمتابعة ذات الطريق في العام المقبل.

لقد كانت حمص قبل الحرب ثالث أكبر مدينة في سوريا، حيث قُدّر عدد سكانها ب 800000 نسمة إلى 1.3 مليون شخص، إلا أن هذه الكثافة السكانية قد تقلصت خلال الحرب ، حيث أصبحت تتراوح من 200000 إلى 650000 ، وتشير هذه التقديرات إلى أن نصف السكان الأصليين لايزالون في معظمهم. وقد استعادت القوات الحكومية السيطرة على كامل المدينة في منتصف 2014، باستثناء منطقة الوعر. واليوم بعد مرور أكثر من عامين من انتهاء الحصار على الأحياء الرئيسية في مدينة حمص وتهجير السكان، فإن معظم أجزاء المدينة مازالت مدن أشباح.

وقد تم ترحيل آخر مجموعة من المدنيين والمقاتلين الذين بقوا في وسط مدينة حمص المحاصرة في أوائل عام 2014 في سلسلة من عمليات النقل القسري التي ترعاها الأمم المتحدة. فلم يُمنح السكان خياراً حقيقياً بعد سنوات من الحرمان والقصف سوى الاستسلام أو الموت.

إن أعمال التهجير القسري كهذه تنتهك القانون الدولي الإنساني و القانون الدولي الجنائي.  إن حقيقة أن جرائم الحرب المماثلة من التهجير القسري قد نُفّذت ضد المدنيين الآخرين بما في ذلك سكان داريا وشرق حلب ، تُشير إلى أن هذه الأعمال هي جزء من استراتيجية ممنهجة وواسعة النطاق وبالتالي يمكن اعتبارها جرائم ضد الإنسانية وسوف يعرض هذا التقرير الآليات والتأثيرات للهندسة الديموغرافية التي يقودها النظام في سوريا من خلال دراسة حالية لمدينة حمص التي فقدت أكثر من نصف سكانها خلال الحرب بين 2011_2014.

*المنهجية:

تم جمع المعلومات في هذا التقرير من خلال مقابلات ، ودراسات استقصائية، والتواصل المستمر مع 16 شخصاً ممن تم تهجيرهم من حمص، بالإضافة إلى مقابلات ثانوية مع 13 مصدر ثانوي بما فيهم الصحفيين السوريين، وقادات المجتمع المدني، والمقيمين السابقين الذين يملكون معلومات تفصيلية عن حمص. وتم الاستناد على خلفية إضافية وأبحاث داعمة بالإضافة إلى وسائل الإعلام والدراسات السابقة وتحليل بيانات المصادر المفتوحة مثل صور الأقمار الصناعية.

تم تهجير الأشخاص الذين قدموا إفاداتهم في التقرير من مجتمعاتهم المحلية ما بين 2011_2014 وقد تم تغيير أسمائهم لضرورات أمنية، وتم إجراء جميع المقابلات عن بعد من خلال برامج واتساب، فيسبوك، وسكايب. وقد تم بذل جهود لتجنب تفعيل المعتقدات الطائفية، حيث تم سؤالهم عن تجاربهم في المقام الأول ولم يطلب تحديد المسائل التي من الممكن أن تكون حساسة لديهم كالدين أو العرق أو المهنة.

*التحديات:

شكلت الطبيعة الحساسة للتقرير التحدي الرئيسي للباحثين في تحديد الأشخاص الذين تم إجراء المقابلة معهم، حيث كان العديد منهم غير راغبين أو غير قادرين على المشاركة والتحدث عن تجربته، وذلك بسبب الخوف من انتقام النظام منهم أو من عائلاتهم. وقد قلّصت حالة عدم الاستقرار التي يواجهها المشاركون في التقرير فرص متابعة المحادثات المتعلقة بالدراسة.

حمص

*حالة البلاد:

إن سوريا دولة سلطوية متنوعة، ذات أغلبية سنية، تحكمها عائلة الأسد منذ عام 1970. وقد كانت سوريا دولة علمانية قومية ذات هيكل قوي يُفضّل أفراد الطائفة العلوية التي ينتمي إليها النظام. كما عملت الحكومة للحصول على ولاء أقليات مختلفة بالإضافة للأغلبية السنية الحضرية من خلال الاستثمار في نخبة الأعمال التجارية في المدن الكبرى مثل دمشق وحلب.

وقد شهد السوريون في ظل هذا النظام أشكالاً مختلفة من الاضطهاد وعدم التسامح مع المعارضة. ومع ذلك، فإن الكثيرين – بما في ذلك الطبقة التجارية السنية الحضرية- يقدرون استقرار الوضع الراهن. ونتيجة لذلك، لم تكن الهويات الطائفية مهمة أو تشكل عائقاً أمام التعايش والتكافل الاجتماعي. وقد تغير ذلك منذ بدء الصراع.

في آذار/ مارس 2011، انتقلت الاحتجاجات من مدينة درعا الجنوبية إلى جميع أنحاء البلاد، مع خروج السوريين  بمظاهرات احتجاجية ضد حكومة الأسد، والمناداة بمجموعة متنوعة من الإصلاحات.

وعلى الرغم من بدء الاحتجاجات بطريقة سلمية، إلا أن  الحكومة ردت بشن حملات عنيفة. وبدلاً من إسكات المتظاهرين، دفعت هذه الاستجابة  العنيفة البلاد إلى تصعيد في العنف، وسرعان ما قاد المنشقون العسكريون جهودهم لتنظيم دفاع مسلح، ثم مهاجمة  حكومة الأسد. وقد عملت الحكومة السورية هيكلة الانتفاضة الديمقراطية السلمية باعتبارها طائفية عنيفة منذ البداية بدعاية استفزازية ، كما عملت على تشكيل ميليشيات الشبيحة الموالية للحكومة، واستهدفت اغتيالات للأقليات التي تحرض على الخوف وتشجع العنف.

وفي نهاية المطاف تم تفعيل الهويات الطائفية كأدوات للتحريض بين طرفي المعركة، حيث أصبحت الشيعية/العلوية مقابل السنة جانباً بارزاً من جوانب الحرب.

حمص قبل الحرب :

تقع حمص في مكان مركزي بين حلب ودمشق، الذي يعد موقعاً استراتيجياً حيث أنه بوابة إلى الساحل العلوي. ويوجد في حمص بعض من أهم المؤسسات العسكرية في البلاد، وقد كانت حمص ثالث أكبر مدينة في سوريا قبل الحرب بعد حلب ودمشق ، وكانت تُعرف كمركز اقتصادي وصناعي . كانت حمص مدينة متنوعة ذات غالبية سنية ، وأقليات مسيحية وعلوية. وتعود هجرة العلويين إلى مدينة حمص من قريتين فقط باتجاه المدينة ، حيث تجمع هؤلاء السكان الجدد بداية في شرق المدينة ليشكلوا مجموعة من الأحياء ذات الغالبية العلوية .

وكان المسيحيون حاضرين كأقلية في عدد من الأحياء، وشكلوا الغالبية في حي الحميدية في وسط المدينة. وبعيداً عن الديناميكيات الاجتماعية الكامنة وراء هيكل السلطة في سوريا، كانت هناك علامات واضحة قليلة على الانقسام الطائفي بين سكان حمص قبل الحرب. فقد عمل وعاش وتفاعل عدد من أعضاء المجموعات في مدينة تعددية ، وقد تم التأكيد على هذه النقطة في مشاريع متعددة في المقابلة . فعلى سبيل المثال ، عندما سُئل أحدهم لوصف ما كان عليه حي البياضة قبل الحرب ، أجاب المدعو “إبراهيم” 30 عاماً :

“لقد كنا جيراناً مع العلوية والمسيحيين وكانت الأمور على ما يرام، ولم نرَ أي فرق بين المسيحين، والأكراد، والأرمن. فقد كنا نحتفل سويةً ونحزن سوية أيضاً. عندما كنا نصوم في رمضان كان المسيحيون والعلويين يمتنعون عن الشرب أو الأكل أمامنا من باب الاحترام. لطالما كنا نحترم بعضنا. ولكن فقد تغير كل شيء مع دخول الشيطان الإيراني إلى البلاد، فهؤلاء الذين كانوا أصدقاء واخوة بدأوا بكره بعضهم، من بعدما كنا معتادين أن نكون أصدقاء للكرد والمسيحيين والعلويين، ونحزن في أوقات حزنهم كالجنازات، لقد كنا نبكي من أجلهم كما لو كنا والديهم.

لقد اعتدنا أن نعيش حياتنا بسعادة سوية حتى لو كان أحدهم علوياً، مسيحياً أو كردياً ، لم تكن لدينا مشاكل طائفية، فقد كنا نحتفل من كل قلبنا بعيد النوروز مع الأكراد، وفي عيد الميلاد ورأس السنة الميلادية مع المسيحيين. فقد كنا جيراناً وعائلة كبيرة، كانت الحياة بسيطة ولم يعتد أحد على التفكير بهذه الطريقة، فلم نكن نفكر بالحكومة أو الاتصالات على حساب الآخرين. كنت أعرف جاري جيداً وفي حال لم أره لبضعة أيام  كنت أسأل عنه إذا كان مريضاً أو أي شيء آخر، سواء كان علوياً أو مسيحياً. كنا نحاول مساعدة الجيران الذين يعانون من ظروف صعبة

أو مشاكل فيدفع الإيجار، أو الحصول على الغذاء لأسرتهم، وفي أثناء الجنازات، وكنا  نجمع المال معاً لمساعدته. هذه هي الطريقة التي كنا عليها، تماماً مثلما كان آبائنا من قبلنا “.

ولعل “مهند” -طالب من حمص غادر إلى دمشق ليدرس القانون قبل بدء النزاع – الذي نزح من القرابيص كان أكثر قولاً عندما سُئل عما إذا كان أصدقاؤه من خلفيات دينية مختلفة: “لم يكن هناك أي انقسام طائفي أو تصور أن الشيعة ضد السنة، فقد كانوا يلبسون ذات اللباس، وسماتهم هي ذاتها، ولاسيما ارتداء النساء للحجاب تماماً كنساء الطائفة السنية. لم يكن الناس يدركون الانقسام الطائفي والاختلافات العرقية”.

وعلى الرغم من أن هذا التسامح قد يكون موجوداً بين الجيران إلا أنه لم يكن موجوداً لدى الحكومة السورية. حتى أنه قبل اندلاع الانتفاضة في 2011 كان الكثير من أهالي حمص غير راضين عن مبادرة إعادة التطوير الذي سُمّي “حلم حمص” بقيادة المحافظ إياد غزال. بدأ مشروع “حلم حمص” بتشريد العديد من السكان من الأجزاء الأكثر كثافة سكانية في وسط المدينة، والجنوب الغربي، بما في ذلك بابا عمرو، وجوبر، وكفر آية، لبناء عدد كبير من ناطحات السحاب الزجاجية الحديثة ومراكز التسوق، وقد ارتبط المشروع بمصادرة الأراضي وعمليات الإخلاء التي بدأت في عام 2009، وعلى الرغم من الحملة الدعائية الواسعة للمشروع إلا أنه لم يلقَ رواجاً أو شعبية، وكان السكان يطلقون عليه اسم “كابوس حمص”.

إن حقيقة أن خطط مشروع “حلم حمص” الضخم لم تمس أي من الأحياء ذات الغالبية العلوية، دفعت بالكثيرين إلى الاستنتاج أن مشروع  إعادة التطوير الحضري هذا كان يهدف إلى تغيير التركيبة الديموغرافية لمدينة حمص. وقد كانت المظاهرات في مدينة حمص خلال الأيام الأولى للاحتجاجات تدعو إلى تنحية المحافظ إياد غزال.

الاحتجاجات والعنف :

وبينما اجتاحت احتجاجات الربيع العربي شمال أفريقيا وتهاوت الأنظمة الاستبدادية، كان لدى حكومة الأسد الوقت للتخطيط. فقبل انطلاق المظاهرات السورية الأولى -قبل خروج أهالي درعا في احتجاج سلمي للدعوة إلى الإفراج عن أبنائهم المراهقين المعتقلين- أرسلت دمشق رسالة إلى ضباطها العسكريين في حمص للتحضير لهجمات ضد عصابات السنة الإرهابية. وقد عزمت الحكومة على تقويض أي مطالب مشروعة للمتظاهرين السلميين والديموقراطيين من خلال اختلاق رواية عن التهديد الطائفي العنيف. ووفقاً لذلك فقد ردت الحكومة بعنف منذ البداية على الاحتجاجات السلمية في سوريا، ومع مرور الوقت دفع هذا العنف المتظاهرين إلى تنظيم أنفسهم والتسلح بقيادة المنشقين عن الجيش السوري.

خرج سكان حمص في احتجاج سلمي في 18  مارس/ آذار 2011، بعد أسابيع فقط من التوترات في مدينة درعا الجنوبية. وقد جاءت تسمية مدينة حمص ب”عاصمة الثورة السورية” بعد المظاهرات الكبيرة والحماسية في مركز المدينة بجانب مسجد خالد بن الوليد وبرج الساعة.

وقد حشدت أجهزة أمن الدولة الرجال العلويين للرد على المظاهرات المناهضة للحكومة وأرسلتهم لمكافحة الاحتجاج في الأحياء السنية وتشجيع الخطاب الطائفي. على الأغلب بأن حي الزهراء الأكثر اكتظاظاً بالسكان العلويين في مدينة حمص، سرعان ما أصبح بؤرة لتجمع الشبيحة الموالية للنظام. وليس من باب المصادفة أن أحد الأشخاص الذين تم إجراء مقابلات معهم كان أحد سكان حي الزهراء وقد فرّ من حمص في أواخر 2011، وقال رامي أنه هرب بسبب المضايقة التي تتعرض لها عائلته من قبل العلويين “عندما بدأت الثورة بدأ جيراننا يعاملوننا كأعداء لهم، ولا أستطيع التواصل مع الذين مازالوا في الداخل، حتى إن أصدقائي العلويين قد انقلبوا ضدي بحجة أني إرهابي غير مرغوب فيه”.

لم يقف جميع العلويين على الفور مع الرواية الطائفية التي لفقها النظام، ولكن مع مرور الوقت تغير هذا الموقف بسبب عدد من الاغتيالات الطائفية على نطاق واسع مما جعل العلويين في حمص يلتفون حول بشار الأسد. فقد قُتل في أبريل/ نيسان قائد لواء عبده التلاوي بوحشية مع ابنيه وابن أخيه في حي الزهراء، وقد تم نشر صور جثثهم المشوهة في الإعلام. وفي 17 تموز/ يوليو تم العثور على ثلاث جثث مشوهة لثلاثة أعضاء آخرين من الشبيحة العلويين في منطقة مهجورة. ورداً على ذلك، قام العلويون في حمص بأعمال شغب وتخريب وحرق المتاجر السنية وقتل ثلاثة أشخاص.

واستمر التصعيد طوال عام 2011، مع الاحتجاجات والاعتقالات والعنف بما في ذلك عمليات التطهير واسعة قام بها النظام باستخدام الدبابات في أيار/مايو وتشرين الثاني /نوفمبر حيث كانت النعرات الطائفية موجودة طوال فترة التصعيد في حمص.

في عام 2012  تصاعد العنف في حمص ووصل إلى مستويات جديدة، وقد كان حي بابا عمرو المضطرب الذي تسيطر عليه المعارضة المسلحة هو من أوائل الأحياء التي تشعر بالقبضة الأمنية الشديدة للنظام آنذاك. وفي 4 شباط/ فبراير 2012، وصل الصراع إلى مرحلة جديدة في حمص عندما شنت القوات الحكومية السورية حملة عسكرية كبيرة ضد عدة أحياء في المدينة، وقيل إنها قتلت أكثر من 200 شخص بقصف المدفعية فقط.

وبحلول 9 شباط /فبراير كانت القوات الحكومية محاصرة تماماً حي بابا عمرو، مما أدى إلى قطع الامدادات عن المقاتلين والمدنيين على حد سواء. وخلال الحصار الوحشي الذي أعقب ذلك، تم الهجوم على حي بابا عمرو بالدبابات وقذائف الهاون والقناصة، وقد استمر هذا الهجوم لمدة شهر كامل قبل أن يقوم يستسلم مقاتلو المعارضة والذين كانوا بمعظمهم من المنشقين عن الجيش السوري. وكان من بين مئات الضحايا كل من الصحفيتين “ماري كولفين” و “ريمي أوكليك” اللتين قتلتا في هجوم استهدف مركزاً إعلامياً محلياً. وقبل يوم من مقتلها قالت “ماري كولفين” أن القوات الحكومية “قصفت دون حساب، وتجاهلت دون رحمة المدنيين”.

ووصف تحليل مشابه ل “هيومن رايتس ووتش” عنف الهجوم على الأجزاء المدنية السكنية من بابا عمرو، وكيف رفضت الحكومة السماح للمدنيين بالعبور الآمن. وقد انخفض عدد معظم المباني في الحي وحالت إلى أنقاض بحلول  1 مارس/ آذار 2012 عندما فرضت القوات السورية سيطرتها. إن استخدام الحصار، والهجمات الموجهة ضد المدنيين،

وتدمير البنية التحتية الطبيعية ستصبح ثلاثة من أساليب الحكومة الأساسية لإجبار المدنيين على الخروج من مدينة حمص وغيرها من المناطق الحضرية التي تسيطر عليها المعارضة في البلاد. وخلال حصار وتدمير بابا عمرو وحده، تم تهجير ما بين 50000 و 60000 شخصاً.

إن سقوط بابا عمرو في آذار/ مارس 2012 لم يكن نهاية القتال في حمص. ففي الأشهر التي تلت ذلك اندلع القتال في الأحياء في جميع أنحاء المدينة. وقد تم ضرب أحياء حمص في آب/ أغسطس بالبراميل المتفجرة في أول استخدام موثق لها في النزاع، كما ارتكبت ميليشيات الشبيحة عدداً من المجازر المدنية البارزة، من بينها مذبحة كرم الزيتون حيث تم إعدام ما يقارب ال47 شخصاً في 11-12 تشرين الأول /أكتوبر. ووصف شهود عيان كيف طوّق الرجال الحي لمنع الهرب، قبل المداهمة ومهاجمة المدنيين، حيث تم اغتصاب النساء، وحرق المباني، كما تم العثور على أسر مقتولة بأكملها في منازلهم. ويبدو أن وحشية عمليات القتل التي وصفها المشاركون في التقرير كانت مصممة لنشر الخوف، ودفع السكان إلى الفرار.

وصف إبراهيم من حي البياضة الطبيعة الطائفية لأعمال القتل هذه “كانت هناك امرأة حامل قاموا بشق بطنها وأخرجوا الجنين، وتوفيت في هذه الأثناء فقد كانت حاملاً في شهرها السابع، ثم كتبوا على جبين الجنين “يا حسين” ” تماماً مثل أفلام الرعب.

لم تكن هذه المجازر عشوائية بحسب طارق من حي دير بعلبة ” “منذ بداية المجازر، كانت الإرادة لتغيير التركيبة السكانية واضحة من خلال قتل أشخاص من طائفة معينة في مناطق معينة”.

التهجير:

أدى العنف الذي حصل في النصف الأول من عام 2012 إلى أول موجة نزوح من حمص، حيث فرّ الآلاف من الأحياء ذات الأغلبية السنية المضطربة، وإضافة إلى المجازر الكبرى فقد تم استهداف الأحياء يومياً بالأسلحة الثقيلة بما في ذلك قذائف الدبابات، كما تم اعتقال بعض الأشخاص وتعذيبهم، كما تم طرد البعض قسرياً من قبل ميليشيات النظام.

وقال طارق -أحد الذين تم إجراء مقابلات معهم-  من حي دير بعلبة أن معظم الناس الذين كانوا يعيشون هناك قد فروا في الوقت الذي بدأ النظام بإعادة سيطرته في أوائل 2012، لكن حوالي 250-350 شخصاً رفضوا المغادرة  “اعتقدوا أن النظام ليس بربرياً بما فيه الكفاية لقتل الأبرياء الذين

لم يشاركوا أبداً في الاحتجاجات والذين كانوا يعملون لدى الحكومة”، وبحسب طارق فقد قامت ميليشيات الشبيحة التابعة للنظام بقتل هؤلاء الذين رفضوا المغادرة في مجزرة في أبريل/ نيسان 2012.

وخلال هذه الفترة، اختطفت القوات الحكومية والميليشيات الموالية للحكومة واغتصبت بانتظام النساء والأطفال والرجال في مدينة حمص خلال هجماتهم. وقد وصفت رولا -أحد الذين تم إجراء مقابلات معهم- من حي الحمرا في حمص كيف تم استخدام النساء كسلاح في الحرب من قبل النظام ، وقالت أن الخوف من الاغتصاب على يد الميليشيات التابعة للنظام كان السبب الأول لهروب عدد من النساء  التي تعرفهن من حمص، حيث وجدت لجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة للأم المتحدة والمعنية بالجمهورية العربية السورية أن هذه الاغتصابات “يمكن ملاحقتها قضائياً باعتبارها جرائم ضد الإنسانية”.

وبحلول حزيران/ يونيو 2012، قامت الحكومة بتهجير واستصلاح أجزاء كبيرة من بابا عمرو، كرم الزيتون، جب الجندلي، عشيرة، باب السباع، ماريا، دير بعلبة، والبياضة، وجميعها محاذية  لمناطق ذات أغلبية العلوية. وأشارت الدراسات التي ركزت على السكان العلويين إلى أنهم شعروا بالصدع الطائفي وكانوا مدركين تماماً للطبيعة المستهدفة للتهجير.

وبحسب ما نقلته “رويترز” في عام 2012 عن رجل علوي في حي الزهراء “المناطق السنية فارغة، على الأقل تلك التي طالبت بالحرية”.

وحتى في المناطق التي لم يتم تدمير المنازل فيها، كان هناك نهب واسع النطاق من قبل طائفة الميليشيات الموالية للحكومة. فعلى سبيل المثال، في منطقة قرية الحصوية  شمالي القصور، حيث لم يتم تدمير المباني إلا أن  معظم السكان قد هربوا بسبب المذابح، فإن عمليات النهب المكثفة هي السبب الرئيسي الذي يجعل السكان النازحين يشعرون بأنهم لا يستطيعون العودة. وقد وصف “زاهر” أحد سكان الحصوية السابقين “كيف هرب الجميع بسبب الخوف من المجازر، وليس بسبب المباني المدمرة والتي لم تكن مدمرة أصلاً، المباني مهلهلة ولكنها ليست مدمرة، وقد تم نهبها حتى أصبحت شاغرة”.

وقال طارق من قرب دير بعلبة أن “رواية النظام هي أن الإرهابيين يعيشون هناك وأخذوا جميع الأشياء الثمينة دون عقاب”.

لقد كان النهب واسع النطاق، وفي كثير من الحالات تم تجريد المنازل من الأنابيب وحتى الأرضيات، مما يجعلها غير قابلة للسكن. وقد تم بيع المسروقات في “أسواق السُنّة” في الأحياء العلوية في المدينة، وكانت تتم تسميتها أحياناً من المجتمعات التي تمت سرقتها منها.

وقد وصف “علاء” من حي الخالدية أعمال العنف والسرقة بأنها “هجوم نشط لإبعاد السكان عن بلادهم ومنعهم من العودة إليها” .

وفي تموز/ يوليو 2012 حول النظام تكتيكاته إلى الأحياء المتبقية التي تسيطر عليها المعارضة التي مازالت مستمرة في المقاومة، وحيث استقر فيها الهاربون من المجازر. وبدأت القوات التابعة للنظام بفرض حصار على الأحياء المعارضة المكتظة بالسكان في وسط المدينة وشمالها، بما فيها : المدينة القديمة، الخالدية، القصور، القرابيص، وجورة الشياح. وبدأت عمليات الإغلاق في الشرق بينما تتقدم القوات الحكومية التي تسيطر على الأحياء المحاذية مثل باب السباع وجب الجندلي، وازداد الحصار حتى كانت نقطة الدخول الوحيدة المتبقية هي طريق خطير عبر جورة الشياح إلى الوعر على الجانب الشمالي الغربي، مما خلق جيب شبه محاصر في ما كان مركز المدينة المكتظ بالسكان.

ومع مرور الوقت، استنزف السكان المتبقون في المنطقة، بسبب تدهور الظروف المعيشية من حرمان وهجمات متكررة أجبرت المزيد من الأسر على تحمل خطر الفرار. وبعد عام، استولت القوات الموالية للحكومة على جزء كبير من الخالدية وجزء من جورة الشياح، مما قطع طريق الوصول المتبقي إلى الوعر وفرض حصار مكثف على المدينة القديمة، القصور، والقرابيص بحلول نهاية يوليو/ تموز 2013، مع ما يُقدر ب 3500 شخص محاصرين في الداخل. تجدد القتال العنيف في نهاية عام 2013، وبحلول أوائل عام 2014 كانت الظروف الإنسانية لهؤلاء المدنيين المحاصرين في الجيب المحاصر سيئة، حيث كان السكان يفتقرون إلى إمكانية الحصول على الخدمات الطبية، والرعاية الصحية، والمياه النظيفة، والغذاء، والكهرباء.

عمليات نقل السكان:

بدأت سلسلة من المفاوضات المحلية متعددة الأحزاب بين المعارضة والقوات الحكومية بوساطة من إيران وروسيا ومع مراقبة الأمم المتحدة. أدت هذه المحادثات في النهاية إلى التوصل لصفقة لنقل المقاتلين والمدنيين المتبقين من المدينة. بين 7 فبراير/شباط و 9 مايو/نيسان 2014 تم تفريغ مركز المدينة المحاصرة في سلسلة من عمليات النقل القسري للسكان.

أشار تقرير للأمم المتحدة في حزيران / يونيو 2014 إلى أنه بعد ذلك لم يكن هناك سوى 100 من السكان من المناطق المحاصرة التي لم تشرد بعد. على الرغم من أنه يشار إلى هذه العمليات أحياناً باسم “عمليات الإجلاء”، إلا أن هذه الأنواع من الصفقات هي في الواقع تنازلات قسرية تم تقديمها تحت الضغط ، حيث لا يوجد أما السكان المحاصرين أي خيار سوى الاستسلام أو الموت. وبحسب وصف “مهند” -هو أحد الأشخاص الذين تم إجراء مقابلات معهم- “لقد أُجبر السكان على الهرب، حيث تم تهجيرهم حاملين ملابسهم على ظهورهم فقط “. تم تهجير 44 مدنياً في صفقة حمص هذه، كما استمرت صفقات مشابهة لهذه في مواجهة العنف والاضطهاد حتى بعد مغادرتهم لأحيائهم، وقد سُمح لعدد قليل جداً منهم بالعودة.

وقد تم تحميل المقاتلين والمدنيين على حافلات حكومية خضراء بوجود مراقبين من الأمم المتحدة، ونقلهم إلى حي الوعر أو ريف حمص الشمالي، ومازال هذان الحيّان محاصرين من قبل القوات الحكومية حتى يومنا هذا. وقد أصبحت هذه الحافلات رمزاً سيء السمعة للاستسلام للنظام أو لاستراتيجية التجويع أو التهجير القسري.

وكانت مشاركة الأمم المتحدة في صفقة حمص وفي عمليات النقل القسري للسكان مثيرة للجدل. وبالنسبة لسكان حمص النازحین، حيث شعر العدید بأن مشارکة الأمم المتحدة قد برھنت على التواطؤ مع جهود الحكومة لتهجير السكان السنة أساساً. وقال أحد سكان القرابيص: “كنا نتمنى أن تقدم الأمم المتحدة الغذاء بدلاً من ذلك”.

وقال آخر من جورة الشياح: ” لم يكن يجدر بالأمم المتحدة أن تشارك في  تغيير التركيبة الديموغرافية للمدينة، بل عليها مساعدة جميع المدنيين”.

وقد واجهت الأمم المتحدة انتقادات خاصة لفشلها في حماية أولئك الذين شردوا قسراً بموجب الاتفاق، حيث اعتقلت الحكومة السورية المئات من الرجال الذين تم إجلاؤهم خلال تلك الفترة. و تشير التقارير إلى أن بعض هؤلاء الرجال ربما تعرضوا للتعذيب بل وحتى قتلوا. وفي نهاية المطاف قد أطلق سراح الكثيرين، ولكن ليس كلهم. كما أُعيد اعتقال بعض من أطلق سراحهم فيما بعد عند حواجز التفتيش الحكومية. ويبدو أن السكان المشردين يتشاطرون الافتراض الزائف بأن وجود الأمم المتحدة قدم مستوى من الحماية من انتهاكات الحكومة.

وقد وجد تقرير عن الحماية العالمية للمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين أن الجهات الفاعلة في المجال الإنساني المعنية لديها مخاوف من أن ” السكان لم يكونوا على علم صحيح بشروط الإجلاء الإنساني، وربما تكون قد أخطأوا فهم وجود الجهات الفاعلة في المجال الإنساني بما في ذلك الأمم المتحدة كضمان لحمايتهم الجسدية ،والذي كان بعيداً عن جوهر القضية” ، وكنتيجة مباشرة  لهذا السيناريو، وضعت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين “معايير الحد الأدنى للمشاركة في عمليات الإجلاء الإنساني المشترك بين الوكالات، في محاولة لضمان التزام جهود الأمم المتحدة في المستقبل بالإنسانية الدولية وقانون حقوق الإنسان. ولسوء الحظ، لم تتضمن الوثيقة سوى مبادئ توجيهية عملية قليلة للوضع المعقد في سوريا، وقد باءت بالفشل في تحسين ممارسة النقل القسري أو تغيير دور وكالات الأمم المتحدة فيها بشكل خاص. وقد حمل أحدث مثال في شرق حلب تشابهاً ملحوظاً مع حمص قبل عامين.

أعقاب التهجير:

سمحت الحكومة السورية بعد النقل القسري وإنهاء الحصار للنازحين بالقرب من وسط المدينة بالدخول إلى الأحياء المدمرة لفترات وجيزة لزيارة منازلهم وجمع ممتلكاتهم. وقد استطاع القليل ممن تم إجراء مقابلات معهم من زيارة منازلهم أو إيجاد عائلاتهم وأصدقائهم الذين عادوا. ويعد هذا الدخول السريع بمثابة عامل دفع نهائي، يؤكد أنهم لا يستطيعون العودة إلى ديارهم. ووصف “مهند” ذلك قائلاً: “لقد سُمح للناس بالعودة لتفقّد منازلهم لكنهم لم يروا سوى الدمار”.

ويصف تقييم موئل الأمم المتحدة للأحياء المتضررة بعض المخاوف في هذه العملية. وعلى وجه الخصوص، إذا أراد السكان استرداد ممتلكاتهم يجب عليهم التقدم بطلب للحصول على الموافقة والإذن في مكاتب الشرطة الحكومية المحلية، والحصول وثائق ملكية لأملاكهم. وعلى الرغم من ذلك، لاحظ موئل الأمم المتحدة أنه لا يبدو أن هناك  تحقق فعلي من الملكية خلال هذه العمليات. والنتيجة هي أن الحكومة استخدمت هذه الموافقات الأمنية كوسيلة لفحص الناس بدلاً من فحص الملكية، مما زاد خطورة  قضايا الحماية التي سيتم مناقشتها بمزيد من التفاصيل فيما يلي.

ومنذ عام 2014، سُمح لجزء صغير من سكان حمص النازحين بإعادة التوطين في  بعض الأحياء مثل القصور والقرابيص  والحميدية.

إن حقيقة أن حي الحميدية ذو الغالبية المسيحية هو أحد الأحياء القليلة التي سُمح للناس بالعودة إليها، وأحد أوائل الأحياء التي استقبلت مشاريع الأمم المتحدة لإعادة التوطين، تملك بعداً طائفياً يعمق الاستياء بين النازحين.

إن الأحياء الأخرى مثل بابا عمرو والخالدية مازالت مدن أشباح ومازال الدخول إليها محدوداً. وبحسب ما شرح “طارق” من دير بعلبة ” قيل للناس بأنه غير مسموح لهم بالعودة إلا بإذن من النظام، ومعظمهم لا يجرؤ على السؤال بعد الآن”.

واستمر اضطهاد القوات الحكومية للسكان الذين نزحوا من وسط مدينة حمص إلى مناطق أخرى في المحافظة. ومن الأمثلة الرئيسية على ذلك حي  الوعر وهو حي حديث في الضواحي الشمالية الغربية لمدينة حمص. قبل الصراع، كان منطقة سكنية غنية، وموطناً لبعض المكاتب الحكومية أيضاً. على مدار الصراع مع تزايد أعداد المواطنين الفارين من المناطق المركزية لمدينة حمص إلى الوعر، غادر معظم السكان الأثرياء الأصليين وأصبحت المنطقة مستعمرة بشكل أساسي من قبل النازحين داخلياً في البداية، حيث فرّ الناس من أحياء حمص المركزية إلى منطقة الوعر المجاورة هرباً من العنف، اعتقاداً منهم بأنهم سيكونون قادرين على العودة إلى ديارهم.

ولكن عندما كان مركز المدينة تحت الحصار الجزئي في عام 2012، أصبح الوعر هو الطريق الرئيسي للهروب من المواطنين ومقاتلي المعارضة على حد سواء. وابتداء من تشرين الثاني/ نوفمبر 2013، قطعت القوات الحكومية والميليشيات التابعة لها الطريق المتبقي بين الوعر ومركز المدينة وكذلك نقاط الوصول الخارجية الأخرى، مما جعل الوعر تحت الحصار الكامل مع أكثر من 100000 شخصاً محاصرين في الداخل معظمهم من مدينة حمص وقد هربوا إلى المناطق الريفية في الريف الشمالي لمحافظة حمص، وكانوا تحت الحصار أيضاً.

ويبدو أن الهدف الرئيسي من حصار حمص هو تقليص الكثافة السكانية والتهجير. وفي بعض الحالات، تبع الاضطهاد حتى أولئك الذين فروا من أماكن أخرى في البلاد. ويصف تقرير لجنة حقوق الانسان التابعة للأمم المتحدة كيف قام الجيش السوري في أبريل 2013 بقصف بلدة تدعى دير عطية بريف دمشق التي لجأ إليها أهالي حمص بحثاً عن الأمان. وقد حذر النظام المدينة من أن الهجمات ستستمر ما لم يغادر هؤلاء النازحون. ونتيجة لذلك  أبلغ مكتب بلدية دير عطية النازحين أن لديهم أربعة أيام قبل أن يتم سحب حصصهم من الخبز، مما أجبرهم على الفرار مرة أخرى، وقد اعتبرت لجنة حقوق الإنسان هذا العمل جريمة ضد الإنسانية.

وصف “رامي” من حي الزهراء سلسلة من عمليات النزوح قبل أن  يهرب إلى الأردن في نهاية المطاف ” بعد أن توجهنا إلى الريف، تعرضنا لمزيد من الهجمات ولكننا تابعنا الفرار إلى مناطق أخرى يمكن أن تتعرض للقصف أيضاً”.

وكما هو الحال مع الحصار، استمر هذا الاستهداف لسكان حمص حتى بعد فرارهم من منازلهم التي تبدو مصممة بحيث تدفعهم في نهاية المطاف إلى الخروج من البلاد وتمنعهم من العودة.

المناقشة:

الأمم المتحدة، إعادة التأهيل، وحقوق المهجرين :

في السنوات التي انقضت منذ أن تم نقل آخر سكان مركز مدينة حمص، كانت وكالات مثل برنامج الأمم المتحدة الإنمائي ومفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين قد شرعت في جهود إعادة التأهيل في بعض الأحياء المدمرة بدعم من الدول المانحة وبالتعاون مع السلطات الحكومية السورية المحلية. يوجد القليل من  الشفافية فيما يتعلق باختيار الأحياء المستهدفة في

جهود إعادة التأهيل، ولكن من المحتمل أن الحكومة السورية لديها سيطرة كبيرة في اختيار المواقع وأنواع المشاريع، لأنها تسيطر على الوضع الأمني ​​في المنطقة. إن اختيار حي الحميدية المسيحي كأول موقع مستهدف لإعادة الإعمار قد عزز هذه النقطة في نظر العديد من المراقبين.

وقال أحد الأشخاص الذين تم إجراء مقابلات معهم والذي مازال في حمص مع أقاربه أن إعادة إحياء الطرق قد بدأت تصل إلى أجزاء كثيرة من المدينة القديمة، ولكن لسبب لا يمكن تفسيره فإن حي باب هود -الذي كان موقعاً استراتيجياً تسيطر عليه  المعارضة سابقاً- قد تم تجاوزه. هذه الاختيارات تعزز فكرة أن الحكومة تستخدم عملية إعادة التأهيل لتنفيذ التغييرات الديمغرافية المخطط لها في حمص، وحرمان النازحين السنة بشكل خاص من حقوقهم، وتحول التخطيط الحضري إلى سلاح حرب.

وفي آب/ أغسطس 2016، بدأت الجهود التي مولتها الأمم المتحدة في إزالة الحطام من حي جورة الشياح في وسط مدينة حمص. حيث قامت الحكومة السورية بتفريغ جورة الشياح تماماً خلال ما يقرب من عامين من الحصار، وتُبين صور الأقمار الصناعية أن جميع المباني في الحي قد دُمرت جزئياً أو كلياً. وكان ذلك جزءاً من عمليات نقل السكان النهائية التي توسطت فيها الأمم المتحدة في عام 2014 حيث تم إبعاد السكان الباقين المحاصرين قسراً من المدينة. ولا يبدو أن هذا العمل يشمل الجهود الرامية إلى مراعاة حقوق مالكي العقارات الأصليين. ولم تقم أي منظمة بالاتصال بأي من المشاركين المهجرين الذين تم التواصل معهم في هذه الدراسة أو من الوكالات المتعلقة بالممتلكات التي تركوها وراءهم.

في مايو/ أيار 2016 أجاب المتحدث باسم اللجنة الدولية في دمشق عندما سألنا عن مكان وجود الأشخاص الذين فروا من مدينة حمص: “ليس لدينا أي فكرة”.

إن التعاون مع الحكومة السورية في إعادة تأهيل المناطق التي تم تدميرها بشكل متعمد  لتهجير السكان المدنيين، تثير مخاوف أخلاقية خطيرة. وهذا صحيح بشكل خاص نظراً لشدة وحجم انتهاكات حقوق الإنسان وجرائم الحرب الموثقة توثيقاً دقيقاً التي ارتكبتها الحكومة في السعي إلى إخلاء السكان. إن التمويل والدعم الدوليين لإعادة الإعمار في مناطق مثل المدينة القديمة في حمص يخلق “حصة جريمة حرب” مما يسمح للحكومة السورية من الاستفادة من جرائمها بدلاً من أن تخضع للمساءلة.

عندما زارت بعثة المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في سوريا مدينة حمص في أواخر عام 2014،  قال محافظ حمص الحالي أنه” لا ينبغي للحكومة أن تتحمل مسؤولية إعادة الإعمار وحدها؛ بدلاً من ذلك يجب على المجتمع الدولي تحمل هذا العبء أيضاً “.

أكد رئيس وفد المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين التزامهم بالعمل مع الحكومة في إعادة إعمار مدينة حمص.

وقد ادعى وزير الإسكان السوري في مناسبة للاحتفال بإطلاق مشروع إعادة بناء يدعمه برنامج الأمم المتحدة الإنمائي أن هذا المشروع وغيره من أمثاله سيعيد بناء “ما دمر بسبب الإرهاب “، في حين أن النظام  قد دمر إلى حد كبير الحي المعني من خلال القصف أثناء حصار البلدة القديمة. ونتيجة لهذا الدعم غير المشروط، فإن الحكومة السورية لا تعرف  أنها تستطيع مواصلة ارتكاب جرائم الحرب نفسها دون عقاب ، ولكن تحفز على القيام بذلك أيضاً .

على بعد ميلين فقط من جورة الشياح التي  تخضع لجهود إزالة الأنقاض التي قام بها برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، هناك عشرات الآلاف من المدنيين في منطقة الوعر مازالوا يعانون من الهجمات الحكومية والحصار، كما أن التعاون مع جهود إعادة تأهيل الحكومة السورية يثير مخاوف ضخمة وعملية بشأن مستقبل سوريا.

ونظراً لنطاق النزوح الواسع النطاق في سوريا، فإن قضايا الإسكان، والأراضي، والممتلكات  ستكون هامة في أي سلام وطني في المستقبل، فضلاً عن عمليات المصالحة والعودة إلى الوطن. إن مساعدة الأمم المتحدة للحكومة السورية في إعادة بناء أحياء مثل جورة الشياح دون اعتبار من أجل حقوق السكان الأصليين (في المقام الأول السكان من الطائفة السنية) يعني أن وكالات الأمم المتحدة قد تكون عن غير قصد تعمّق الانقسامات الطائفية، وتمنح شرعية لجرائم الحرب، وتلغي أي أمل بعودة الكثير من السكان الأصليين.

ومن الواضح أن الوكالات الإنسانية لا تسعى إلى التعهد بمشاريع تطبيع جرائم الحرب ،أو تقويض جهود المصالحة المستقبلية والعدالة الانتقالية.

إن إعادة الإعمار وإعادة الإدماج إلى الوطن والمصالحة هي عمليات معقدة إلى حد كبير في أي سيناريو ما بعد الحرب. وتواجه الوكالات مثل برنامج الأمم المتحدة الإنمائي الذي يعمل في سوريا عقبات هائلة ويجب معالجتها ،وأولويات متعددة ومتضاربة في كثير من الأحيان في عملهم. وهذا يعني أن الوكالات يجب أن توازن بين الأجل القصير، وتحقيق مكاسب الإنعاش في مساعدة أولئك الذين ما زالوا في المنطقة، مع ما يترتب عليها من عواقب طويلة الأجل قد تتخذ قرارات بشأن المهجرين واحتمال تحقيق السلام في البلاد.

ومع التسليم بأن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي ومفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين ووكالات أخرى تواجه تحديات معقدة في أماكن مثل حمص، فإن هذا لا يعفي تلك الوكالات من مسؤوليتها في التصدي لها معهم.

وكما يشرح تقرير حلول التهجير بشأن دور حقوق الأراضي في عملية السلام في ميانمار: “إذا لم يتم الاعتراف بحقوق اللاجئين أو المهجرين داخلياً في العودة إلى منازلهم الأصلية بعد الصراع تماماً، فإن الأثر المتبقي للصراع قد لا يزول بالكامل أبداً، بالإضافة إلى حقوق الإسكان والأرض والممتلكات غير المطروحة والمطالبات بها التي تشكل أساس تجدد النزاعات “.

وقد تؤدي الجهود التي بدأت في مدينة حمص إلى مزيد من الضرر أكثر من التحسين، وذلك من خلال تعزيز المظالم والانقسامات التي تؤدي إلى الصراع في المستقبل. وتظهر تحليلات وكالات الأمم المتحدة المتاحة علناً ​​أن الأمم المتحدة على بينة من العديد من القضايا المحيطة بإعادة إعمار مدينة حمص، ومع ذلك فإنها تفشل في معالجة القلق الرئيسي الذي أجمع عليه الأشخاص الذين تمت مقابلتهم في هذا التقرير، ألا وهو: الحماية من النظام. في حين تمكن بعض النازحون من الأحياء المستهدفة من العثور على مأوى قريب في الأحياء التي يسيطر عليها النظام، إلا أن معظمهم غادروا المدينة بالكامل.

لم يجد الباحثون في المشروع أي مسوغات موثوقة للسكان النازحين في مدينة حمص يمكن استخدامها لتطوير فهم وضعهم وآرائهم. وقد تم الاعتماد على المعلومات المقدمة من قبل الأشخاص الذين تمت مقابلتهم في هذا المشروع -الذين وصفوا ليس فقط تجاربهم الشخصية وكذلك أسرهم وجيرانهم- وهو جزء كبير من مخاوف السكان النازحين من الاضطهاد في حال عودتهم. ولهذه الحقيقة آثار خطيرة على مستقبل حمص، وعلى جهود الوكالات الدولية التي تعمل في المنطقة.

إن جهود إعادة الإعمار المادي وحدها ليست كافية لمعالجة المخاوف المتعلقة بالحماية. وهي لا تفعل شيئاً للمساعدة في إعادة بناء الثقة وتجديد التماسك الاجتماعي الضروري للاستقرار في المستقبل. إن الجهود الحالية التي تبذلها السلطات السورية حول قضايا الإسكان، والأرض، وحقوق الملكية، فاشلة تماماً في الوفاء بالمعايير الدولية، بل و قد ترقى بعضها إلى جرائم حرب.

إن مبادئ الأمم المتحدة (بينهيرو) بشأن إعادة الإسكان والممتلكات للاجئين والمهجرين تضع المعايير الدولية لسلطات الدولة، كما تصف المعيارية وأدوار ومسؤوليات المجتمع الدولي. وبناء على ذلك ينبغي للوكالات تعزيز الحق في العودة إلى الوطن، فضلاً عن العودة الطوعية والآمنة، وينبغي أن ينظر المانحون بشكل كامل في الحظر الدولي على التهجير غير القانوني وعمليات الإخلاء.

وإذا كان برنامج الأمم المتحدة الإنمائي ومفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين ووكالات أخرى تقوم بأعمال إعادة الإعمار دون اعتبار للنازحين، هذا يعني أنها فشلت في الوفاء بالتزامها ب “عدم الإضرار”، وربما تقوض طريق البلاد نحو السلام.

مبررات قانونية وبيروقراطية:

بالتزامن مع بداية جهود إعادة التأهيل التي تدعمها الأمم المتحدة، فقد أصدرت الحكومة السورية قوانين جديدة ومراسيم إدارية لمحاولة تبرير بعض أعمالها في حمص. وقد صممت هذه السياسات المتعلقة باستخدام الأراضي وحقوق الملكية والإجراءات البيروقراطية، للتأكد من أن الحكومة يمكنها أن تقرر من يعود إلى أي حي، وذلك في سبيل هندسة التركيبة الديموغرافية المستقبلية لمدينة حمص.

وعلى سبيل المثال، أصدر الرئيس بشار الأسد في أيار/ مايو 2016 مرسوماً قانونياً بشأن رقمنة سجلات الملكية، نظراً لتدمير الممتلكات وتزييف سجلاتها على نطاق واسع، حيث إن هذا السجل العقاري الرقمي الجديد سوف يمحو بشكل دائم جميع سجلات الماضي، في حين سيضفي الطابع الرسمي على الممتلكات المصادرة بحيث سيكون من الصعب بشكل لا يصدق ما لم يكن من المستحيل إلغاؤها في المستقبل.

وهذا النوع من السياسات يدعم الجهود الهندسية الديموغرافية للحكومة ويساعد على ترسيخ قوتها، ولا تمثل جهداً حقيقياً للسماح للمهجرين باستعادة الممتلكات والعودة إلى ديارهم، كما تساعد هذه السياسات أيضاً على توفير قشرة من الشرعية حول مبادرات إعادة البناء وإعادة التطوير، مما يجعلها مستساغة أكثر للجهات الفاعلة الدولية مثل برنامج الأمم المتحدة الإنمائي ومفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين التي تدعم جهود الحكومة لإعادة الإعمار.

إن استخدام الحكومة السورية للتشريعات لتبرير وإضفاء الشرعية على استراتيجية الهندسة الديموغرافية لا تقتصر على مسألة حقوق الملكية. في مثال آخر، أنشأت الحكومة “محكمة مكافحة الإرهاب” الخاصة الجديدة في عام 2012 التي قدمت مبررات قانونية واهية لاعتقال، وإدانة، وإعدام ناشطين في مجال حقوق الانسان ومتظاهرين ديمقراطيين، وقد شرعت الحكومة في المراسيم والتوجيهات التشريعية ذات الصلة “الاستيلاء على الممتلكات” وأصول هؤلاء المعتقلين. . وقد استخدمت هذه التشريعات كجزء من جهود الحكومة الرامية إلى تعزيز السيطرة، وغرس الخوف، وتهجير السكان غير المرغوب بهم بشكل دائم. وفي الوقت نفسه، هناك الآلاف من السوريين الذين “اختفوا قسرياً” ولم يتم الاعتراف باعتقالهم على الاطلاق.

وقد أعلنت الحكومة السورية في آب / أغسطس 2015، أنها اتخذت تدابير لإعادة بناء بابا عمرو وجوبر المجاورة وفقاً لخطط “حمص دريم” الأصلية قبل الحرب. مما يشير إلى خطط النظام في الاستفادة من تدمير المناطق المدنية لتنفيذ خطط التغيير الديمغرافي التي كانت تسعى إليها سابقاً ولكن دون المقاومة التي واجهتها قبل الحرب. كما هو الحال بالنسبة لخطط إعادة تطوير المناطق  الحضرية التي من شأنها أن تغير التركيبة السكانية المحلية بشكل دائم وتمنع العودة  إلى مناطق تم تهجيرها  مثل داريا في دمشق.

العودة:

تم سؤال الأشخاص الذين تم إجراء مقابلات معهم عن إمكانية العودة إلى ديارهم يوماً واحد ، وذلك من أجل فهم ما قد يبدو عليه المستقبل على حد سواء بالنسبة للمقيمين والنازحين في مدينة حمص، والمجتمعات التي تركوها وراءهم، وكانت ردود الأشخاص الذين أجريت معهم المقابلات على مسألة العودة قوية.

في ما يلي مجموعة من اقتباسات من هذه الردود:

– عبدالله (جورة الشياح): “بالطبع، أود العودة، ولكن من غير الممكن الآن، وفي حال لم يكن النظام مسيطراً، نعم سوف نعود إلى وطننا، ولكنه قد هُدم”.

– مهند (القرابيص): “لا أحد يجرؤ على العودة إلى تلك الأحياء، فلو حصلنا على الإذن من الشبيحة للعودة فسوف يقتلوننا ، إن الحي غير مخدم، لا يوجد ماء ولا كهرباء، ولا أبنية واقفة ،لم يتبقَ شيء”.

– عبد الرحمن (الخالدية): “بالطبع أود ذلك، ولكن اسمي موجود على لائحة النظام، و هذه المناطق الآن غير قابلة للحياة ومدمرة. ويمكن أن أعود فقط عندما أعرف أن بشار وعصابته ومن تورطوا في قتل أصدقائي قد غادروا”.

– زاهر (الحصوية): “لا ! لقد قتل النظام عائلتي كيف لي أن أعود ؟! لايوجد ضمانات للسلامة ، وسوف يعتقلني النظام”.

– رامي (الزهراء): “لا توجد أي طريقة لكي أعود إلى هناك ،سيكون ذلك مستحيلاً. أحب أن أعود ولكن ليس إلى ما آل الحال إليه”.

– إبراهيم (البياضة): ” لن أعود إلى الحي كما هو عليه الآن. لماذا؟

بسبب العلويين الذين يعيشون هناك. سنكون خائفين على حياتنا من العيش بجانبهم”.

– طارق (دير بعلبة): “آمل أن أعود يوماً واحداً دون وجود النظام. إن فكرة المجتمعات المختلفة التي تعيش معاً ليست مشكلة بالنسبة لي “.

إن الانطباع العام الذي تعطيه هذه الردود هو شعور صارخ بالصدمة والخوف ،وإجبار الناس على الفرار، الذي ما زال الكثيرون يحملونه معهم. لقد كان العديد من أساليب الردود متشابهاً إلى حد كبير، فقد أشار جميع الذين أجريت معهم المقابلات تقريباً إلى أنهم يريدون العودة إلى حمص، ولكن كلهم ​​أعربوا عن اعتقادهم بأن هذا لن يكون ممكناً أبداً، واستشهد أغلبهم بذات السببين الرئيسيين لهذا التشاؤم: الخوف من الاضطهاد من قبل الحكومة والميليشيات الطائفية، والدمار المادي.

وعندما سئلوا عما إذا كانوا يرغبون في العودة في المستقبل الافتراضي حيث لم يكن لديهم أي خوف السلطات، أجاب معظمهم بذات الإجابة  “بالتأكيد، ولكن …” ومرة ​​أخرى وضعت العديد من الأسباب التي تجعلهم يعتقدون أن ذلك سيكون غير ممكن. إن التحديات التي وصفها الأشخاص الذين تمت مقابلتهم بأنها تمنعهم من العودة إلى ديارهم تشمل مجموعة من العوائق المادية والبيروقراطية، والعوائق المتعلقة بالسلامة والتي تشكل جزءا من استراتيجية التهجير المتعمدة للنظام. وفيما يلي وصف لثماني عوائق رئيسية:

1- الدمار: إن الدمار المادي للبنية التحتية والممتلكات هو الطريقة الأكثر وضوحاً لمنع العودة. حيث أظهر تقييم الأقمار الصناعية في أبريل 2014 الذي أجراه مكتب الأمم المتحدة في الصومال  حجم الدمار في الهياكل الأساسية في مدينة حمص. 72 جزءاً هاماً من الطريق، كما تم تدمير شبكات الصرف الصحي، والمياه، والكهرباء في معظم الأحياء المأهولة قسراً مما يجعل المناطق غير صالحة للسكن.

حيث إن جميع المباني تقريباً في أحياء مثل جورة الشياح، الخالدية، والمدينة القديمة تضررت أو دمرت. ويظهر التقييم أيضاً أضراراً واسعة النطاق في المستشفيات والمدارس والمناطق المستهدفة -وهي سمة رئيسية لاستراتيجية الحكومة- إن المناطق  الآن غير صالحة للسكن على الإطلاق.

كما أشار عدد من الأشخاص الذين تمت مقابلتهم من هذه المناطق لا يوجد شيء للعودة إليه: “لا توجد خدمات، لا توجد كهرباء، أو ماء، وما إلى ذلك … حتى لو سمحوا للناس بالعودة، فلم يبق هناك شيء “.

2- النهب: وصف العديد من الأشخاص ممن أجريت معهم مقابلات كيف نهبت المنازل من قبل الميليشيات الموالية للحكومة. لم تكن الممتلكات الشخصية هي وحدها ما نُهب من المنازل، بل تم تجريدها تماماً وسرقة مواد البناء الخاصة بها.

قال علاء من الخالدية: “أخذ الجيش والميليشيات السورية كل شيء من المباني، بما في ذلك النحاس، والأنابيب، وأسلاك الكهرباء، والمصابيح الكهربائية، والأدوية، واللوازم …لقد صُدم الناس عندما شاهدوا حجم المسروقات مما جعل المنازل غير قابلة للسكن”. لقد جعل هذا النهب الشديد الهياكل التي لا تزال قائمة غير صالحة للسكن. وقد اعترف تقييم موئل الأمم المتحدة المذكور في حزيران / يونيو 2014 بأن هذا النهب قد تم التغاضي عنه وحمايته من قبل السلطات. كما تمت ملاحظة أنه بعد نهب بعض المحلات التجارية و المنازل  تم إحراقها “باستخدام مواد تخزن الحرارة لفترة طويلة” مما جعلها غير سليمة من الناحية الهيكلية.

إن هذا النهب والتدمير الذي يستهدف ممتلكات السكان النازحين قسراً بعد نهاية الحصار يشير إلى مغزى كبير من جانب القوات الحكومية والميليشيات. وقد وجد تقرير 5 شباط/ فبراير 2013 مجلس حقوق الإنسان التابع للجمعية العامة للأمم المتحدة أن القوات الحكومية والميليشيات التابعة لها قد ارتكبت جريمة حرب هي النهب.

3- التهديد بالاعتقال: يتعرض جزء كبير من المدنيين السوريين اليوم للاضطهاد من قبل الحكومة السورية، مما يجعل العودة إلى مدينة حمص أو غيرها من المناطق التي يسيطر عليها النظام مسعى يحتمل أن يكون خطراً. حيث يجب على الناس التقدم بطلب للحصول على إذن شخصياً من خلال الخدمات الأمنية  للحكومة السورية من أجل الوصول إلى بعض الأحياء، أو للتأكيد على ملكية الممتلكات، وقد وصف العديد من الذين تمت مقابلتهم هذه العملية وأكدوا ذلك من خلال فحص الإشعارات الخطية الحكومية بأنها عملية متعمدة لحرمان الآلاف من المدنيين النازحين الذين لا يستطيعون فعلياً العودة، مما يثير مخاوف خطيرة تتعلق بالحماية أولئك الذين هم بحسب بعض التقارير، “السُنّة ممنوعة من الإذن للعودة إلى المدينة القديمة “.

وذكر العديد ممن أجريت معهم مقابلات أنهم يعتقدون أن أسماءهم كانت موجودة على “قوائم الأمن”، وبالتالي كان هناك احتمال كبير جداً للاعتقال. كما أن النساء والأطفال وكبار السن معرضون جميعاً للاعتقال لأي من الأسباب التي تشمل الاتصالات الشخصية، منشورات وسائل التواصل الاجتماعية، أو تقديم الدعم إلى جماعات المعونة الإنسانية التي تعمل في ظل سيطرة المعارضة ولكن المخاطرة الأكبر هي بالنسبة للذكور في سن الخدمة العسكرية.

يواجه المعتقلون الذكور المتهمين بدعم المعارضة التعذيب والإعدام المحتمل، ولكن من المرجح أن يتم تجنيدهم قسراً في الجيش السوري وإرسالهم إلى الخطوط الأمامية ليكونوا بمثابة وقود للمعركة.

تدهورت القوات السورية مع مرور الوقت، وتزايدت جهود التجنيد الحكومية على نحو متزايد وأكثر عدوانية لتكملة جيشها المتناقص. ونتيجة لذلك، يخشى جميع الرجال في سوريا تقريباً ممن هم في سن القتال التجنيد القسري في الجيش. لقد كانت الخدمة العسكرية للرجال شرطاً حكومياً في اتفاقات الاستسلام القسري الأخيرة في مدن في دمشق مثل التل والمعضمية. وأفادت التقارير أنه ، تم احتجاز آلاف الرجال الهاربين من الجيب المحاصر وإرسالهم فورا للقتال خلال الأيام الأخيرة في شرق حلب.

4- العنف الطائفي: ما زال خطر العنف سائداً في مدينة حمص. وتمتلك الميليشيات الطائفية المتحالفة مع الحكومة السيطرة على العديد من حواجز التفتيش التي تفصل الأحياء. ووصف مهند من القرابيص كيف “تم الاستيلاء على المناطق من قبل مسؤولي الميليشيات غير الحكومية التي تتصرف كمافيا محلية “. واستشهد العديد ممن أجريت معهم مقابلات بأمثلة عن أشخاص يعرفونهم ممن حاولوا أو تمكنوا من العودة إلى هذه المناطق فإما أنهم تعرضوا للضرب أو قتلوا.

وعلى سبيل المثال، قال علاء من الخالدية إنه يعرف زوجين حاولا العودة إلى منزلهم في منطقة باب السباع في حمص القديمة. وذكر أنهم “تعرضوا للهجوم من قبل الشبيحة الذين قالوا لهم انها تحت سيطرة الحكومة. وقد تم احراق المنزل وتم العثور على القتلى فيما بعد في المنطقة. وقد نفى الجيش أي مسؤولية له في ذلك”. إن قصص كهذه تثير الرعب بين النازحين الذين يُمنعون حتى من التفكير في محاولة العودة، وبحسب قول مهند فإنه: “حتى لو صدر قرار للناس بالعودة إلى مناطقهم، فإنه بإمكان الشبيحة مهاجمتهم في أي وقت كان”.

وبهذه الطريقة فإن الميليشيات الموالية للحكومة تهيئ جواً من العداء، مما يؤكد أنه حتى لو قامت الحكومة بسن قوانين قد تسمح على الورق للنازحين بالعودة والمطالبة بممتلكاتهم ، فإن الكثير منهم لن يجرؤ أحد على العودة. وقد أشار العديد من الذين أجريت معهم مقابلات إلى أن الخوف من الميليشيات قد منعهم بالإضافة إلى غيرهم من النازحين الذين يعيشون حاليا في الأحياء الخاضعة  لسيطرة الحكومة التحدث إلى فريق البحث لهذا المشروع.

5- اتلاف السجلات: تم تدمير مكتب السجل العقاري الذي يضم وثائق ملكية العقارات في حريق في يوليو 2013 . حيث يقع المكتب في الطوابق العليا من أحد المباني، وكانت القوات السورية قد احتلت الطوابق الدنيا، ويعتقد أن الفعل كان متعمداً لأنه “كان الطابق الوحيد الذي تعرض للحريق في الجزء الأكثر أماناً في المدينة “. وقد تم تسجيل استهدافات أخرى لتدمير سجلات الملكية في أماكن أخرى من سوريا في ما يبدو أنه “تسليح نظام حقوق الأراضي والممتلكات”.

حيث إن  تدمير السجلات الأصلية يسهل على الحكومة منع أصحاب العقارات من استعادة ممتلكاتهم ويمكن الحكومة من بيعها. لم يملك أي أحد ممن شملهم الاستبيان أي وثائق ملكية للعقارات التي تركوها خلفهم في حمص. وتشمل الأسباب المذكورة أن الوثائق قد دمرت في عمليات القصف والنهب، أو فقدت أثناء النزوح حيث أجبر الكثيرون على الفرار دون ممتلكاتهم. وقد ووصف موئل الأمم المتحدة  في تقييم يونيو 2014 المسائل المتعلقة بحقوق الملكية والوثائق في حمص بأنها “مقلقة للغاية”، مشيراً إلى أن “السلطات المحلية لا تملك الأطر البشرية والمنطقية لمعالجة هذه المسألة، و لا تخطط لذلك.

6- تزييف السجلات: وصف اثنان ممن أجريت مقابلات معهم ثلاثة محاولات  تزوير للسجلات، وصف اثنان آخران  محاولات للتخلص من ثلاثة سجلات في حمص بعد فرارها من المدينة، فقط ليعلموا أن منازلهم كانت تباع بطريقة غير مشروعة باستخدام وثائق مزيفة. وقعت هذه الحوادث في حي  البياضة، وحي الأرمن، وحي الزهراء في الجزء الشمالي الشرقي من المدينة. حيث كان هؤلاء إما غالبية العلوية أو متاخمة للأغلبية العلوية التي لم تكن خاضعة للحصار في وسط المدينة وأبنتيها متضررة إلى حد بسيط.

وتحدث الشابان اللذان أجريت معهم المقابلات عن سيناريوهات مماثلة ، حيث يتم الاتصال مع وكلاء العقارات عن طريق الهاتف للسؤال عن الممتلكات ويتم اخبارهم أن المنازل قد تم بيعها بالفعل وهناك سجلات لإثبات ذلك. وقال أحدهم: “لم نفهم هذا لأننا لم نضع أي ممتلكات للبيع، وقد تم بيع جميع المباني إلى العلويين، من خلال سلطة النظام السوري، حيث تم تزوير الوثائق على أساس أنني بعت بيتي للعلويين. هذا ما حدث في جميع أنحاء الحي “. وأكد أن جاره الذي لايزال يعيش في الحي قد شاهد وثيقة الملكية الجديدة التي أظهرتها له الأسرة العلوية التي تعيش في المنزل. وقال  شخص آخر أن أسرته اتصلت بوكيل عقاري قال لهم إن لديه أوراق تثبت أن العلويين يمتلكون المنزل ، كما لو أننا بعناه، إلا أننا لم تحصل على أي شيء من بيعه، لقد تم أخه ببساطة.

7- رقمنة السجلات: شارك أحد الأشخاص ممن تمت مقابلتهم صورة إشعار حكومي تم توزيعه في نسخ مطبوعة داخل أحياء حمص الخاضعة لسيطرة النظام. وبحسب الإشعار، فإن الناس لديهم أربعة أشهر ابتداء من 14 نوفمبر 2016 لتقديم اعتراضات شخصياً لإدارة السجلات المؤقتة، أو ثلاثة مواقع أخرى في الأحياء الشرقية ، وذلك في حال شعروا أن هناك أي أخطاء في وثائق الملكية الخاصة بهم، وإن قائمة أصحاب العقارات متاحة للناس للتحقق من دقتها ولكن يجب أن يقوم بذلك صاحب الملكية شخصياً في مراكز الخدمة. ويوضح موقع حكومي على شبكة الإنترنت أنه بعد ذلك التاريخ سيتم رقمنة السجلات والاحتفاظ بها في ثلاثة مواقع بحيث لا يمكن العبث بها.

إن أصحاب الممتلكات ، أو من هم خارج حمص ممن لم يتلقوا ذلك الإشعار ليتمكنوا من التحقق من السجلات المؤقتة، سيتم حرمانهم بشكل دائم من اللجوء الإداري.  ووصف عبد الرحمن من الخالدية هذه السياسة بأنها وسيلة لإضفاء الطابع الرسمي على التهجير والاستيلاء على الأراضي، لأن “معظمهم في السجن أو قتلوا أو في أوروبا” ولا یمكنھم استعادة منازلھم. ويلقي الموقع الحكومي على الإنترنت باللوم على حرق سجلات الأراضي الأصلية على الإرهابيين والعصابات الإجرامية على الرغم من الأدلة التي تم تدميرها عمداً من قبل الحكومة.

8- الاحتلال: كان هناك اعتقاد شائع بين المشاركين في البحث أنه سواء كان هناك وثائق مزورة أم لا، فإن معظم المنازل في مدينة حمص التي لم تكن قد دمرت قد احتلها مؤيدو النظام. قال عبد الله من جورة الشياح إن 70% من المنازل قد دُمرت كلياً، وتلك التي تركها أصحابها قد تم احتلالها من قبل الشيعة حتى في المناطق المسيحية مثل الحميدية، كنيسة أم الزنار. أما المنازل التي لم يتم تدميرها فهي إما تحتلها الجماعات الشيعية أو الجنود الذين يقاتلون مع النظام.  وهناك أدلة واضحة تدعم ادعاء عبد الله بأن هذه الظاهرة قد حدثت بالفعل. كان لدى عدد من الأشخاص الذين أجريت معهم مقابلات قصص عن أحد الأقارب أو الأصدقاء الذين حاولوا العودة إلى ديارهم ليجدوا  ممتلكاتهم محتلة بالفعل. وقد تم توثيق مثل هذه الحوادث من مصادر خارجية.

إن العوائق التي تعترض العودة المذكورة أعلاه تعمل كطبقات تعزز بعضها البعض وتؤكد على أن عدداً قليلاً من النازحين يمكن أن يعودوا إلى ديارهم، بل سيحاول عدد أقل منهم. لم يشاهد  أي من الأشخاص الذين تمت مقابلتهم بأن تشريدهم أو العوامل التي تمنعهم من العودة كنتيجة حتمية، بل جميعهم يرون أن ذلك مقصود وموجه.

ولخص طارق من دير بعلبة هذا الرأي، قائلاً: “لقد وضع النظام قيوداً لمنعنا من العودة إلى ديارنا، وجعل حمص أكبر مثال على هذه السياسة. وحتى لو فقد النظام الأراضي في حلب أو دمشق، فقد تم هدم حمص كمثال لبقية البلاد. لم تكن النقطة مجرد تخلص من المقاتلين، بل كان هدم المنطقة وخلق الخوف في الناس حتى لا يفكروا أو يحلموا حتى بالعودة  إلى هذه المناطق.

القانون الدولي:      

إن التهجير القسري أو الترحيل يعني أن  يتم نقل الناس ضد إرادتهم أو دون خيار حقيقي. أما أعمال التشريد القسري أو الترحيل أثناء النزاعات المسلحة، سواء داخل إقليم أو عبر حدود الدولة، قد ترقى إلى حد الجرائم الدولية، إما باعتبارها جريمة حرب أو جرائم  ضد الإنسانية.

ولكي تعتبر هذه الأفعال جرائم حرب، يجب أن يكون الضحايا “أشخاصاً محميين” بموجب اتفاقيات جنيف أو البروتوكولات الإضافية، ولزيادة النظر في الجرائم المرتكبة ضد الإنسانية، لا بد من التشريد القسري جزءاً من هجوم واسع النطاق ومنهجي على السكان المدنيين، وينص القانون الإنساني الدولي على ظروف استثنائية محدودة بموجبها يسمح بتهجير المدنيين أثناء النزاعات المسلحة، أي إذا نفذت من أجل أمن الأفراد المعنيين -أي المدنيين- أو لأسباب عسكرية حتمية، ولا يمكن تطبيق هذا الاستثناء أبداً إذا كان القصد من النزوح هو اضطهاد السكان المدنيين.

في حالات كهذه حيث يكون الاستثناء متاحاً، يجب أن يكون التهجير مؤقتاً ويجب أن يتم على نحو يكفل عودة المهجرين إلى ديارهم في أقرب وقت ممكن بحسب ما يسمح الوضع، وبالإضافة إلى ذلك، يجب اتخاذ جميع التدابير الممكنة لضمان إمكانية استقبال السكان المدنيين المشردين في ظل ظروف مرضية للمأوى، والنظافة الصحية، الصحة والسلامة والتغذية.

لا توجد أي شروط لاستثناء صحيح في التشريد المدني القسري المفروض في حمص. حيث أُرسل العديد من المهجرين قسراً إلى مناطق مثل الوعر، حيث ما زالوا يتعرضون للاضطهاد، وتحت الحصار، ويواجهون ظروف معيشية سيئة للغاية ، هي أبعد ما يكون عن القيام بذلك بطريقة تسمح للناس بالعودة إلى ديارهم ،وقد اتخذت الحكومة السورية تدابير لمنع المهجرين عمداً من العودة.

وبالتالي، فإن التشريد القسري في حمص ينتهك كل من المبادئ الدولية والقانون الإنساني والقانون الجنائي الدولي. ووفقاً للجنة الدولية للصليب الأحمر، فإن هذه القواعد هي جزء من القانون العرفي، وبالتالي ملزمة لجميع الأطراف.

*الخاتمة:

لقد شرد الجيش السوري والميليشيات الطائفية التابعة له بشكل منهجي أكثر من نصف سكان مدينة حمص بين عامي 2012 و 2014. وقد شملت تكتيكاتهم كل من  الاحتجاز، والتعذيب، والاغتصاب، والمذابح، والاعتداء العسكري شامل النطاق براً وجواً، والحصار، والتدمير المستهدف للبنية التحتية المدنية. ويصف النازحون من مدينة حمص  الترويع الواسع النطاق من قبل الميليشيات التابعة للحكومة بالعنف طائفي العلني.

ويشير استهداف الجيش غير المتكافئ للمدنيين والبنية التحتية المدنية إلى أنه كان لدى الحكومة دوافع أبعد من مجرد طرد جماعات المعارضة المسلحة أو محاربة الإرهاب. وقد حددت تقارير لجنة حقوق الإنسان أن استراتيجية حرمان بعض المناطق من الغذاء والرعاية الطبية من قبل الحكومة السورية لم تكن تهدف فقط إلى السيطرة على المسلحين ولكن أيضاً إلى إجبار السكان على النزوح. وما لم يكن هناك ضرورة لأسباب عسكرية أو أمنية للقيام بذلك، فإن الأمر بتشريد السكان المدنيين للأسباب المتعلقة بالنزاع تشكل جريمة حرب بموجب المادة 5 من نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية.

ونظراً للطبيعة الواسعة والمنهجية للتهجير القسري للسكان المدنيين في سوريا، فقد ترقى هذه الجرائم إلى مستوى جرائم ضد الإنسانية، حيث تم تدمير أكثر من اثني عشر حياً مستهدفاً بشكل كلي أو جزئي. وكانت هذه الأحياء ذات غالبية سنية بشكل أساسي ،إضافة إلى حي الحميدية المسيحي. كما تم استهداف السكان السنة الذين يعيشون في الأحياء ذات الأغلبية العلوية بشكل انتقائي لطردهم، على الرغم من أن هذه الأحياء نفسها لا تزال مأهولة بالسكان ولا تزال سليمة إلى حد كبير، مما تسبب في أضرار اسمية نتيجة قصف المعارضة.

إن نمط الدمار يشبه إلى حد كبير خطط ما قبل الحرب لمشروع إعادة التطوير العمراني “حلم حمص”، الذي يهدف إلى بناء ومراكز تسوق حديثة، وحدائق، وناطحات السحاب حيث تتموضع الأحياء السنية المكتظة بالسكان.

ويبدو أن الهدف من هذه الخطة هو إعادة توزيع السكان لتعزيز الاقتصاد والسيطرة الفعلية على المدينة من قبل المجتمع العلوي الموالي للحكومة. لقد منح الصراع الحكومة  الفرصة والوسائل لتنفيذ وتسريع وتوسيع أهداف التغيرات الديموغرافية قبل الحرب.

وقد سنت الحكومة السورية حواجز بيروقراطية وقانونية جديدة لمنع النازحين من العودة إلى استعادة منازلهم، لا سيما حول ملكية الممتلكات منذ التهجير القسري الأخير للسكان من حمص القديمة المحاصرة في مايو/نيسان 2014. وهذه القيود الجديدة تعزز الحواجز المادية القائمة – التدمير والعنف والتخويف – لضمان أن عدداً قليلاً من السكان غير المرغوب فيهم يحاولون العودة.

وقد حدد الأشخاص الذين أجابوا خلال المقابلة عوائق أخرى أبعد من ذلك تعترض العودة ، ولا سيما مخلفات الحرب غير المنفجرة مثل الألغام الأرضية و الذخائر العنقودية ، التي تم توثيق استخدامها على نطاق واسع في سوريا، والتي  تقتل  بعد فترة طويلة من انتهاء الصراع.

وقد استخدمت الحكومة السورية حمص كمخطط، باستخدام ذات النمط من الحصار والجوع والتدمير والتهجير مراراً وتكراراً في جميع أنحاء البلاد. هناك أمثلة بارزة حيث اتبعت الحكومة ذات النمط الذي اتبعته في حمص في عام 2016 في مدينة داريا في ريف دمشق في آب / أغسطس، وفي مدينة حلب الشرقية في كانون الأول / ديسمبر.

إن ذات التحديات والمخاوف التي تم تحديدها في هذه الدراسة حول حمص هي ذات صلة كبيرة بهذه المناطق المهجرة حديثاً والمدنيين النازحين. وهي ذات صلة أيضاً بوكالات الأمم المتحدة والجهات الفاعلة الدولية والمشاركة في عمليات نقل السكان وفي جهود إعادة التأهيل بعد الحصار. ويجب تطبيق الدروس المستفادة من حصار وتدمير حمص والتطورات في أعقاب ذلك على هذه الحالات وغيرها من الحالات المستقبلية.

*التوصيات:

وكما هو موضح في هذا التقرير، فإن المدنيين السوريين النازحين  من مدينة حمص يواجهون العديد من الحواجز التي تمنعهم من العودة لبلدهم. إن إعادة الإعمار وحدها لا يمكن أن تتصدى لهذه التحديات بل قد تتسبب في المزيد من الضرر في مناطق، مثل مدينة حمص، التي تعرضت  للحصار من قبل الحكومة السورية، بالإضافة إلى التجويع، والتدمير، واستراتيجية التهجير.

وينبغي أن تكون جهود إعادة الإعمار المادية في أماكن مثل حمص التي لا يجب أن تتم إلا كجزء من استراتيجية شاملة للإنعاش، تراعي النزاعات و تدعم إعادة الإعمار المشروط مع الجهود التي تعالج حقوق المهجرين واهتماماتهم وأولوياتهم  وبناء على ذلك، يوصي معهد باكس والمعهد السوري بما يلي:

*إشراك المهجرين مع أكثر من نصف السوريين المهجرين من ديارهم، حيث إن مستقبل النازحين هو محور استقرار سوريا. ومن المهم جداً إشراك النازحين السوريين وإعطائهم صوتاً في مستقبل مجتمعاتهم:

– ينبغي للأمم المتحدة إجراء مسح واسع النطاق للسوريين النازحين للتأكد من آرائهم وأولوياتهم وشواغلهم فيما يتعلق بقضايا العودة، وإعادة التوطين، وإعادة البناء، والمصالحة. وينبغي استخدام نتائج هذه الدراسة الاستقصائية لإبلاغ القرارات التي تقودها الأمم المتحدة وجهود إعادة الإعمار المدعومة دولياً. وينبغي أن توفر الجهات المانحة الأموال اللازمة لجهود التقييم هذه.

– يجب أن تجري وكالات الأمم المتحدة وغيرها من الجهات الفاعلة الداعمة لجهود الإعمار تقييمات تحضيرية لتحديد مكان التواجد، والاحتياجات، والأولويات للسكان الأصليين، قبل بدء إعادة التأهيل و الإعمار في مدينة حمص والمناطق المماثلة. مما سيساعد على تحديد أي آثار سلبية محتملة على المدى الطويل قد تواجه إعادة الإعمار، لذلك يمكن للمنفذين اتخاذ خطوات للتخفيف من الأضرار المحتملة للمهجرين قسراً، ومنع الصراعات المحتملة في المستقبل.

وينبغي أن يتم هذا الجهد لاستقصاء السكان الأصليين بشكل مستقل عن الحكومة السورية، نظراً للطبيعة المشكوك فيها للغاية في التلاعب بسجلات الممتلكات في حمص، على النحو المبين في هذا التقرير.

– ينبغي النظر في معلومات النازحين على النحو الواجب خلال محادثات السلام السورية ودمجها في أي عملية انتقالية سياسية يقودها السوريون في المستقبل.

*إعادة الإعمار : إن إعادة البناء المادي لمدينة حمص أمر بالغ الأهمية للانتعاش، ولكن يجب أن يكون ذلك كجزء من استراتيجية شاملة لمعالجة حقوق النازحين واحتياجاتهم. مما سيساعد على ضمان عدم دفع الفاعلين الدوليين “عائدات جرائم الحرب” إلى الحكومة السورية، أو تفاقم الانقسامات الاجتماعية، أو تقويض جهود المصالحة في المستقبل.

– يجب أن تضمن الجهات الفاعلة التي تختار التعاون مع الحكومة السورية أن جهود إعادة الإعمار لن تسبب المزيد من الصدمات أو الظلم للمهجرين من خلال وضع سياسة “لا ضرر” خاصة بإعادة الإعمار في سوريا.

–  التزام الاتحاد الأوروبي بعدم دعم جهود إعادة الإعمار في سوريا حتى تتم عملية انتقال سياسي ذات مصداقية، و يجب أن تترجم إلى معايير ملموسة، وتُعتمد كشرط لجميع الأطراف ذات الصلة. ويمكن استخدام “الخطوات الواضحة في المرحلة الانتقالية” الخمس الواردة في بيان جنيف لعام 2012 كأساس لهذه المعايير.

– ويجب على المانحين أن يبذلوا العناية الواجبة لضمان ألا تقوم الوكالات المشاركة في التعمير بذلك إلا كجزء من استراتيجية شفافة وشاملة تتناول حقوق المهجرين.

*العودة والمصالحة: في مدينة حمص، حيث كان معظم  السكان النازحين جزءاً من استراتيجية حكومية متعمدة، فإن قضايا العودة أكثر تعقيداً من مجرد إعادة بناء البنية التحتية للمدينة. ومن المهم جداً  أن تنظر الجهات الفاعلة الدولية إلى المجموعة الكاملة من التحديات التي تواجه عودة السكان المدنيين.

– وينبغي على الأطراف المشاركة في العمليات السياسية أن تضمن التحديات المعقدة المتعلقة بالإسكان والأراضي وحقوق الملكية للمهجرين قسراً، وأن يتم تناولها بدقة في أي مفاوضات وطنية مستقبلية، وعمليات انتقالية، ومصالحة. ويجب أن تكون أي قرارات متخذة -مثل تلك المتعلقة بالعودة إلى الوطن- مطابقة للمعايير الدولية والقانون الإنساني، ومراقبة  من قبل طرف ثالث مستقل.

– ويجب أن تعترف جميع الأطراف بوضوح بمخاطر العنف والاضطهاد التي يتعرض لها العائدون، ويجب أن يتم تنفيذ استراتيجيات لحماية المدنيين وإعادة بناء الثقة على الصعيدين الوطني والمحلي وذلك لتشجيع العودة. وعلى الرغم من أن هذه الاستراتيجيات يجب أن تكون بقيادة سورية، إلا أن الإشراف والمشاركة الدولية يمكن أن تلعب دوراً هاماً في المراحل المبكرة / الانتقالية.

وتتمثل أحد التوصيات الرئيسية في أن تقوم الأمم المتحدة أو غيرها من المراقبين الدوليين بالحفاظ على وجود أولي في مناطق مثل مدينة حمص في المراحل الأولى من إعادة الإدماج والمصالحة، وذلك ليشعر المواطنون المهجرون بالأمان الكافي للعودة. قد تشمل الاستراتيجيات الأخرى (ولكن لا تقتصر على):

1- رحيل جميع الميليشيات الأجنبية غير السورية.

2- نزع السلاح والتسريح من الجيش وإعادة إدماج الميليشيات السورية.

يجب معالجة الصدمة النفسية وانعدام الثقة في أي سيناريو مستقبلي حيث تكون العودة خيار للنازحين. قد تشمل الاستراتيجيات (ولكن هي لا تقتصر على) :

1- لجان الحقيقة والعدالة.

2- التركيز على تمكين الضحايا.

3- مبادرات الحوار وبناء الثقة.

4- الدعم النفسي الاجتماعي، مع التركيز بشكل خاص على الفئات الضعيفة مثل النساء والأطفال، وضحايا التعذيب، والأطفال المجندين.

*المساءلة: شكّل التهجير القسري للسكان المدنيين من مدينة حمص وأماكن أخرى في سوريا  انتهاكات جسيمة للقانون الإنساني الدولي ، والقانون الجنائي الدولي، مما يرقى إلى مستوى جرائم الحرب والجرائم المرتكبة ضد الإنسانية.

– وينبغي للحكومات والهيئات الحكومية الدولية أن تعترف وتُدين استراتيجية نقل السكان القسرية في حمص وأماكن أخرى في سوريا، و أن تُقر  بأن هذ التهجير يشكل جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.

– ينبغي لأي جهة تبذل جهداً لتوثيق جرائم الحرب وجرائم ضد الإنسانية أن ترصد التهجير القسري وحرمان المهجرين من حقوقهم في دعم جهود المساءلة في المستقبل.

– وينبغي أن توفر الجهات المانحة الأموال اللازمة لتوثيق التهجير القسري للسكان الذي ما زال يرتكب في سوريا.

– ويجب إدراج عمليات النقل القسري للسكان في آلية المساءلة التي سيتم إنشاؤها وفقاً لقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة المؤرخ 21 كانون الأول/ديسمبر 2016 الذي أنشأ آلية مساءلة لجرائم الحرب في سوريا.

المصدرالمعهد السوري ومجموعة باكس - ترجمة حرية برس
رابط مختصر

اترك تعليقاً

يجب ان تسجل الدخول لكي تتمكن من إضافة التعليقات

فريق التحرير