الضفدع إذ يحتفي بقاتله

2018-07-08T01:14:38+03:00
2018-07-08T01:50:54+03:00
آراء
عمر قدور8 يوليو 2018آخر تحديث : منذ سنتين
الضفدع إذ يحتفي بقاتله
 قدور  - حرية برس Horrya press

الأخبار الواردة من داعل “في محافظة درعا” تشير إلى أن بعض الأهالي استقبل قوات الأسد وحمل مقاتلين منها على الأكتاف ابتهاجاً، وتشير أيضاً إلى أن الابتهاج شمل تقديم مائة ذبيحة لإطعامهم. قد يكون رقم الذبائح مبالغاً فيه، إلا أن مجرد تقديمها يدل على أن الأهالي هناك لم يعانوا معاناة شبيهة بأهل الغوطة جراء سياسة “الجوع أو الركوع”، ويدل تالياً على أن بلوغ حد قاس جداً من المعاناة ليس وحده الذي يتحكم في الخيار السياسي، وإن بقي من ضمن عوامل عديدة تؤدي إليه.

المحتفلون بعودة تنظيم الأسد إلى مناطقهم يُطلق عليهم السوريون اسم الضفادع، وهذه نسبة إلى الشيخ بسام ضفدع من الغوطة الشرقية، وهو أشهر من قام بعملية تسهيل دخول لقوات الأسد إلى بلدته، ومن ثم سريعاً شارك تلك القوات مع 400 مقاتل في الهجوم على بلدات الغوطة الأخرى. يومها أتت ظاهرة الضفدع صادمة لأنه كان قيادياً في فيلق الرحمن، من دون النظر في تاريخه السابق على الثورة كعضو في برلمان الأسد، وهي عضوية تشير في العرف السوري إلى قدر بارز من الانتهازية والولاء.

وكما نعلم فإن ظاهرة الضفادع “العملاء أو الخونة” وجدت ربما منذ وجدت الحروب، وكانت دائماً تعتمد عنصر مفاجأة الخصم، مثلما تعتمد على عدم قدرة الخصم على ضبط أمنه الذاتي بنسبة تامة، وعدم وجود قانون تُقاس بموجبه قابلية الناس لتتحول إلى ضفادع. مع ذلك، في حالة الشيخ ضفدع في الغوطة، تسلل لوم جمهور الثورة من واقع حقيقي هو انشغال الفصائل في القتال في ما بينها، وأيضاً تضييقها على ناشطين مدنيين وصولاً إلى اختطاف أربعة ناشطين في دوما لم يُعرف شيء عنهم حتى الآن، بينما لم تُبذل جهود مماثلة لتحصين الأمن الذاتي، وإلا لم نكن أمام هذا العدد الضخم من المقاتلين الذين تحولوا في يوم واحد إلى شركاء للعدو.

ثمة عامل آخر يغذّي ظاهرة الضفادع هو عدم وجود أفق لانتصار الثورة، وفي السنوات الأخيرة يمكن لمن يقرأ الأحداث معرفة أن الكفة تميل لتنظيم الأسد، وقد يتم تمكينه من السيطرة على “المناطق المحررة” عاجلاً أم آجلاً. وفي الأصل نجانب الصواب عندما نعتبر كل الذين أجبرتهم ظروفهم على البقاء في تلك المناطق هم من جمهور الثورة قطعاً، وقد لا يخلو الواقع من أولئك الذين كانوا مع الثورة ثم بدّلوا مواقفهم، وهو افتراض قد يبدو لامنطقياً للوهلة الأولى بما أنهم عاشوا الخطر والقهر والوحشية العمياء التي تستخدمها قوات الأسد ضد مناطقهم، وربما تكون الصدفة وحدها قد أبقتهم بين الأحياء. هذا اللامنطقي سيكون منطقياً، إذا رأيناه من الجهة المقابلة، أي من جهة أناس لم يعد يرغبون سوى في الأمان الشخصي لهم ولأسرهم، ولا يرون سبيلاً له إلا بالاستسلام وبالعودة إلى حظيرة الأسد.

قد يُقال أن كل هذه الظروف إذا بررت الاستسلام فهي لا تبرر الاندفاع بحماسة إلى جهة القاتل، نظرياً وإنسانياً هي لا تبرر في الغوطة أن تصوب بنادق 400 مقاتل إلى رفاق الأمس، ولا أن يحتفي بعض من أهل داعل بينما البعض الآخر قد أُبيد أو في متاهة النزوح في البراري. هذا الفهم الذي ينطوي على حد أدنى من الإنسانية لا يتلاءم مع فهم الضفادع الأكثر واقعية لما يتطلبه تنظيم الأسد، فالاستسلام الصامت الذي قد يضمر شيئاً من الكرامة أو الكبرياء غير مقبول في هذا العرف، الاستسلام المطلوب هو هذا على وجه التحديد؛ أن تصوّب البندقية إلى شركاء سنوات من الحصار والقتال، وأن تُعلن الأفراح إلى جانب الإبادة. تلك هي البراهين التي يحتاجها الأسد للمتاجرة إعلامياً، وأيضاً لضمان امتهان كرامة العائدين على أكمل وجه. لعلنا نذكر في هذا السياق ذلك الأب الخارج من الغوطة عندما طلب من ابنته القول أن اسمها حبيبة ابنة بشار الأسد، وذلك الرفض العنيف من الطفلة؛ لقد كان تصرف الأب يستبطن تماماً ما يُراد منه، وعندما نطالبه بسلوك أقل امتهاناً للذات نكون نحن في موقع من نسي ما يعنيه الولاء الطوعي أو الإجباري للأسد.

مصادفة التسمية تفيدنا بأمثولة تشبه المصنع الأسدي، هي تلك المعروفة باسم الضفدع المغلي، إذ من الشائع أن الضفدع إذا وضِع في ماء حار قفز منه سريعاً، أما إذا وضع في ماء بدرجة حرارة عادية وجرى تسخين الماء على نحو تدريجي فإنه سيتأقلم مع الارتفاع التدريجي، ولن يقفز بل سيلقى حتفه مغلياً. هذا يشبه ما تعرض له السوريون بشكل ممنهج خلال الحقبة الأسدية، ومن المؤكد أن نسبة لا يُستهان بها نسيت درجة الحرارة الطبيعية للماء، بما فيها نسبة جربت القفز خارجاً فلاحقتها حمم القذائف. أمثولة الضفدع المغلي ليست دقيقة تماماً علمياً، فالتجارب دلت على أن الضفادع تتحمل ذلك الارتفاع التدريجي في الحرارة، وعند حد الخطر تبادر إلى القفز من الماء؛ هذه الخلاصة العلمية لا تتنافى أيضاً مع ميل “ضفادعنا” إلى التأقلم أولاً وتجنب الخطر تالياً.

في هذا السياق ينبغي ألا ننسى اتجاهاً معكوساً، عندما كان للثورة “ضفادعها” في قلب تنظيم الأسد، وعندما بدأت وتوالت موجة الانشقاقات عنه، وبخاصة عندما توقفت تلك الموجة نهائياً، لأن هذا التوقف له دلالة عميقة. وعلينا ألا ننسى تلك الضفادع التي غزت الثورة باسم “المعارضة”، حيث أصبح لدينا معارضات يصرّ حلفاء الأسد على أنهم أفضل من يفاوض في جنيف وغيرها، مثلما يصرون على أن يكون لهم تمثيل وازن ومرجّح في تفرعات مثل اللجنة الدستورية. لعل ذلك كله يضع الظاهرة في حجمها الحقيقي والأخطر، وهو لا يحدث نتيجة صلابة وتماسك ما تبقى من تنظيم الأسد كما يُشاع، وإنما أيضاً بسبب تراكمات جعلت الانتماء إلى الثورة يفقد جاذبيته، وبسبب فقدان الثورة عنصر المبادرة الذي امتلكته في البداية.

لعل أخباراً أخرى إذا صحّت تشير إلى الاتجاه الذي كان من الأجدى اعتماده بدل إمارات الحرب التي سهّلت ظاهرة الضفادع، فقد أعلنت “سرية أبو عمارة للمهام الخاصة” مسؤوليتها عن اختراق وتفجير مستودعات ذخيرة لقوات الأسد في محردة، وكان الفصيل قد أعلن من قبل مسؤوليته عن عدة عمليات منها اغتيال قائد مخابراتي معروف بوحشيته إزاء المعتقلين. هذه العمليات تنبئ بأن اختراق تنظيم الأسد ما زال ممكناً في المقابل، بشرط ألا يتحول مقاوموه إلى تنظيم يُذكّر به من قريب أو بعيد.

المصدرالمدن
رابط مختصر

عذراً التعليقات مغلقة