من سجون الأسد إلى قيود المجتمع

قصة معتقلة سابقة أحال المجتمع حياتها إلى جحيم

فريق التحرير10 أبريل 2018آخر تحديث :
ولاء عساف
(صورة تعبيرية)

اسمي (س. ق) كنت طالبة في جامعة البعث بحمص؛ عندما خرجت المظاهرات الأولى تندد بإسقاط النظام في عدد من مناطق حمص العدية، كنت أرى كيف كان النظام يقمع هذه المظاهرات بوحشية وبرصاص حيّ أحياناً، أملاً باستمرار الخنوع والسكوت الذي أجبر عليه الشعب المظلوم لسنين عديدة.

كنت اناقش أبي كثيراً عن أحداث 1982 وما فعله النظام بأهل حماة وجسر الشغور، وكيف كانت الأخبار تصلهم قليلة ومسربة من بعض العسكريين من أبناء المنطقة، كان أبي يتحدث إلي لكن لا يعطيني تلك المعلومات التي تشبع شغفي لمعرفة جرائم هذا النظام الحاقد، لأبحث على النت ولكن سرعان ما يلاحقني أبي بكلمات امسحي السجل فوراً، ولا تفتحي المتصفح من هاتفك، كان ينهي كلامه: يا ابنتي إني أخاف على حياتك.

بدأت بعدها سلسلة التفجيرات حولنا وعمليات الخطف والقتل العمد وغيرها من المناطق المحيطة… كنت أظن للوهلة الأولى أنهم الثوار حقاً، لكن فيما بعد اتضح لي أنه النظام، النظام من يقتل شعبه ويفتنه مع بعضه، كي يبقى رأسه جالساً على كرسيه متمسكاً بالحكم ولو كان في سبيل ذلك موت كل شعبه.

وفي أحد المرات كنت في قاعة المحاضرة عندما سمعنا الشباب والفتيات بدأوا يرددون شعارات في ساحة الجامعة الواسعة، ركضت خارجة من القاعة دون إذن الدكتور وركضت اليهم أردد معهم تلك النداءات بقلب يشتعل ناراً وكرهاً لكل الإجرام والوحشية التي رأيت، وفجأة هرع إلينا أمن الجامعة من كل مكان وراحوا يقودوننا إلى قاعات فارغة ويضربون الشباب، فيما الفتيات تعرضت كل منا لملاسنة كافية من الإهانات والشتم ناهيك عن الضرب المبرح، ثم اقتادونا فيما بعد إلى فرع الأمن، وهناك بدأت رحلة العذاب.

دخلنا في منفردات بداية الأمر، وبدأ التحقيق في غرف مقززة، غرف فيها دماء وقطع لحم بشري هنا وهناك، في اليوم الاول بدأت أتقيء وأبكي، بكيت لأنني فشلت منذ محاولتي الأولى، في اليوم الثاني وقفت أمام المحقق بلا أي خوف، لا أدري مصدر القوة والجرأة التي تسللت إلى أعماقي… أجبت بكل ثقة وقلت لهم أن الاجرام والموت الذي خلفتموه منذ سنين يحيي الميت من الأرض، فكيف لحي يقف على قدميه ليعرف ما فعلتم أن يسكت وينسى، قمعتم البشر بالقوة.. وقتلتم وسفكتم دماء بلا أي رحمة، والآن تعتقلون الناس لأنها تطالب بأدنى ما يجب أن يكون متوفراً لها، حريتها.. أعطوا الناس حريتها.

جاءتني صفعة على وجهي من الضابط الذي أمامي، ولكني تمالكت نفسي من جديد وقلت له: لأنك ضعيف ليس لديك كلام لترد فاستعملت يديك الدمويتين.

راح يصرخ للعسكري أخرجها من هنا.. سأقتلع عينيها من وجهها، بعدها دخلت المعتقل وجلست مع 20 فتاة في غرفة واحدة منهن الكبيرات والصغيرات، راحت كل واحدة تروي ما حدث معها.. ولماذا تم القبض عليها، إحدى السيدات كبيرات السن تم القبض عليها لان أبنها ثائر، وأخرى لأن زوجها صرخ بوجه أحد الضباط عندما دخلوا يفتشون المنزل واقتربوا من زوجته.. فسجنوه وسجنوها، قصص صادمة تؤجج الكره والحقد في القلوب.

تنقلت في كثير من الأفرع الأمنية كان آخرها فرع 227 في دمشق وقد عرفت ذلك من المعتقلات وفيما بعد نقلت أيضاً إلى فرع 215 في كفرسوسة.

كان الطعام قليلاً من البرغل المنقوع بالماء، والماء عكر لا تدري هو ماء للغسيل أم للشرب.. كان الحمام في الغرفة والرائحة من الدماء التي تسيل ورائحة النسوة التي لم تستحممن منذ أسابيع، تثير الرغبة بالإقياء، بقيت هكذا فترة شهور حتى جاء أبي لزيارتي.. لكن قبل أن أراه أمسك الضابط عصا وراح يضربني فيها بكل ما أوتي من قوة، وقال لي: إن سمعت أنك تشتكين من أي شيء لوالدك سترين بعد الزيارة ما لا يعجبك.. وفعلاً قابلت والدي والدموع راحت تتساقط كالمطر وسألته عن أمي وأخوتي.

قلت له أني بخير كما أمرني الضابط ولكن حركت عيناي حولي وعرف أبي أني لست بخير.

سألني إذا ما تعرضت للضرب وأجبته لا.. كلهم جيدون.. رأيت الدمعة تلمع في عيني والدي وقال: لماذا يا ابنتي.. لماذا؟

بعدها دخل العسكري ليقول انتهت الزيارة.. لم أرى والدي جيداً ولكن اطمأننت أنه وعائلتي بخير.

تابعت رحلة العذاب بصمت وجوع… وقبعت في السجن شهوراً وأيام شعرت أنها سنين.. لم أعرف أين أنا وهل من الممكن أن أخرج في يوم ما وأعود للحياة.

بعد حوالي 11 شهراً من التعذيب المتواصل.. حبوب المخدرات التي أدمنتها الفتيات من حولي وجاهدت كثيراً لأمنع نفسي من أخذها.. خاصة أنهن يرافقن الحرس إلى أماكن لم أعرف ما هي ولم اسأل ولكني استنتجت من وجوههن.. وأجسادهن شبه المشوهة…

خرجت…نعم خرجت لكن ليس بحكم براءة بل بعد أن باع أهلي كل ما يملكون.. في سبيل إخراجي ودفع الرشاوي لفلان وفلان وليتني لم أخرج.

فمن سجن بجدران إلى سجن بالهواء الطلق.. سجن العادات والتقاليد التي أجبرتني على اللجوء إلى غرفتي من عيون الناس اللائمة.. دون أن أدري ماذا فعلت… ويسألوني بكل وقاحة: هل اغتصبوكِ!

لم يسألني أحد ما إذا قاموا بإهانتي.. أو ضربي… ما يهم مجتمعي هل تم اغتصابي أم لا.

وإن قلت لا لن يصدقني أحد للأسف.

عشت أسيرة مقيدة بقيود مجتمعي… تمنيت لو أنني أملك القدرة على الانتحار… رحت أتذكر قصة صديقتي التي تخلى عنها والدها وأنكر أنها ابنته فقط لأنها دخلت سجون النظام.. كانت تتمنى الموت على الحياة خارج أسوار السجون.. والآن فهمت سبب أمنيتها.

كيف لهؤلاء الناس أن ينكروا فتيات تعرضن لكل أنواع التعذيب… وخرجن يحتمين بمجتمع لا يرحم… فهل حقاً البقاء بين جدران سجون النظام أو الموت فيها أرحم من العيش خارجها؟!
التعليقات

عذراً التعليقات مغلقة

    عاجل