كيف تبدل موقف وفد المعارضة من “مبادئ الحل السياسي”؟

فريق التحرير2 ديسمبر 2017آخر تحديث :
نصر الحريري ووفد المفاوضات مع ديمستورا في جنيف – الصورة عن الجزيرة نت

 

عبد الرحمن الحاج

في شهر مارس/آذار 2017 طرح المبعوث الأممي ستيفان دي ميستورا وثيقة سماها “لا ورقة” مؤلفة من 12 بنداً، يقترح فيها أن تكون مبادئ الحل السياسي الذي سيحكم العملية، تفسيرات وتطبيقات التسوية السياسية، والتي بدورها تعتمد على خارطة الطريق التي حددها بيان جنيف في 30 يونيو/حزيران 2012 والقراران 2118 (الصادر عام 2013) و2254 (الصادر عام 2015). وتتجاهل اللاورقة أموراً عدة منها موضوع أن الحل السياسي قائم على مبدأ الانتقال السياسي الجذري الذي تقوده هيئة حكم انتقالي، ومصير اللاجئين والنازحين، والعدالة الانتقالية ومحاسبة مرتكبي جرائم الحرب، وغيرها، وكلها أمور تشكل إطار خارطة الطريق.

وفي مقترح “مذكرة تفسيرية” قدّمتها المعارضة لفريق دي ميستورا حول لاورقته، قالت إن فريق دي ميستورا و”خلال سير المباحثات لاحظ المبعوث الخاص أن هناك نقاط توافق بين الطرفين فيما يتعلق برؤيتها لما يمكن أن يكون عليه مستقبل سورية”، وأن فريقه التقط “تلك العناصر المشتركة” تحضيراً للجولة المقبلة التي “ستركز على مسألة الانتقال السياسي”. كما أكدت المذكرة أن “الورقة ليست وثيقة توافق عليها الطرفان”، و”لا تشكل… بأي شكل من الأشكال وثيقة إطارية أو نصاً تم التفاوض عليه، ولن يتم تقديمها إلى مجلس الأمن ولا إلى الفريق الدولي لدعم سورية إلا في حالة الحصول على موافقة الطرفين المفاوضين”. وقالت المذكرة أيضاً إنه “لتفادي أية شكوك، فإن الطرفين المفاوضين سيظلان يحافظان على مواقفهما التفاوضية فيما يتعلق بعملية الانتقال السياسي ورؤيتهما لمستقبل سورية”. لكن دي ميستورا لم يقبل الاقتراح.

ردت المعارضة في أبريل/نيسان بوثيقة مسودتها مؤرخة في 31 مارس/آذار، باقتراح تعديلات على سبع فقرات لتلائم الإطار التنفيذي الذي حددته المعارضة للوثائق الأممية، والذي أعلنته في مايو/أيار 2016. واقترح الوفد أيضاً في رده إضافة فقرتين تتعلقان بالانتقال السياسي، وهما: 1- طبقاً لقرار مجلس الأمن الدولي 2254 فإن الانتقال السياسي يبدأ بتشكيل هيئة حكم انتقالي تمارس كامل السلطات التنفيذية على أن لا يكون لبشار الأسد وأركان نظامه وجميع من تلطخت أيديهم بدماء السوريين دور فيها من بدء المرحلة الانتقالية وذلك خلال ستة أشهر من تاريخ بدء العملية السياسية. كما يشمل جدولاً زمنياً وعملية لإعداد دستور جديد وتنظيم انتخابات برلمانية ورئاسية حرة ونزيهة عملاً بالدستور الجديد خلال 18 شهراً من تشكيل هيئة الحكم الانتقالي، يجري إدارتها تحت إشراف الأمم المتحدة على نحو يلبي متطلبات السوريين المؤهلين للتصويت في الشتات.
2- تتكفل هيئة الحكم الانتقالي بإيجاد البيئة الآمنة والمحايدة وتوطيد الأمن والاستقرار والهدوء للجميع بما يتيح نجاح عملية الانتقال السياسي خلال المهلة المنصوص عليها في القرار 2254.

وأرفقت هذه التعديلات بملاحظتين، الأولى أن وثيقة دي ميستورا “هي لا ورقة غير رسمية، وستبقى كذلك طيلة فترة العملية التفاوضية ولا يمكن بحال من الأحوال اعتبارها غير ذلك إلا في حال وافق الطرفان على مضمونها ومكانتها القانونية وتعريفها الأساسي بشكل صريح”. والثانية أن “هذه اللاورقة تحتاج إلى مقدمة تفسيرية توضح طبيعتها القانونية وتمنع توظيفها من قبل أحد الطرفين بشكل يضر بإنجاز عملية الانتقال السياسي، ولذلك، نرى أنه من اللازم أن يضاف إلى هذه اللاورقة مقدمة تضبط مركزها القانوني في العملية التفاوضية ووضعها في إطارها الصحيح وفق النقاط التالية والتي سبق للمبعوث الخاص أن قدمها مرفقة بورقته المقدّمة العام الماضي والمسماة المبادئ المقترحة للحل”.

عمل دي ميستورا على تسريع بناء التراكم، فاقترح في أبريل/نيسان ما سماه “آلية تشاورية” تقودها الأمم المتحدة للوصول إلى وثائق مرجعية قال “إنها غير ملزمة للأطراف”، فرد وفد المعارضة المفاوض بثلاثة عشر استفساراً تتركز حول الموقع القانوني للآلية التشاورية، فعدَل دي ميستورا عن الآلية كلياً وأخبر المعارضة بسحب مقترحه الآلية التشاورية.

كان الخطأ القاتل للوفد المفاوض قبوله منصتي موسكو والقاهرة والذي قاد لاحقاً إلى الرياض2 ودمج منصة موسكو التي شُكّلت أساساً بالتعاون مع النظام لاختراق المعارضة فضلاً عن منصة القاهرة التي شُكّلت من أطراف موالية للقاهرة أيضاً وبرعاية من موسكو. وارتكب الوفد المفاوض خطأ جسيماً آخر بقبول السلال الأربع والتي تتجاوز مبدأ الإطار الزمني المحدد في بيان جنيف والقرار 2254.

وجد دي ميستورا طريقة لتنفيذ الآلية والالتفاف على العقبات القانونية التي طرحها الوفد المفاوض، فاقترح “مفاوضات تقنية”، تناقش السلال الأربع للوصول إلى وثائق مشتركة للمعارضات لتكون أساساً لوثيقة مشتركة مع النظام حول السلال الأربع، على الرغم من أن دي ميستورا أكد أن مخرجات هذه الاجتماعات التقنية ليست ملزمة لأي طرف إلا إذا اتفقت الأطراف على ذلك.

أدى ذلك إلى 6 لقاءات تقنية متتالية في لوزان وجنيف، وفي أحد هذه اللقاءات، وهو لقاء لوزان 5-6 يوليو/تموز 2017 التقني، وصل الفريق التقني للمنصّات مع الهيئة العليا للمفاوضات إلى وثيقة مشتركة سماها “رد مشترك على لا ورقة المبادئ الخاصة للمبعوث الأممي”. وتشير الورقة المشتركة بوضوح إلى أن الانتقال السياسي سيؤدي إلى “إعادة هيكلة الجيش وتشكيل المؤسسات الأمنية”.

حدث انقلاب حتى على الوثيقة الثلاثية للمنصات، في الوثيقة الجديدة التي سلّمها وفد المعارضة قبل يومين في 30 نوفمبر/تشرين الثاني الماضي إلى دي ميستورا، والتي تضمّنت تنازلات لم يكن متوقعاً على الإطلاق أن يقدّمها وفد باسم المعارضة في قضايا تمثل جوهر رؤية المعارضة لتحقيق مطالب الثورة. فقد تجاهلت الوثيقة كلياً موضوع الانتقال السياسي وهيئة الحكم الانتقالي، وإلغاء المرحلة الانتقالية تماماً، والتحوّل من فكرة إعادة بناء الجيش والهيكلة للأجهزة الأمنية إلى مجرد “إصلاح”. فالبند الخامس جاء بالصيغة الآتية: “يكفل الدستور إصلاح الجيش السوري ليكون جيشاً وطنياً واحداً مبنياً على أسس وطنية ملتزماً الحياد السياسي وتكون مهمته حماية الحدود الوطنية وحفظ الشعب السوري من التهديدات الخارجية ومن الإرهاب، كما يكفل الدستور إعادة هيكلة وتشكيل المؤسسات الأمنية بحيث تكون مهمتها الحصرية صون الأمن الداخلي وأمن المواطن، وتخضع للقانون وفق معايير احترام الحريات الأساسية وحقوق الإنسان وعدم تدخلها في حياة المواطنات والمواطنين اليومية وحصر حق حيازة السلاح بيد مؤسسات الدولة المختصة”.

وأغرب من هذه الصيغة الغريبة لهذا البند في الوثيقة، صيغة البند 12 والذي يشير إلى قبول مضمر بشرعية بشار الأسد. فالبند ينص على: “تُعتبر كل القوانين والمراسيم الصادرة بعد مارس/آذار من عام 2011 خاضعة لمراجعة لجان قانونية خاصة لإقرارها أو إلغائها”.
هذه الوثيقة التي سلمها، والتي يبدو أنها متفق عليها مسبقاً مع سلة مؤتمر الرياض2، وفد المفاوضات، تمثّل انقلاباً على مفاهيم المعارضة ومطالب الثورة طيلة السنوات السبع الماضية، ومن المؤكد أن هذا التنازل الذي قام به الوفد سينزع ما تبقى من شرعية لجزء منه، وأنها لن تكون قادرة على تقديم حل سياسي فضلاً عن أنها عمَّقت انقسام المعارضة.

المصدر العربي الجديد
التعليقات

عذراً التعليقات مغلقة

    عاجل