
عندما أعلنت وزارة التربية والتعليم السورية، مساء الثالث من آب/أغسطس، نتائج الشهادة الثانوية العامة لدورة 2026، كان آلاف الطلاب في محافظة السويداء خارج معادلة النجاح والرسوب. لم يرسب هؤلاء في المواد الامتحانية، بل لم يتمكن معظمهم من الجلوس على المقاعد المخصصة لهم خارج محافظتهم.
وأعلنت الوزارة أن 341 ألفاً و183 طالباً وطالبة تقدموا إلى امتحانات الثانوية بمختلف فروعها على مستوى سوريا، لكنها لم تنشر الأرقام موزعة بحسب المحافظات، ولم توضح عدد طلاب السويداء الذين تقدموا فعلياً، أو عدد الناجحين منهم، ما أبقى حجم الأزمة مخفياً داخل الرقم الوطني العام.
أكثر من ستة آلاف طالب أمام طريق مغلق
كانت مديرية التربية في السويداء قد أعلنت في نيسان/أبريل أن عدد المسجلين لامتحانات شهادتي التعليم الأساسي والثانوية في المحافظة يقارب 13 ألفاً و500 طالب وطالبة، بينما تجاوز عدد المسجلين في الشهادة الثانوية وحدها ستة آلاف طالب.
وفي 14 أيار/مايو، قررت وزارة التربية إجراء امتحانات طلاب السويداء في دمشق وريف دمشق، بدلاً من مراكزهم داخل المحافظة، وبررت القرار بالحاجة إلى توفير بيئة امتحانية آمنة وعادلة وخاضعة للإشراف الوزاري. وحددت الوزارة مراكز للطلاب، ووضعت البطاقات الامتحانية على مقاعدهم، فيما أعلنت محافظة السويداء استعدادها لتأمين النقل المجاني والإقامة في جرمانا وصحنايا وأشرفية صحنايا.
لكن تجهيز القاعات لم يكن كافياً. كان على الطالب أن يخرج من السويداء، ويعبر طريقاً متوتراً أمنياً، ثم يقيم في دمشق أو ريفها طوال فترة الامتحانات. وبالنسبة إلى كثير من العائلات، أصبحت القدرة على تقديم البكالوريا مرتبطة بوجود قريب يمكنه استضافة الطالب، أو بالقدرة على تحمل كلفة السكن والطعام والتنقل.
أرقام متباينة وغياب لإحصاء نهائي
في اليوم الأول للامتحانات، لم تتجاوز نسبة طلاب الثانوية الذين وصلوا إلى مراكزهم نحو 4% من إجمالي المسجلين، وفق كتاب صادر عن مسؤولين في مديرية تربية السويداء. وأظهرت تقديرات لاحقة للمديرية أن نسبة من تمكنوا من التقدم خلال الدورة كاملة ربما وصلت إلى نحو 21% من طلاب الثانوية بمختلف فروعها.
ويعني ذلك أن نحو أربعة من كل خمسة طلاب ثانوية في المحافظة بقوا خارج الامتحانات، وفق تقدير المديرية. إلا أن هذه النسبة لا يمكن تحويلها إلى رقم نهائي دقيق، لأن وزارة التربية لم تنشر بياناً خاصاً بالسويداء يحدد عدد المسجلين والمتقدمين والغائبين والناجحين.
كما ورد رقم آخر في تقرير صحفي نُشر خلال الامتحانات، تحدث عن وصول 238 طالباً فقط إلى مركز ثانوي موحّد في جرمانا، بينهم نحو 190 طالباً من الفرع العلمي و20 من الأدبي، بينما توزع الباقون على الفروع المهنية. ويبدو أن الرقم يمثل إحصاءً ميدانياً لمركز أو مرحلة محددة، وليس حصيلة وزارية نهائية للدورة بأكملها.
هذا التباين بين 4% في بداية الدورة، و21% كتقدير تراكمي، و238 طالباً في أحد الإحصاءات الميدانية، يكشف مشكلة إضافية: لا توجد حتى الآن قاعدة بيانات معلنة تتيح معرفة العدد الحقيقي للطلاب الذين خسروا عامهم الدراسي.
من منع الطلاب من الوصول؟
تظهر الوقائع المعلنة أن مجموعات محلية مسلحة لعبت دوراً مباشراً في تعطيل خروج الطلاب. فقد أصدرت “غرفة عمليات شهبا”، التابعة لقوات “الحرس الوطني”، بياناً في 29 أيار/مايو أعلنت فيه منع انتقال الطلاب إلى دمشق، مبررة ذلك بالمخاوف الأمنية والإنسانية.
كما أفادت مصادر محلية بأن حاجز أم الزيتون، الخاضع لسيطرة “الحرس الوطني”، منع طلاباً من التوجه إلى مراكزهم، وأن بعض شركات النقل امتنعت عن حجز تذاكر لهم بسبب تعليمات مرتبطة بحركة السفر. وفي المقابل، نفى مسؤول محلي وجود قرار موحد صادر عن سلطات المحافظة يمنع الطلاب من الخروج.
واتهمت الجهات الحكومية مجموعات تابعة للشيخ حكمت الهجري بعرقلة الحافلات وإغلاق الطريق، رغم إعلان المحافظة تكفلها بالنقل والإقامة. ونقلت الجزيرة أن قطع طريق السويداء–دمشق كان من الأسباب المباشرة لانخفاض أعداد الطلاب الذين وصلوا إلى المراكز.
وساطة أممية انتهت بلا حل
قبل موعد الامتحانات، جرت مشاورات بين الحكومة والجهات المحلية في السويداء، بمشاركة الأمم المتحدة، للوصول إلى صيغة تسمح بإجراء الامتحانات داخل المحافظة تحت إشراف وزارة التربية، أو لنقل الطلاب بصورة آمنة إلى ريف دمشق.
لكن الوساطة لم تنجح. وذكرت الأمم المتحدة أن المشاورات لم تتمكن من تجاوز التحديات القائمة، وأن الحكومة ستمضي في إجراء الامتحانات بريف دمشق. وتختلف الروايات بشأن الطرف الذي رفض كل مقترح، لكن النتيجة الثابتة كانت غياب اتفاق يسمح لغالبية الطلاب بتقديم امتحاناتهم.
هل نجح طلاب السويداء؟
الإجابة ليست واحدة لجميع الطلاب.
الطلاب الذين استطاعوا مغادرة السويداء والوصول إلى المراكز الرسمية في دمشق وريفها تقدموا إلى الامتحانات، وأدرجت نتائجهم ضمن نتائج دورة 2026. ونجح عدد منهم بالفعل، لكن وزارة التربية لم تنشر عدد الناجحين من أبناء المحافظة أو نسبة نجاحهم بصورة منفصلة.
أما غالبية المسجلين، فلم يحصلوا على نتيجة، لأنهم لم يدخلوا الامتحانات من الأساس. ولذلك لا يصح وصفهم بالراسبين، كما لا يمكنهم تقديم اعتراض على العلامات أو الاستفادة من إجراءات مراجعة النتائج، لأنهم لا يملكون نتيجة امتحانية رسمية.
أزمة مستمرة منذ دورة 2025
لا تبدأ المشكلة من العام الحالي. ففي تموز/يوليو 2025، أدت الأحداث الأمنية في السويداء إلى توقف امتحانات عدد من الطلاب وتأجيل المواد المتبقية. وفي تشرين الثاني/نوفمبر، نظمت مديرية التربية في المحافظة امتحانات محلية تقدم إليها قرابة ستة آلاف طالب، لكنها أُجريت من دون موافقة وزارة التربية أو إشرافها المباشر.
وأعلنت الجهات الحكومية آنذاك أن تلك الامتحانات غير معترف بها رسمياً، باعتبار أن وزارة التربية هي الجهة المخولة قانوناً تنظيم امتحانات الشهادات العامة. وهكذا، وجد طلاب نجحوا في الامتحانات المحلية أنفسهم غير قادرين على استخدام شهاداتهم للتسجيل في الجامعات الرسمية، واضطر بعضهم إلى محاولة إعادة البكالوريا في دورة 2026، قبل أن تعترضهم مجدداً أزمة الطريق ومكان الامتحان.
من يتحمل المسؤولية؟
تكشف الوثائق والشهادات المتاحة عن أكثر من مستوى للمسؤولية.
المسؤولية المباشرة تقع على كل مجموعة مسلحة منعت الطلاب من الحركة، أو أغلقت الطريق، أو هددت العائلات وشركات النقل. منع طالب من الوصول إلى امتحانه لا يمكن تبريره بخلاف سياسي أو أمني، خصوصاً عندما يؤدي إلى خسارة عام دراسي كامل.
وفي المقابل، تتحمل وزارة التربية مسؤولية مؤسسية عن ضمان وصول جميع الطلاب إلى امتحان وطني معترف به. فالوزارة وفرت مراكز ونقلاً وإقامة وفق بياناتها، لكن النتيجة العملية أظهرت أن هذه الترتيبات لم تكن قابلة للوصول بالنسبة إلى غالبية الطلاب. كما أن عدم نشر أرقام السويداء بصورة مستقلة، وعدم إعلان حل واضح للغائبين، يزيد الغموض حول مستقبلهم.
وتتحمل الجهات السياسية والدينية والمحلية في السويداء مسؤولية إبقاء الملف التعليمي خارج التجاذب، وقبول آلية رقابة تضمن نزاهة الامتحان واعتراف الوزارة بالنتائج. وفي الوقت نفسه، لا تُعفى الحكومة من مسؤولية إيجاد بديل واقعي عندما يتبين أن الخطة الأساسية تركت معظم الطلاب خارج القاعات.
لذلك، لا يمكن اختصار القضية في اتهام طرف واحد. فقد عجزت الأطراف مجتمعة عن تحييد الطلاب، بينما كان الطلاب الجهة الوحيدة التي دفعت الثمن.
ما مصير الطلاب الآن؟
في 17 حزيران/يونيو، طلبت مديرية تربية السويداء رسمياً إجراء دورة امتحانية خاصة داخل المحافظة تحت إشراف وزارة التربية، وأعلنت استعدادها لاستقبال المشرفين الوزاريين وتأمين سلامتهم وتنقلهم. لكن حتى 5 آب/أغسطس، لم يُعلن رسمياً عن الموافقة على دورة خاصة، أو عن جدول زمني لتعويض الطلاب الذين غابوا عن امتحانات 2026.
وبقاء الملف بلا قرار يعني أن آلاف الطلاب معرضون لخسارة عام جديد، بينما يواجه طلاب دورة 2025 مشكلة مختلفة تتعلق بالاعتراف بامتحاناتهم السابقة.
الحل الأكثر وضوحاً هو إعلان دورة استثنائية معترف بها داخل السويداء، تحت إشراف مباشر من وزارة التربية وبوجود مراقبين محايدين، بالتوازي مع نشر إحصاء رسمي يشمل عدد المسجلين والمتقدمين والغائبين والناجحين. أما استمرار تبادل الاتهامات، فلن يعيد إلى الطلاب الوقت الذي خسروه، ولن يمنحهم الشهادة التي انتظروها لعام أو عامين.








