
كنت أتساءل دائمًا، كلما مرّت أمامي صورة لامرأة تحمل طفلًا وتعبر خراب مدينة، كيف تنجو النساء في الحروب؟ وكان السؤال يبدو لي ساذجًا بعد سنوات، لأن الحرب ليست أسوأ ما يمكن أن يحدث للمرأة في أوطاننا؛ الأسوأ أن تنتهي الحرب ولا تعرف ماذا تفعل بكل الخوف الذي ربّته فيها.
نحن اللواتي خُلقنا على الخوف، أو جُبلنا عليه حتى لم نعد نعرف الفرق. السيدات الصغيرات اللواتي اختبأن طويلًا تحت جلابيب أمهاتهن، وتعلمن مبكرًا أن للعالم عيونًا كثيرة، وأن كلمة «عيب» أسرع من أقدامنا، وأن الحرام قد يبدأ أحيانًا من ضحكة مرتفعة أو نافذة مفتوحة أو رأي قيل في غير أوانه. لم نكن ثائرات بما يكفي لنصير بطلات، ولا مطيعات بما يكفي كي ننجو. كنا فقط نحاول أن تمر الأيام بأقل خسارة ممكنة.
حين بدأت الثورة كنا في أعمار لا تسمح للإنسان بفهم وطن كامل وهو بالكاد يفهم نفسه. بعضنا خاف النزول إلى الساحات، بعضنا لم يعرف مع من يقف، وبعضنا ظل يراقب الشاشات مذعورًا من الجميع. لم نكن مؤيدات بالمعنى الذي يغفر لنا التاريخ، ولا معارضات بالمعنى الذي يصنع منا سيرة جميلة. كنا بنات صغيرات في بلاد قررت فجأة أن تسأل أبناءها سؤالًا أكبر من أعمارهم: مع من أنتم؟
ولم يكن في وسعنا أن نقول إننا مع أنفسنا.
ضاعت جامعات كثيرة، وأعمال كثيرة، وأعمار كان يفترض أن تكون أقل شأنًا من أن تدخل السياسة فيها. تزوجت كثيرات في سنوات الثورة، لا لأن الحب كان أكثر حضورًا آنذاك، بل لأن الحياة حين تضيق تجعل الإنسان يتعلق بأي باب مفتوح. خرجنا إلى بلاد المنفى نحمل وصفات ناقصة للحياة. لم نكن ريفيات تمامًا ولا مدنيات تمامًا، لا متدينات بالقدر الذي يرضي المحافظين ولا متحررات بالقدر الذي يطمئن المتحررين. لا سنيات كما يريد أحد أن يعرّفنا، ولا علويات كما يريد آخر أن يخاف منا. كنا سوريات فقط، وهذه الصفة وحدها كانت أثقل من قدرتنا على الاحتمال.
في الغربة حدث أمر غريب. الأشياء التي كانت تصلنا جاهزة من البيوت صار علينا أن نتعلمها وحدنا. طبخنا الطعام من مقاطع «شام الأصيل» على يوتيوب، واتصلنا بأمهاتنا لنسأل كيف تتماسك الكبة، وكيف لا يفرط ورق العنب، وكيف يمكن لصوت امرأة على الهاتف أن يعيد مطبخًا كاملًا إلى بلد آخر. ثم أغلقنا المكالمة وخرجنا إلى العمل. عرفنا الإيجارات والإقامات والمدارس والمواصلات وأسعار الخبز، وعرفنا أن المرأة قد تستيقظ ذات صباح لتجد نفسها مطالبة بأن تكون كل شيء دفعة واحدة.
حتى الحب لم يعد يشبه القصص التي ربونا عليها. أحببنا رجالًا ثم اكتشف بعضنا أن الحب لا يعفي أحدًا من العجز. فصرنا، مرات كثيرة، النساء والرجال معًا. وحين أنجبنا صرنا الآباء والأمهات معًا، نحمل أطفالنا ونحمل معهم خوفًا مضاعفًا، كأن الأمومة في المنفى ليست أن تربي طفلًا فقط، بل أن تربي له وطنًا مصغرًا في بيت مستأجر، وأن تجيبي عن أسئلة لا تعرفين جوابها: من أين نحن؟ ولماذا خرجنا؟ ومتى نعود؟
وكانت العودة، طوال تلك السنوات، هي الكذبة الجميلة التي أبقتنا واقفات.
سنعود حين يسقط الأسد.
قلناها كثيرًا حتى بدت كأنها آخر حلقة من شارة طويلة جدًا. كنا نعتقد أن الشر له نهاية واضحة، وأن سقوط الرجل سيعيد الأشياء إلى أماكنها، وأن البلاد التي ضاعت منا ستظهر فجأة خلفه كما تظهر الغرفة حين يُفتح بابها.
سقط الأسد، ولم تظهر الغرفة.
ظهر بلد نعرفه ولا نعرفه، وظهرت فينا امرأة لم نكن نعرفها أيضًا.
وهنا بدأت الخيبة الأصعب؛ حين اكتشفنا أن الوطن لا يعود بمجرد أن يسقط من حكمه، وأن الذين عاشوا طويلًا في الخوف لا يدخلون الطمأنينة بسهولة. من اعتاد القلق تؤرقه الطمأنينة. يشك بها، يمتحنها، يبحث عن الكارثة المختبئة خلفها. حتى الفرح يصبح مشبوهًا، وحتى النصر يحتاج إلى باب طوارئ.
لذلك خفنا من التصفيق للشرع.
لا لأنني أقارن بين الرجلين، ولا لأن كل بداية نسخة من نهايتها، بل لأنني أقارن بين خوفين. بين شعب تعلّم طويلًا أن يرفع صوره إلى رجل، وشعب يخشى الآن أن يفعل الحركة ذاتها بيد مرتجفة لرجل آخر. أخاف من تلك اللحظة التي يصبح فيها السؤال خيانة لأن البلاد تحتاج إلى الهدوء، ثم يصبح النقد فتنة لأن المرحلة حساسة، ثم نصحو بعد أعوام لنكتشف أننا أجلنا حريتنا مرة أخرى بحسن نية.
لقد دفع السوريون كثيرًا من أعمارهم مقابل حق بسيط جدًا: ألا يحبوا حاكمًا كي يثبتوا أنهم يحبون بلدهم.
فلماذا يجب أن يكون لنا أب كل مرة؟
ألا يكفينا وطن؟
نريد سوريا لا تضطر فيها المرأة أن تبحث في وجه الحاكم لتعرف مقدار المساحة المتروكة لها. لا أريد أن أعرف شكل الدولة من طول تنورة امرأة، ولا من غطاء رأس أخرى، ولا من عدد النساء اللواتي يظهرن في صورة رسمية. لطيفة لا تشبهنا، وأسماء لا تشبهنا، ولا أي امرأة منفردة تستطيع أن تكون معيارًا لبلد كامل. نحن أكثر تعقيدًا من ذلك بكثير. فينا المحجبة وغير المحجبة، المؤمنة والمرتبكة، التي أنهت جامعتها والتي لم تستطع، التي تعرف السياسة والتي لا تريد أن تسمع عنها أصلًا. وما نريده ليس أن تنتصر امرأة على امرأة، بل أن يكف الجميع عن استخدام النساء ميدانًا لإعلان انتصاراتهم.
نحن لا نريد دولة تقيس أخلاق النساء بشعورهن، ولا دولة تقيس تحررهن بأجسادهن. لا نريد من أحد أن يحررنا رغمًا عنا، ولا أن يسترنا رغمًا عنا. نريد أن نخرج، للمرة الأولى ربما، من هذا الامتحان الطويل الذي كان جسد المرأة فيه ورقة الإجابة لكل أسئلة المجتمع.
ومع ذلك، ليست السياسة وحدها ما يخيفنا الآن.
ننظر إلى أولادنا ونرتبك.
نخاف أن نعلمهم الدين فيأخذهم أحد بعيدًا عنا باسم الله، ونخاف ألا نعلمهم فيضيعوا في بلاد فيها من الملاهي ما يكفي ليجعل الإنسان ينسى لماذا يعيش. نخاف أن يصبحوا مظلومين، ونخاف أكثر أن يصبحوا هم الظالمين. نخاف أن نربي طفلًا على القوة فيؤذي بها غيره، أو على المسالمة فيأكله العالم. حتى التربية عندنا لم تعد يقينًا، بل محاولة يومية ألا نورث أبناءنا الحرب التي خرجوا منها من دون أن يعيشوها.
وهنا أفهم أن أكبر ما فعلته بنا أوطاننا ليس أنها أخافتنا مرة، بل أنها جعلت الخوف طريقة تفكير.
نسبق الحياة إلى مصائبها. نضع خطة للفقد ونحن نحب، وخطة للرحيل ونحن نستقر، وخطة للعودة ونحن نغادر. من يخاف كثيرًا يصبح بارعًا في النجاة ورديئًا في الحياة.
ربما لهذا، حين يقال لنا اليوم حان وقت العودة، لا نقفز فرحًا كما تخيلنا.
نشم رائحة الدم أولًا.
هذه ليست خيانة للوطن.
إنها ذاكرة الجسد.
لقد رأينا رجالًا يعجزون، ودولًا تنهار، ومواثيق تصبح أوراقًا، وحلفاء يتبدلون، وأبوابًا كانت مفتوحة ثم أُغلقت. فقدنا ثقتنا بالسياسة بالطريقة نفسها التي يفقد بها المرء ثقته بالحب بعد خيبات كثيرة: لا يكفي أن تقول له هذه المرة مختلفة. يحتاج قلبه إلى برهان لا إلى خطاب.
وربما لهذا أيضًا لا أريد للمرأة السورية اليوم أن تكون ثائرة.
لقد ثرنا بما يكفي، حتى اللواتي لم ينزلن إلى ساحة واحدة.
الثورة ليست دائمًا أن تصرخي في الشارع. أحيانًا أن تتركي بلدك في العشرين ثم تعيدي بناء حياتك في الثلاثين، أن تتعلمي العمل بعدما قيل لك إن الرجل يتكفل بك، أن تسألي عن عقيدة ورثتها كما تسألين عن فكرة سياسية ورثتها، أن تعيدي النظر في كل شيء كنت تخافين النظر إليه.
لا أريد لها أن تكون بطلة أيضًا.
البطولة كلمة اخترعها الذين يشاهدون الألم من بعيد.
أريد لها شيئًا أقل شاعرية وأكثر ندرة.
أن تكون آمنة.
أن تعيش يومًا كاملًا ولا تفكر بما قد تخسره. أن تحب بلدها من دون أن تخاف سلطته، وأن تختلف مع سلطته من دون أن تخاف على بلدها. أن تدخل إلى الدين فلا تجد رجلًا يقف بينها وبين الله، وأن تدخل إلى الحرية فلا تجد أحدًا يشترط عليها أن تخلع جزءًا منها لتثبت أنها حرة.
أن تكون امرأة فقط.
لا قضية.
لا شرف عائلة.
لا عنوان مرحلة.
لا صورة تستخدمها سلطة لتثبت اعتدالها، ولا خصومها ليثبتوا تشددها.
امرأة تستطيع أن تخطئ من دون أن يتحول خطؤها إلى سيرة جنس كامل، وتنجح من دون أن يقال إنها استثناء، وتخاف من دون أن يقال إنها ضعيفة.
وأتساءل أحيانًا إن كان هذا كثيرًا على أوطاننا.
أن نريد فقط ألا نخاف.
ربما لأننا لم نعرف منذ البداية أن الأمان حق، ظنناه طويلًا مكافأة. شيء تحصل عليه المرأة إذا كانت مهذبة بما يكفي، صامتة بما يكفي، صالحة بما يكفي، وطنية بما يكفي.
واليوم، بعدما تغيرت البلاد وتغيرنا معها، لا أريد من سوريا الجديدة أكثر من أن تكسر هذه الجملة.
أن يولد فيها جيل من النساء لا يعرف لماذا كنا نخاف إلى هذا الحد.
وإن أنجبت طفلة ذات يوم، لا أريد أن أورثها شجاعتي.
لا أريد أن تحتاج إليها أصلًا.
أريد فقط، حين تكبر، أن تسمع قصصنا عن الخوف كما نسمع نحن قصص الأوبئة القديمة، تستغربها قليلًا ولا تفهم كيف عاش الناس هكذا.
أريدها أن تسألني: ممَّ كنتن خائفات؟
وألا أعرف كيف أشرح لها.
لأن أسوأ ما قد تفعله بنا هذه البلاد بعد كل الذي فعلته، ليس أن تجعل بناتنا يخافن مثلنا.
بل أن نجيد نحن، من فرط ما اعتدنا الخوف، تربيتهن عليه.
فلا تنجو المرأة في أوطاننا حين تتعلم كيف تواجه الخوف.
تنجو يوم تنجب امرأةً لا تعرفه…..!!








