
عقدت محكمة الجنايات الرابعة في القصر العدلي بدمشق اليوم الأحد، ثاني جلسات محكمة عاطف نجيب أحد أبرز رموز النظام البائد، والمتهم بارتكاب جرائم بحق الشعب السوري، بحضور عدد من ذوي الضحايا من محافظة درعا، وأعضاء من الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، وممثلين عن منظمات قانونية وإنسانية دولية.
وترأس الجلسة القاضي فخر الدين مصطفى العريان، وشارك في عضويتها المستشاران عبد الحميد محمد الحمود، وحسام حسين عبد الرحمن، وبحضور ممثل النيابة العامة القاضي عمر محمود الراضي.
وعرض رئيس المحكمة خلال الجلسة أسماء عدد من المتهمين الفارين، وفي مقدمتهم بشار الأسد وماهر الأسد وفهد الفريج ولؤي العلي ووفيق ناصر وآخرون، مبيناً أن المحكمة قررت تثبيت غيابهم بعد تبلغهم أصولاً وعدم حضورهم، والسير بحقهم غيابياً وتجريدهم من الحقوق المدنية ووضع أموالهم المنقولة وغير المنقولة تحت إدارة الحكومة، وفق أحكام المادة 322 من قانون أصول المحاكمات الجزائية.
وتركزت جلسة المحاكمة بشكل أساسي على استجواب عاطف نجيب، وتوجيه مطالعة النيابة، وتوجيه القاضي له عدة تهم تتعلق بتحمله مسؤوليات قيادية مباشرة ومشتركة عن أفعال وصفت بأنها “منهجية” استهدفت المدنيين في محافظة درعا، وشملت القتل والتعذيب والاعتقال التعسفي، خلال فترة توليه رئاسة فرع الأمن السياسي في المحافظة آنذاك.
وأشار قرار الاتهام إلى أن الأجهزة الأمنية في النظام البائد قامت في شباط عام 2011 باعتقال أطفال وطلاب مدارس على خلفية كتابات سياسية، حيث تعرض المعتقلون لأساليب تعذيب جسدي ونفسي، بينها الصعق الكهربائي والضرب المبرح، ما أدى إلى وفاة عدد منهم، إضافة إلى رفض الإفراج عن المعتقلين وصدور تهديدات بحق ذويهم.
كما تضمنت التهم المشاركة في قمع الاحتجاجات السلمية باستخدام القوة المفرطة والرصاص الحي، والمشاركة فيما عرف بـ”مجزرة المسجد العمري”، إلى جانب اتهامات بالقتل الجماعي الممنهج واستهداف المتظاهرين السلميين وارتكاب عمليات تعذيب أفضت إلى الموت داخل مراكز الاحتجاز، إضافة إلى الاشتراك مع قيادات أمنية عسكرية وسياسية ضمن بنية هرمية منظمة في ارتكاب هذه الانتهاكات الجسيمة.
الأفعال المنسوبة للمتهمين ترقى إلى جرائم حرب
وبيّن القاضي أن المحكمة تنظر في القضية ضمن إطار العدالة الانتقالية، واستناداً إلى أحكام الإعلان الدستوري الصادر عام 2025، إضافة إلى الاتفاقيات والمعاهدات الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني، مشيراً إلى أن الأفعال المنسوبة للمتهمين ترقى إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، ولا تخضع للتقادم أو العفو.
كما أشار إلى أن الأفعال المنسوبة إلى المتهمين تشكل أيضاً جرائم معاقباً عليها بموجب قانون العقوبات السوري، بينها القتل العمد والتعذيب والخطف وإثارة الحرب الأهلية والاقتتال الطائفي وغسل الأموال.
وفي ختام الجلسة، أصدر القاضي العريان قراراً بوقف البث المباشر من داخل قاعة المحكمة أمام وسائل الإعلام، نظراً لما تتضمنه المرافعات والأسئلة من وثائق وأسماء شهود محميين ومعلومات سرية، مع الإبقاء على علنية الجلسة بحضور ممثلي الادعاء والنيابة العامة، وتكليف إعلام وزارة العدل بتوثيق وقائعها. بينما علقت المحكمة الجلسة إلى يوم التاسع عشر من أيار الجاري.
الجرائم المرتكبة لا تسقط بالعفو أو التقادم
بدوره، أكد ممثل النيابة العامة القاضي عمر محمود الراضي خلال جلسة المحاكمة، أن ما شهدته محافظة درعا عام 2011 شكل بداية لمسار طويل من الانتهاكات بحق المدنيين، مشدداً على أن الجرائم المرتكبة “ترقى إلى جرائم ضد الإنسانية ولا تسقط بالعفو أو التقادم”.
وقال الراضي في مرافعته: إن “درعا كانت مهد الثورة، ومنها يجب أن يبدأ مسار العدالة”، موضحاً أن الأحداث بدأت عقب اعتقال أطفال كتبوا عبارات مناهضة للنظام على جدران مدرستهم، حيث تعرضوا، بحسب المرافعة، لأشد أنواع التعذيب، بما في ذلك قلع الأظافر والصعق الكهربائي.
وأضاف: إن وجهاء من أهالي درعا تدخلوا للإفراج عن الأطفال، إلا أن المتهم عاطف نجيب، الذي كان يشغل منصب رئيس فرع الأمن السياسي في درعا آنذاك، أساء إليهم، معتبراً أن تلك التصرفات كانت الشرارة التي فجرت الاحتجاجات والمظاهرات السلمية في المحافظة.
إطلاق الرصاص الحي على المتظاهرين السلميين
وأشار ممثل النيابة العامة إلى أن الأجهزة الأمنية، بمشاركة عدد من المسؤولين الأمنيين الفارين، بينهم لؤي العلي ووفيق ناصر وقصي ميهوب وطلال العيثاني، واجهت الاعتصامات السلمية، ولا سيما اعتصام المسجد العمري، بإطلاق الرصاص الحي، ما أدى إلى ارتقاء قتلى وجرحى بين المتظاهرين والمشيعين.
كما اتهم الراضي عاطف نجيب وعناصره بمنع سيارات الإسعاف من الوصول إلى الجرحى وإطلاق النار على المصابين، ما تسبب بوفاة عدد منهم، إضافة إلى ارتكاب ما وصفها بـ”مجزرة الأمن السياسي” خلال محاولة أهالي المدينة فك الحصار المفروض عليها بشكل سلمي.
وأوضح أن الأحداث تصاعدت مع وصول ماهر الأسد ومحمد أيمن عيوش إلى درعا برفقة قوات من الفرقة الرابعة، وارتكاب عمليات قتل واعتقال وتعذيب، بأوامر من قيادات عسكرية وسياسية في النظام البائد، وفق ما ورد في ملف الدعوى.
وأكد ممثل النيابة العامة أن الأدلة الواردة في ملف القضية تثبت ارتكاب المتهمين جرائم القتل العمد والقتل لأكثر من شخص، والقتل القصد بحق أطفال دون سن الخامسة عشرة، إضافة إلى التعذيب المفضي إلى الموت والحرمان من الحرية والتحريض على القتل.
وشدد الراضي على أن هذه الجرائم تُعد من الجرائم ضد الإنسانية، ما يجعل القضاء السوري مختصاً بالنظر فيها وفق أحكام القانون الجزائي السوري ومبادئ القانون الدولي، خاتماً مرافعته بالقول: “إن هذه الجرائم لا تسقط بالعفو، وإن مصير كل من أجرم بحق الشعب السوري سيكون المساءلة أمام القضاء”.
وتأتي هذه المحاكمة ضمن إطار رؤية أوسع تسعى الدولة من خلالها إلى بناء منظومة عدالة تضمن عدم تكرار الانتهاكات التي تعرض لها السوريون، وتشمل محاسبة المسؤولين عن الجرائم، وتعويض المتضررين، وتوثيق الأحداث التي شكلت مفاصل أساسية في تاريخ البلاد.
يُذكر أن المتهم عاطف نجيب، ابن خالة بشار الأسد، شغل سابقاً منصب رئيس فرع الأمن السياسي في محافظة درعا، وهو مسؤول عن حملات القمع والاعتقال خلال بدايات الثورة عام 2011، بما في ذلك حادثة اعتقال أطفال درعا في آذار من العام نفسه.
وكان نجيب قد أُدرج على قائمة العقوبات الأمريكية في الـ29 من نيسان 2011، وعلى قائمة العقوبات الأوروبية في الـ9 من أيار 2011، لتورطه في انتهاكات بحق المدنيين.
وفي الـ31 من كانون الثاني عام 2025، أعلن مدير الأمن العام في محافظة اللاذقية المقدم مصطفى كنيفاتي إلقاء القبض على نجيب، بالتعاون مع القوى العسكرية، وتحويله إلى الجهات المختصة تمهيداً لمحاكمته.








