

تنصرف أنظار العالم اليوم، الأربعاء، إلى إسلام أباد، حيث تستأنف المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، ويتطلع الجميع إلى نجاح جهود رئيس الوزراء، شهباز شريف، وقائد الجيش، عاصم منير، في إبرام اتفاق، أو أقله، تمديد فترة الهدنة، بما يجنب منطقة الخليج العودة إلى الصدام العسكري، وإدخال العالم في كارثة اقتصادية محققة. ورغم أنها قوة نووية (تملك نحو 180 رأسا نوويا، ما يجعلها السادسة بين القوى النووية التسع)، لم تكن إسلام أباد تثير، حتى وقت قريب، اهتماماً كبيراً في دوائر السياسة الإقليمية والعالمية، بل كان ينظر إليها غالباً دولة هشة، فقدت أهميتها الجيوسياسية بعد انتهاء الحرب الباردة، وباتت تقترب، بسبب أوضاعها الاقتصادية الصعبة، سوء الإدارة، وسيطرة الجيش على الحياة السياسية، من كونها دولة فاشلة. لكن هذا الوضع أخذ يتغيّر على نحو ملحوظ، خلال العام المنصرم، بفعل ثلاثة تطورات مهمّة: أولها، المواجهة العسكرية بين الهند وباكستان، في مايو/ أيار 2025، وتمكّن فيها سلاح الجو الباكستاني من إلحاق هزيمة نكراء بسلاح الجو الهندي، في واحدة من أكبر المواجهات الجوية الحديثة، شاركت فيها أكثر من مائة طائرة من الجانبين. وقد أحدثت صور طائرات رافال الهندية (فرنسية الصنع) التي أسقطتها باكستان، باستخدام مقاتلات J-10C صينية الصنع، زلزالاً في العالم، ولفتت انتباه الرئيس ترامب إلى قائد الجيش الباكستاني، الذي برز اسمُه، بعدها، على الساحة الدولية، باعتباره الحاكم الفعلي لباكستان، خصوصاً بعد أن أطاح حكومة رئيس الوزراء السابق، عمران خان، في انقلاب برلماني.
التطور البارز الثاني الذي استفادت منه باكستان، تحولها إلى قطب مركزي في نظام الأمن الإقليمي الخليجي بعد تراجع ثقة دول الخليج العربية بالضمانات الأمنية الأميركية، وخصوصاً بعد سماح إدارة الرئيس ترامب لحكومة رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي، نتنياهو، بالاعتداء على قطر في سبتمبر/ أيلول 2025، واستهداف الوفد المفاوض لحركة حماس في الحرب على غزّة. وقد أعاد هذا الحادث باكستان إلى دائرة الاهتمام الخليجي بعد أن تحوّل عنها إلى الهند، خصوصاً بعد توقيع اتفاقية إنشاء المعبر الهندي- الشرق أوسطي- الأوروبي، برعاية أميركية، في نيودلهي، في أثناء قمة الاقتصادات العشرين الكبرى، في سبتمبر 2023. تغير المشهد كلياً بعد عامين (سبتمبر 2025) عندما ظهر رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف، وقائد الجيش عاصم منير، في الرياض، لدى توقيع اتفاقية الدفاع الاستراتيجي المشترك مع السعودية.
ولأنه في السياسة، كما في غيرها من المجالات، مصائب قوم عند قوم فوائد، برزت باكستان (إلى جانب دول أخرى، طبعا، مثل روسيا وتركيا) باعتبارها أحد كبار المستفيدين من الحرب على إيران، وهو التطوّر البارز الثالث الذي أسهم، في غضون عام، في استعادة باكستان أهميتها، وتعزيز مكانتها قوة إقليمية ذات فائدة كبرى للولايات المتحدة. كانت باكستان، في فترة الحرب الباردة، أحد أبرز حلفاء الولايات المتحدة، ولعبت دوراً مركزياً في هزيمة الاتحاد السوفييتي، في أفغانستان، ثم فقدت تلك المكانة، وتدهورت صورتها أكثر بعد أحداث 11 سبتمبر (2001)، واتهامها أميركيا بدعم حركة طالبان، وبأنها “منبع كل الجماعات الإسلامية المتشددة في العالم”. وقد انتقدها ترامب نفسه، في ولايته الأولى، وجمّد مساعداتها العسكرية. لكن الوضع تغيّر، خصوصاً في الظروف الراهنة، إذ يعدّ الدور الباكستاني فريداً وأساسياً في المفاوضات مع إيران. وإذا كانت هناك دولة لا ترغب إيران في كسب عداوتها اليوم فهي، بالتأكيد، باكستان التي تشترك بحدود برّية طويلة معها، من جهة، وترتبط، من جهة ثانية، باتفاقيةٍ دفاعيةٍ مع خصمها، السعودية.
فوق هذا، تدرك إيران أهمية العلاقة الشخصية القوية التي تربط قائد الجيش الباكستاني بالرئيس ترامب، وتعتمد عليه في نقل الأفكار إليه، والتأثير عليه. وما يعزّز من مصداقية الموقف الباكستاني في المفاوضات أيضا أن لباكستان مصلحة حقيقية في وقف الحرب، لأنها تخشى التورّط فيها، بسبب اتفاقها الدفاعي مع السعودية، ولخشيتها من انعكاسات هذه الحرب على الداخل الباكستاني نظراً إلى وجود أقلية شيعية كبيرة فيها (20% من 240 مليونا). ويقلقها، فوق هذا، احتمال تفكك إيران وتداعياته على مناطق باكستان الحدودية معها، خصوصاً إقليم سيستان بلوشستان، الذي تنشط فيه جماعات انفصالية. على الأرجح، ونظراً إلى التحوّلات العميقة التي تسببت بها حرب إيران في البنية الأمنية الإقليمية لكل منطقة غرب آسيا، ستتحوّل باكستان إلى أحد أبرز الفاعلين فيها، خلال المرحلة المقبلة.





