

على هامش مؤتمر أنطاليا الدبلوماسي بنسخته الخامسة، والمنعقد حالياً في تركيا، أعلن الرئيس السوري أحمد الشرع، في حوار، أن سوريا تعمل للوصول إلى اتفاق أمني مع إسرائيل. وقال الشرع إن العمل جارٍ اليوم للتوصل إلى اتفاق يضمن انسحاب إسرائيل من الأراضي التي احتلتها بعد سقوط نظام الأسد في 8 ديسمبر/كانون الأول 2024، وعودتها إلى خطوط 1974. وأكد أن دمشق قد تنخرط في مفاوضات طويلة الأمد لحل قضية الجولان المحتلة، في حال نجاح الوصول إلى اتفاق.
موقف الشرع ليس جديداً، فقد أعلن مراراً عن رؤيته ورغبته في عدم الدخول في صراع مع أي من دول الجوار، بما في ذلك إسرائيل، كما انخرطت دمشق في مفاوضات مباشرة معها برعاية أميركية.
وعلى هامش المؤتمر نفسه، أعلن المبعوث الأميركي الخاص إلى دمشق، توم باراك، أن سوريا لم تطلق أي صاروخ باتجاه إسرائيل، وأنها “تؤدي عملاً رائعاً” في مجالات الحوار والتعاون الدبلوماسي في المنطقة. وفيما اعتبر أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لا يكترث بالخطوط، لا حدود 1967 ولا 1974 ولا خط 8 ديسمبر، أكد أن سوريا تصرفت بعقلانية بعدم انخراطها في الصراع الدائر، مشيراً إلى أن الوقت قد حان لاستئناف المحادثات بين سوريا وإسرائيل، وأنه “قد نصل إلى اتفاق حتى قبل لبنان”.
يبدي الشرع اهتماماً كبيراً بالأمن، إذ يُدرك أن تطبيق رؤيته الاقتصادية والتنموية يحتاج إلى بيئة آمنة ومستقرة، وإلى مشاريع ضخمة واتفاقات تتيح الاستفادة من الموقع الاستراتيجي لسوريا وتحويله إلى نقطة وصل.
موقف الشرع ليس جديداً، فقد أعلن مراراً عن رؤيته ورغبته في عدم الدخول في صراع مع أي من دول الجوار، بما في ذلك إسرائيل
تحويل سوريا إلى بيئة آمنة بعد حرب استمرت 14 عاماً ليس بالأمر السهل. فقد حوّل نظام الأسد البلاد إلى ساحة تتلاعب بها الدول، وأدخل ميليشيات موالية لإيران، إضافة إلى تدمير أجهزة الدولة الأمنية وتحويلها إلى أدوات لإرهاب السوريين وقتلهم بدلاً من حماية أمنهم وأمن البلاد. كما أدت الثورة- بسبب ما تعرضت له من عنف من قبل النظام وحلفائه، وتخاذل دولي أحياناً وتنافس أحياناً أخرى- إلى ظهور مئات الفصائل. كما أن ترتيب هذه الفوضى وبناء مؤسسات أمنية على أسس وطنية أمر لن يتم بين ليلة وضحاها، بل يحتاج إلى وقت ليس بالقصير.
مسألة “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) حُلّت مبدئياً، لكن ملف السويداء ما زال مجمداً. وقد بدأ العمل على بناء جيش وأجهزة أمنية، إلا أن سلاح بعض الميليشيات والعشائر لا يزال متفلتاً، كما تحقق الانسحاب الأميركي. لكن التوصل إلى اتفاق مع إسرائيل لا يزال عالقاً بسبب تعنت رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.
ورغم أن العمل جارٍ اليوم على إعادة ترتيب الوضع الداخلي أمنياً، وقد حققت الحكومة تقدماً لا بأس به، خصوصاً في موضوع حماية الحدود ومحاربة “داعش”، فإن الاتفاق الأمني مع إسرائيل يبقى أولوية لتحقيق الاستقرار. فإسرائيل لا تكتفي باحتلال أراضٍ سورية وانتهاك السيادة، بل تحاول أيضاً استغلال ملفات داخلية عدة لمنع الوصول إلى استقرار حقيقي. ولو كان الأمر يتعلق بمصلحة إسرائيل كدولة، لا بمصلحة نتنياهو وحده، لكان ما قاله باراك دافعاً للمضي قدماً نحو اتفاق أمني.
إسرائيل لا تكتفي باحتلال أراضٍ سورية وانتهاك السيادة، بل تحاول أيضاً استغلال ملفات داخلية عدة لمنع الوصول إلى استقرار حقيقي
المرحلة الانتقالية في سوريا لا تشبه نظيراتها في الدول الأخرى التي مرت بتجارب مشابهة. فالعين قد ترى جزءاً من حجم الدمار الذي تسبب به الأسد، لكن المرء بحاجة إلى التمعن والبحث المعمّق ليدرك حجم الفساد الذي خلّفه داخل المؤسسات، والانقسام في المجتمع. والقول إن الثورة ورثت دولة مهترئة بالكامل ليس مبالغة.
لقد أعلن الشرع مراراً عن رؤيته الاقتصادية، وأكد أن سوريا لن تكون مصدر تهديد لأحد. لكن اللافت هو حجم التضارب في الرؤى داخل دوائر السلطة، لا سيما في الصفين الثاني والثالث. فالمسألة لا تتعلق بحرية الرأي بقدر ما تتعلق بالمسؤولية. من يسعَ ليكون جزءاً من السلطة، في هذه المرحلة أو غيرها، عليه أن يعمل وفق رؤية واستراتيجية واضحة أعلنها رئيس هذه السلطة. أما أسلوب “كلٌّ يغني على ليلاه”، على الطريقة اللبنانية، فقد تتجاوز انعكاساته حدود سوريا، ويتحول إلى عائق حقيقي.
أيّ سوريا نريد؟ قال الشرع: “إن سوريا ستشبه ماضيها العريق، معتمدة على إرثها الحضاري في بناء مستقبلها”. وطالب السوريون بسوريا التي تشبههم بتنوعهم واختلافاتهم، وهو المحور الذي يجب أن نتمسك به في وجه دعاة الأحادية سواء انتموا للسلطة أم لسواها.





