لماذا ستفشل إيران في ابتلاع هرمز؟

مروان قبلان16 أبريل 2026آخر تحديث :
لماذا ستفشل إيران في ابتلاع هرمز؟

عندما بدأت الحرب الأميركية – الإسرائيلية على إيران كان هدفها توجيه ضربة قاصمة للنظام، عبر تحييد قيادته السياسية والأمنية والعسكرية، بما يؤدّي إلى استسلامه، كما أملت إدارة ترامب، أو إطاحته بثورة شعبية، كما تمنّت إسرائيل. لكن استيعاب النظام الإيراني الصدمة، وتوجهه إلى إغلاق مضيق هرمز، مكّنه من أداة ضغط قوية ساهمت في انتزاع موافقة أميركية على وقف إطلاق النار، والعودة إلى طاولة المفاوضات، مع إمكانية الحصول على صفقة أفضل. لكن مقاربة النظام الإيراني للمضيق أخذت تتغيّر، إذ صار ينظر إليه باعتباره “كنزاً استراتيجياً” لفترة ما بعد الحرب (الإوزّة التي تبيض ذهباً)، بعد أن كان مجرّد أداة ضغط لوقفها. وعليه، بدأت طهران مسعاها إلى تغيير الوضع القانوني للمضيق من ممرّ مائي دولي يخضع لاتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982، والتي تضمن حرية الملاحة للسفن العابرة، إلى ممرّ إقليمي تتشارك الدول المتشاطئة السيطرة عليه، ويخضع لقوانينها الوطنية. وإذا تمكّنت إيران من فرض دولار واحد رسم عبور على كل برميل نفط يعبر المضيق، كما تأمل، فهذا يعني أنها قد تحصّل إيرادات من رسوم عبور المضيق تفوق ما تبيعه من نفط سنوياً. فوق هذا، إذا نجحت إيران في السيطرة على المضيق، وفرضت قوانينها الوطنية عليه، فهذا يعني أننا بصدد نظام أمن إقليمي جديد في الخليج تحتلّ موقع الرأس فيه، بعد أن كانت على هامشه، وصارت، إضافة إلى هذا، تقرّر سياسات دوله، عبر التحكّم بصادراتها من الطاقة ووارداتها من السلع والبضائع والمواد التموينية، بما فيها الغذاء والدواء، وحتى السلاح. سوف يصبح بمقدور إيران أيضاً استغلال حاجة الدول إلى الطاقة، فتكافئ من يسايرها وتعاقب من يقف ضدّها. دول كثيرة ستعمد هنا إلى خطب ود إيران لضمان مرور سفنها الخارجة من المضيق محمّلةً بالطاقة أو الداخلة، بالسلع والبضائع، إليه.

يمكن لإيران أيضاً أن تتحكّم بأسعار الطاقة العالمية من خلال تحديد كمية النفط والغاز التي تُنتج وتُصدّر عبر المضيق. وهذا يعني أن إيران سوف تمتلك نفوذاً اقتصادياً وسياسياً أكبر بكثير مما يستطيع العالم احتماله. حتى اللحظة، ما زالت أكثر الدول تنظر إلى أزمة المضيق مشكلة أميركية، نظراً إلى مسؤولية إدارة ترامب عن التسبّب بها. لكن هذه النظرة بدأت تتغيّر مع إدراك حجم المخاطرة بترك إيران تسيطر عليه، فوق أنّ هذا يفتح الباب أمام دول أخرى لادّعاء السيطرة على المضائق المائية التي تشرف عليها، مثل اليمن وجيبوتي وإرتيريا التي تشرف على مضيق باب المندب، وماليزيا وإندونيسيا وسنغافورا المطلة على مضيق ملقا، وإسبانيا وبريطانيا اللتين تتشاركان الإطلالة على مضيق جبل طارق… إلخ. هذا يقوّض أسس النظام الليبرالي الدولي الذي يقوم على حرية التجارة، وسوف ترفضه الصين، واليابان، وأوروبا لأسباب تجارية وقانونية، بمقدار ما سترفضه الولايات المتحدة لأسباب استراتيجية.

شكّل مضيق هرمز في مفاوضات إسلام أباد إحدى أبرز نقاط الخلاف التي أفشلتها، إذ تعتبر إيران السيطرة عليه أبرز مكسب يمكن أن تخرج به من الحرب، وهو تماماً ما دفع واشنطن إلى فرض حصار على إيران والمخاطرة برفع إضافي لأسعار الطاقة، نتيجة خسارة نحو 1,6 مليون برميل من النفط الذي تضخّه إيران يومياً في عروق الاقتصاد العالمي. يؤشّر هذا المسلك إلى تحوّل في الاستراتيجية الأميركية التي كانت تسمح لإيران بتصدير نفطها حفاظاً على استقرار الأسعار، رغم أن إيران تمنع دول الخليج من تصدير نفطها وغازها. وهذا يعني تبنّي العمل بالقاعدة التي ابتدعتها إيران نفسها: “إما أن يكون الجميع قادراً على تصدير نفطه أو لا أحد”. تأمل إدارة ترامب أن تدفع هذه الخطوة إيران إلى التخلي عن ورقة المضيق. لكن ماذا لو تمسكت إيران بموقفها، هل تذهب واشنطن إلى أبعد، وتحاول فتح المضيق بالقوة؟ لا تبدو إيران في وضع يسمح لها باستئناف الحرب، كما باتت تدرك أن العالم لن يستطيع الصبر كثيراً على استمرار إغلاق هرمز، دع جانباً مسألة سيطرة إيران عليه، مع تبلور مبادرة فرنسية – بريطانية مشتركة، قد تنضم إليها دول أخرى، لاستعادة الأمن في المضيق، ولا تعارضها الصين؛ أحد أكبر المتضرّرين من إغلاقه. في المحصلة، سوف تكتشف إيران قريباً، ربما، أنها تحاول ابتلاع لقمة أكبر بكثير من قدرتها على المضغ.

المصدر العربي الجديد

اترك رد

عاجل