

منذ اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران في 28 فبراير/ شباط 2026، بدأت انعكاساتها وارتداداتها، تمتد لتشمل جميع دول المنطقة، حيث قصفت القوات الإيرانية بالصواريخ والمسيرات مواقع ومنشآت عديدة في جميع دول الخليج، إضافة إلى الأردن، وإقليم كردستان العراق، وطالت صواريخها، وإن بدرجة أقل بكثير، كلا من قبرص، وتركيا، وأذربيجان.
وضعت المستجدات المتسارعة للحرب الدائرة سوريا في قلب تداعياتها، بوصفها ساحة يتقاطع فوقها مسار النيران، حيث تتساقط شظايا الصواريخ الإيرانية والمسيرات، التي يتم اعتراضها إسرائيليا، في عدة مناطق في جنوبي سوريا وشمالها.
وباتت سوريا في مواجهة تطورات مفتوحة على احتمالات عديدة وخطيرة، خاصة مع اتساع ساحة الحرب لتشمل لبنان، بعد انخراط حزب الله فيها لإسناد إيران، إضافة إلى دخول قوى عراقية حليفة لطهران على خط المواجهة، الأمر الذي أعاد إلى الواجهة مخاطر انزلاق أمني، وتوسيع نطاق الصراع الذي قد يشمل دولا أخرى في المنطقة بصورة مباشرة، أو غير مباشرة.
معادلة صعبة
وجدت الإدارة السورية نفسها في وضع دقيق، حيث فرضت عليها الحرب معادلة صعبة في هذه المرحلة الانتقالية والحساسة من تاريخ سوريا، تجمع بين طرفيها ضرورة إعادة تعريف نفسها في منطقة مشتعلة، ومحاولتها التعافي والنهوض من الركام، وبناء اقتصادها المدمر، في ظل عاصفة الحرب العاتية وإرهاصاتها على المنطقة، خاصة أنها سعت جاهدة إلى طي صفحة دورها الإقليمي السابق الذي كان يمارسه نظام الأسد البائد.
يكمن خلف هذه المعادلة الدقيقة مسعى يهدف إلى رسم صورة جديدة لسوريا، بوصفها دولة تمتلك قرارها المستقل، وليست منخرطة في أي محور إقليمي، كما أنها لن تبني موقفها من طهران بناء على سجل إيران السابق في سوريا.
بالمقابل، لا تريد الإدارة السورية، ومعها غالبية السوريين، أن تشكل بلادهم ساحة في المواجهة الدائرة، ولن يقبلوا بأن تكون، مرة أخرى، ممرا لدعم بعض الأطراف، لذلك أرسلت وزارة الدفاع السورية تعزيزات عسكرية إلى الحدود مع كل من العراق، ولبنان، وإسرائيل، وذلك في إطار السعي إلى حماية الحدود، وضبطها، ومنع أي اختراقات محتملة من قبل مجموعات مسلحة، في ظل توسع دائرة الصراع، إلى جانب منع عمليات تهريب الأسلحة والمخدرات.
ما تخشاه سوريا هو أن تطالها الحرب الأمريكية الإسرائيلية، خاصة بعد أن امتدت نيرانها لدول الجوار، لذلك تسعى الإدارة السورية إلى حصر تأثيراتها، ومنع أي استخدام للأراضي السورية من قبل أطراف الحرب، مع الحفاظ على موقف الحياد النسبي في مواجهة الاستقطابات الحاصلة.
الإجراءات اللازمة
تشير الإجراءات الاحترازية التي اتخذتها الإدارة السورية لسعيها إلى تحصين سوريا، وتقليل مخاطر وتداعيات الحرب الدائرة، خاصة في ظل تصاعد المخاوف من توسع رقعة المواجهة لتشمل ساحات إضافية في الشرق الأوسط.
عسكريا، لا تملك سوريا في وضعها الراهن قدرة دفاعية تتيح لها فرض قيود فعلية على استخدام أجوائها من قبل المقاتلات الإسرائيلية في سياق عملياتها العابرة ضد إيران، الأمر الذي يجعل هوامش مناورتها العسكرية محدودة، ويحوّل إدارة المجال الجوي إلى مسألة سياسية تفاوضية أكثر منها عسكرية صِرفة.
غير أن الانتهاكات والاعتداءات متعددة الأوجه، التي تمارسها كل من إسرائيل وإيران بحق السيادة السورية، تدفع باتجاه تحويل البلاد قسريا إلى ساحة صراع متصاعد في المنطقة، دون رغبة الإدارة السورية أو موافقتها.
تنهض المقاربة السورية للمستجدات في المنطقة على تثبيت مبدأ عدم انخراط سوريا في الصراع الدائر، وتعزيز الحدود مع لبنان، والعراق وضبطها، إلى جانب تفعيل قنوات سياسية مع الدول الفاعلة؛ بغية التأكيد على عدم تحويل أجوائها وأراضيها إلى منصة بين القوى المتصارعة.
وبالتالي، فإن المعالجة السياسية لآثار الحرب، في ظل محدودية الخيارات العسكرية، تمثل الأداة الأساسية من أجل الحفاظ على الاستقرار الداخلي في سوريا، وتفادي انتقال المواجهة إلى المجال السوري.
الموقف السوري
برز الموقف السوري كحالة سياسية مركّبة، تجمع بين الحذر الشديد وتوجيه رسائل ضمنية، فقد آثرت الإدارة السورية التزام الصمت حيال المواجهات المباشرة بين طرفي الصراع، كما أنها حرصت على إعلان دعمها سيادة دول الخليج وأمنها في مواجهة أي انتهاك إيراني.
عكس هذا الموقف إستراتيجية دأبت عليها الإدارة السورية الجديدة، وتسعى فيها إلى تحقيق نوع من التوازن بين المصلحة الوطنية السورية والمصالح المشتركة للأطراف الإقليمية والدولية. ويشمل ذلك قضايا الأمن والدفاع، وتقوية العلاقة مع الولايات المتحدة مع إدارة الخلافات مع إسرائيل.
اقتضى الموقف السوري البحث عن نوع من التوازن بين الامتناع عن الانخراط في أتون الصراع من جهة، والتأكيد على التضامن العربي من ناحية أخرى، وذلك في محاولة من القيادة السورية التصرف بما يمليه عليها وضعها الجيوسياسي، ويجنبها تكلفة الاصطفاف في مواجهة مفتوحة، دون التخلي عن انخراطها في المنظومة العربية مع اعتماد خطاب سياسي، يرتكز إلى مبدأ احترام سيادة الدول.
سارع الرئيس السوري أحمد الشرع إلى إجراء اتصالات مع عدد من القادة العرب، خاصة في دول الخليج، لبحث تداعيات الحرب، وإيجاد سبل لتنسيق عربي لمواجهة انعكاساتها على أمن دول المنطقة واستقرارها، مع تأكيده دعم بلاده الكامل وتضامنها مع الدول العربية، ورفضه الاعتداءات الإيرانية التي تنال من سيادتها.
وأبدى استعداد سوريا لكل أشكال التعاون، بما في ذلك فتح الجغرافيا السورية كممر تجاري إستراتيجي، يمكن الاعتماد عليه لنقل البضائع عبر البر السوري والموانئ، كبديل عن الممرات البحرية التي تشهد توترات أمنية متصاعدة.
المقترح السوري
اقترح الشرع خلال اتصالاته إنشاء غرفة عمليات عسكرية مشتركة بين الدول العربية للتعامل مع تداعيات الحرب، وطرح أفكارا حول بناء منظومة عربية إقليمية متكاملة، تهدف إلى منع إسرائيل من الاستفراد بالدول العربية، دولة بعد أخرى، خصوصا أن هذ الصراع غيّر جملة من القواعد والتفاهمات الأمنية والعسكرية، بعد أن طالت نيران الحرب عدة دول عربية.
ينهض المقترح على البحث عن صيغة مرنة للتعاون والتنسيق بين وزارات الدفاع العربية، يتم بواسطتها تبادل المعلومات الأمنية والاستخباراتية، ووضع خطط مشتركة لمواجهة الاعتداءات والحروب، والتنسيق في تأمين الحدود والمجالات البحرية.
إضافة إلى تنظيم تدريبات عسكرية مشتركة، وإنشاء مراكز تخطيط إستراتيجي. ويمتد التعاون إلى الصناعات الدفاعية والدعم اللوجيستي العسكري، وتقوية القدرات العربية في مجال الأمن السيبراني والتصدي للحروب الإلكترونية.
حيث يمكن تحقيق مكاسب عديدة للدول العربية في مجال الدفاع، وتأمين قدرة على الردع الجماعي، فقد كشفت هذه الحرب ضرورة الاعتماد على القدرات العربية لحماية أمن الدول العربية.
تفسير التعزيزات
اقترن الموقف السوري من الحرب على إيران بإرسال تعزيزات عسكرية إلى الحدود مع كل من العراق، ولبنان؛ بغية تأمين الحدود وضبط الوضع فيها، ومنع أي اعتداء على سوريا، وذلك في ظل التخوف من قيام الطرف الإسرائيلي بافتعال إشكاليات أمنية بين سوريا وكل من لبنان، والعراق.
بيدَ أن بعض الأطراف حاولت تصوير التعزيزات العسكرية وكأنها محاولة سورية لاستغلال ظروف الحرب من أجل التدخل في لبنان والانخراط في معركة ضده.
وهو أمر حسب هذه التصورات يراد منه توسيع نطاق النفوذ أكثر، والتدخل إما في لبنان، أو العراق، وهو ما نفاه الشرع، وأكد عليه خلال اتصالاته مع الرئيس اللبناني جوزيف عون، ورئيس الحكومة نواف سلام، ورئيس الحزب التقدمي الاشتراكي السابق وليد جنبلاط، ومع كل من رئيس حزب الكتائب سامي الجميل. وأعاد التأكيد عليه خلال الاتصال الثلاثي الذي شارك فيه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون.
حيثيات الموقف
يستدعي الموقف السوري تساؤلات حول حيثياته وأبعاده، ومدى مقدرته على الموازنة بين علاقات سوريا الدولية والإقليمية ومستلزمات التضامن العربي، وذلك في ظل مرحلة حساسة تمرّ بها منطقة الشرق الأوسط، ويعاد فيها بالقوة رسم الخرائط، والاصطفافات، ومناطق النفوذ.
تأمل الإدارة السورية في أن يفضي الصراع في المنطقة إلى رؤى جديدة، خاصة فيما يتعلق بمستقبل الممرات البرية والتجارة الإقليمية، وذلك في إطار سعيها في أن تتحول إلى ممرّ بري يربط أوروبا بالخليج وشمال أفريقيا، بالاستناد إلى تحالفاتها الجديدة مع الولايات المتحدة ودول الخليج، إلى جانب علاقاتها المميزة مع تركيا، وانفتاحها على الجانب الروسي.
تعي الإدارة السورية مدى صعوبة المرحلة التي تعصف بالمنطقة، لذلك تتعامل معها بحذر وروية، ولا يمنع ذلك وقوفها إلى جانب دول الخليج، وتركيا، وأذربيجان، مع أخذها في الاعتبار معادلات توازن القوى، وبما يحافظ على علاقاتها المتوازنة، بوصفها دولة تسعى إلى التعافي والاستقرار، بعيدا عن أي اصطفاف مع أطراف الصراع.





