سورية على مفترق.. مراجعة أم هروب إلى الأمام؟

برهان غليون2 مارس 2026آخر تحديث :
سورية على مفترق.. مراجعة أم هروب إلى الأمام؟
السياسي برهان غليون

بالرغم من المنجزات الاستراتيجية، من إسقاط النظام البائد إلى كسر العزلة الدولية، تلوح في الأفق بوادر أزمة ثقة متزايدة؛ إن لم تكن على مستوى عامة الجمهور، فهي واضحة في أوساط النُّخب الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي أصبحت تشكّ في إمكانية خروج سورية من حالة الهشاشة المزمنة التي تعيشها بعد عقد ونصف العقد من الحرب والدمار والانقسامات الأهلية والسياسية والعقائدية. وهذا ما تعبّر عنه الاحتجاجات المتزايدة لدى أوساط شعبية راهنت على السلطة الجديدة للخروج من مربّع الحرمان والضياع، وهي تشعر اليوم بأن مصالحها لا تؤخذ في الحسبان.
في هذا السياق، تتصاعد الانتقادات الموجّهة إلى نظام الحكم الذي لا يزال يرتكز إلى سلطة الفرد الواحد، ولا يبدي اهتماماً كبيراً بالاتجاه نحو سلطة مؤسّسية وقانونية؛ إذ يستحوذ رئيس الجمهورية الذي يمثّل المحرّك والمرجع الأول للقرار (استناداً إلى الإعلان الدستوري تارةً وبقوة الممارسة تارةً أخرى) على سلطات استثنائية في سنّ القوانين وتشكيل المؤسّسات السياسية والتشريعية. وتبرز “الأمانة العامة للشؤون السياسية” الملحقة بوزارة الخارجية بمثابة سلطة وصاية على النشاطات السياسية والاجتماعية، بينما يشرف “الشيوخ” على مفاصل الدولة في دوائر ومؤسّسات حكومية عديدة. والهدف من كليهما تأكيد مرجعية “الجماعة” التي تستمدّ شرعيتها من عملية ردع العدوان، وأسبقيتها على الدولة والمجتمع المدني. وهو ما يفسّر النزوع إلى استبعاد التعدّدية والمشاركة السياسية.
كما يُوجَّه كثير من النقد إلى طريقة عمل الدولة والمؤسّسات والإدارة المدنية التي تفتقر في نظر جمهور واسع إلى الكفاءة، نتيجة غياب الكوادر المؤهَّلة ونقص الخبرة وغياب التنسيق. لكن ما هو أهم تهميشها عملياً لحساب ما يمكن أن نسمّيها “دولة الظلّ” أو “الدولة العميقة” العابرة للمؤسّسات التي تتحكّم في القرار، عبر شبكة من اللجان المرتبطة مباشرة بمركز السلطة وتتولى الإشراف على الاتفاقات وتوقيع العقود وعقد التفاهمات، كما هو الحال في ما يخص لجان المصالحات والتسويات ولجنة الحوار الوطني والعدالة الانتقالية وصندوق السيادة وغيرها. وهذا ما يفسّر الطريقة التي يُعيَّن فيها المسؤولون الجدد في دوائر الدولة وملء المناصب الشاغرة من دون حاجةٍ إلى إعلانٍ مسبق ولا مسابقات، ما يترك للمسؤولين حرية التصرّف في تعيين المقرّبين وربّما الأقرباء، وما يبعث الشعور بأن هناك دولة تتشكّل داخل الدولة وفي موازاتها طبقة جديدة صاعدة يتحوّل من خلالها “رفاق الدرب” إلى طبقة/ دولة تتطابق فيها أخوّة المصلحة السياسية مع أخوّة الإيمان والاعتقاد.

ما يحدّد مصير الاستقرار والانتقال السياسي في سورية قدرة السلطة الجديدة على تقديم حلول سريعة لمشكلات الفقر والبطالة

وليست المواكب المثيرة التي أصبح أفراد هذه الطبقة ومسؤولوها يحرصون على الظهور فيها بسياراتهم الفخمة والفارهة سوى أحد مظاهر تأكيد هذه السلطة والسطوة. وربّما ينظر هؤلاء إلى المواكب دليلاً على المكانة والنفوذ والجاه؛ أي (بلغة الجماعة) على “التمكين”، غير آبهين بسخط الجمهور الذي يتخبّط في مشكلاته المعيشية الصعبة. ولا يعبّر هذا السلوك عن الاستهتار بمشاعر الناس ويعزز شعورهم بالغبن فحسب، بل يعمّق الفجوة وانعدام الثقة المتفاقم بين النُّخبة الجديدة وعامة الناس. وفي موازاة تعثّر ملفّات العدالة الانتقالية الموكل إليها رأب الصدع المجتمعي، وتغييب نتائج التحقيقات في المجازر والانتهاكات، تثير “التسويات” مع عديدٍ من شخصيات وأنصار النظام السابق التي جمعت ثرواتها بطرقٍ غير قانونية، قلقاً شعبياً كبيراً من عودة الفساد و”الصفقات السرّية” على حساب دماء الضحايا والعدالة وسلطة القانون.
على أن المشكلة الأكبر التي بدأت تقلق الرأي العام وتمسّ الثقة الكبيرة التي منحها الجمهور الواسع للحكومة الجديدة تتعلّق بالمسألة الاجتماعية، فبعد أن تفاءل السوريون كثيراً بالعهد الجديد، وارتفع سقف توقّعاتهم، جاء تأخّر الاستثمارات مع الضغوط الناجمة عن التضخّم وارتفاع تكاليف المعيشة والطاقة واستمرار البطالة الواسعة ليزيد من شكوك الجمهور في امتلاك الحكومة خطّةً واضحةً لمعالجة مشكلات المعيشة والبطالة أو مواجهة آثارها الآن وفي المستقبل.
وما يحدّد مصير الاستقرار والانتقال السياسي قدرة السلطة الجديدة على تقديم حلول عملية وسريعة لمشكلات الفقر والبطالة، وإيجاد فرص العمل والسكن والخدمات العامة من تعليم وصحّة ومواصلات وكهرباء وقوة شرائية. وإن النجاح أو الفشل في الاستجابة لهذه المطالب الشعبية هو ما سيصبح محور النقاش، والصراع أيضاً، في الأشهر المقبلة، وهو ما سيشير إلى الذهاب نحو الاستقرار والسلام الأهلي أو إلى عودة الاضطرابات ونكء الجراح التي لم تلتئم بعد.
لم تطرح السلطة القائمة مشروعاً اجتماعياً واضحاً، ولا ندري إن كان لديها مشروع تسعى إلى تحقيقه في الخفاء؛ مثلاً مشروع سلطة ذات مرجعية إسلامية تضع في أولوياتها إعادة المجتمع إلى الدين القويم وتثبيت إيمانه بمعتقداته خوفاً من الضياع أو في سبيل مقاومة أعدائه، أو أنها بالفعل سلطة “براغماتية” تتلمّس طريقها من دون أن تكون لديها رؤية محدّدة أو مسبقة، ولا أقول متكاملة، حول ماذا تريد لسورية أن تكون. لكنّها في المجال الاقتصادي واضحة جدّاً. فهي تؤكّد تبنّي سياسة اقتصادية نيوليبرالية قائمة على المبادرة الخاصّة (والحرّة)، والانفتاح على الأسواق العالمية وتقديم التسهيلات القانونية والسياسية والاجتماعية كلّها لجذب الاستثمارات الضخمة المنتظرة من دول الإقليم والعالم، والتي تطمح إلى أن تحوّل سورية في سنوات قليلة إلى سنغافورة جديدة ونمر الشرق الأوسط الصاعد. هذا ما يلمّح إليه أيضاً الحلفاء العرب والدوليون.
هذا الوعد بالازدهار الاقتصادي والوفرة المادية هو جوهر المشروع الاجتماعي كما تريده وتذكّر به السلطة الجديدة. وهذا المشروع قد لاقى صدى كبيراً لدى شعب خرج لتوه أو كاد من حرب تجويع ساهم فيها النظام السابق الذي أرسى سلطته من خلال مصادرة الدولة والاقتصاد والسياسة والثقافة لحسابه، وحكم من خلالها ما يقارب الستّين عاماً. ويبدو أن الوعد بتقديم هذا الاستثمار الكبير كان جزءاً من صفقة إسقاط نظام الأسد الذي أصبح من الواضح اليوم أنه (إلى جانب أنه في الوقت نفسه مشروع تغيير سوري) مشروع إقليمي، أصبح عالمياً لإعادة بناء التوازنات الإقليمية والدولية أو ما سمّيت “إعادة تشكيل الشرق الأوسط الجديد”.
كان اعتقاد الفريق الحاكم الجديد قوياً بأن المفتاح لبسط السيطرة وضمان الاستقرار وكسب الشرعية هو الازدهار الاقتصادي، وعزّز هذا الاعتقاد الثقة بأن الخليج العربي والسعودية بشكل خاص، ومعها تركيا والعديد من الدول الغربية، جميعهم معنيون ولهم مصلحة في المساعدة على تعزيز النظام في إطار استراتيجية إقليمية ودولية لقطع الطريق على إيران، ودفعها إلى الانكفاء على حدودها. فالاستقرار في سورية تحوّل، في هذا السياق، إلى شرط لتحقيق الاستقرار في الشرق الأدنى ومواجهة التحدّيات الإقليمية، وفي ما يخص الولايات المتحدة؛ قطع الطريق على التوسّع الصيني في المنطقة.
وبسبب ذلك كانت ثقة النظام الجديد كبيرة بإمكانية الإقلاع السريع إلى درجة اعتقد فيها أنه في غنى عن إشراك الأطراف الاجتماعية والسياسية الأخرى أو تقديم تنازلات لأحد. وهذا مصدر عدم مبالاته أو عدم جدّيته في مسائل الحوار الوطني وتطبيق العدالة الانتقالية أو بناء دولة مؤسّسات تستدعي تعبئة الخبرات وتوسيع دائرة التشاور بين كوادر سورية قديرة من الخبراء والمتخصّصين الاقتصاديين والسياسيين. كل ما كان يُعتقد أن الحاجة تدعو إليه لتحقيق النجاح هو كسب الوقت في انتظار أن تعطي الاستثمارات ثمرتها ويتحقّق الازدهار. وعندئذ تكون المعركة السياسية قد حُسمت لصالح الوضع الجديد، ولا يبقى للمعارضة ما تراهن عليه لفرض المشاركة أو حتى الحوار والتفاوض على العقد الاجتماعي.
من هنا لم تكن المسائل التي تتحدّث عنها المعارضة تستدعي في نظر السلطة القلق، فإشراكها يعني وضع قيود على السلطة التي تراهن على أن تكون طليقة اليد في مفاوضاتها مع القوى والشركات والتكتلات الدولية، وأن لا تكون تحت رقابة أيّ طرف، وأوله الرأي العام. وبالمثل، لم يكن للخبرة أهمية، ولا للقانون، ولا للعدالة الانتقالية. ذلك كلّه سيُحلّ من تلقاء نفسه أو بمساعدة الحلفاء الإقليميين والدوليين. المهم بسط السيطرة الكاملة، والانفراد بالقرار، ومنع الآخرين من التشويش على مشروع الاستثمار الكبير وآثاره الإيجابية السريعة على حياة السكّان والذي كان يبدو في الجيب.

يتحوّل الرهان في اقتصاد ضعيف النمو على الاستثمار الأجنبي إلى “حصان طروادة” 

لم يكن قادة النظام مخطئين كثيراً في حساباتهم الأولية، فالشرعية ترتبط اليوم بالإنجاز، وبالاقتصادي والاجتماعي منه أكثر ما ترتبط بأسبقية سلطة القانون وتوسيع دائرة الحرّيات، كما كانت تقول أدبيات الدولة القومية والليبرالية في القرن الماضي. دولة الرفاه والاستهلاك والاندراج في المجتمع الاستهلاكي العالمي هو الذي يصنع المواطنة لا الحرية ولا السيادة ولا المشاركة في القرار. وشبه الإجماع الذي حصل حول النظام بعد تسلّمه السلطة لم يكن نابعاً من دوره في إنقاذ البلاد من الانهيار فحسب، بل ربّما (بدرجة أكبر) من الوعود بالانفراج والازدهار وتحويل الاقتصاد السوري إلى اقتصاد قوي وجاذب. وهذا ما تساهم الدول الإقليمية والخليجية بشكل خاص في تأكيده عندما تعلن انخراطها مع دمشق واستعدادها لاستثمار مليارات الدولارات لدعم الانتعاش السوري. وهذه هي الحجّة الرئيسة التي يستخدمها أيضاً أنصاره عندما يتحدّثون عن فرصة استثنائية للخروج بالبلاد من التخلف والدمار.
هذا هو المشروع الذي يطمح من خلاله الفريق الجديد إلى بسط سيطرته على الدولة والمجتمع وإعادة بنائهما بما يتوافق مع متطلّبات تحقيق المصلحة (الاقتصادية والاجتماعية) وحفظ الهُويّة الوطنية والدينية. لكن تركيز السلطة على هذا الأفق الاقتصادي المثير لا يعني أنه لا توجد في حضنها طائفة تطمح إلى الاستفادة من الأمل في هذا الازدهار الاقتصادي لبسط سيطرتها على الأدمغة، ونشر تصوّراتها الدينية، وبناء قاعدة اجتماعية ثابتة وقوية ضدّ التيارات العقائدية العلمانية والديمقراطية التي تزدهر عادةً في وسط الطبقات الوسطى والمثقّفين وأبناء الأقليات الدينية.
بعبارة أخرى، الانتقال السوري الجديد مشروع إقليمي ودولي بمقدار ما هو (أو ربّما أكثر) مشروع سوري غايته تحقيق تطلّعات السوريين وأحلامهم. وهو مرتبط بالضرورة لهذا السبب بتنازلاتٍ كثيرة في موضوع السيادة والعلاقات الدولية.
أما عن جذور الأزمة وحتمية المراجعة؛ فقد نجمت الأزمة الراهنة عن أن حسابات الحقل لم تتطابق حتى الآن مع حسابات البيدر. نجح النظام الجديد في تثبيت أركانه، والعقوبات أُزيلت، والمعارضة هُمِّشت، لكن الاستثمارات لم تتسابق على المجيء. لم يكن هذا مستبعداً، بل كان متوقّعاً لأسباب كثيرة؛ منها ثقل الإرث الذي خلّفه النظام السابق، والخراب الذي أحدثته الحرب الطويلة في جميع المجالات: الاقتصادية والسياسية والطائفية والأخلاقية، ثمّ إلى طبيعة الجماعة أو الهيئة التي تسلّمت دفّة الحكم، وما تحمله من أفكار وقيم ومعتقدات اكتسبتها من تجربتها في الجهاد والصراع مع الفصائل المختلفة لتثبيت سلطتها في “الإمارة الإدلبية”، وافتقار عديدين من كوادرها إلى المؤهّلات وإلى الخبرتَين العملية والسياسية في إدارة الدولة بالمعنى التقني والقانوني للكلمة. والإمارة، بعكس الدولة، تدور حول شخص الأمير، وتستمدّ قوتها وإلهامها من قدرته على إدارة التناقضات والصراعات الداخلية والخارجية بشخصه، لا عبر مؤسّسات بيروقراطية، أي احترافية.
لكن السبب الأبرز والأساسي في تعثّر الإقلاع الاقتصادي هو المفهوم الضيّق والميكانيكي للتنمية وإعادة الإعمار وقصرها على بُعد واحد، حتى لو كان أساساً، هو الاستثمارات الأجنبية الكبيرة، وما يستدعيه جذبُها وتوطينُها من شروط سياسية واستراتيجية، ومن الانفتاح على الأسواق العالمية وتحرير الاقتصاد والتخلّص من تدخّل الدولة وما كان يسمّى القطاع العام. وهذا ما ترجمته الكوادر ضعيفة الخبرة والنظر السياسي بإعفاء الدولة من واجباتها الاجتماعية وبدء تحرير الأسعار في اقتصاد مُستنزَف وشعب يعيش معظمه على حافة الإفلاس.
وفي انتظار الاستثمارات الأجنبية الكبرى، التي تأخّرت في المجيء، تحوّل الانفتاح إلى ضغط كبير على الاقتصاد الضعيف وعلى موارد الناس، وهدّد بإفلاس الشركات والاستثمارات الوطنية، وأدّى إلى إحباط البرجوازية الوطنية والتضحية بالطبقة الوسطى والمنتَج المحلّي لصالح نشوء “الدولة الزبون” التي تزايد في تقديم الإعفاءات والامتيازات للرساميل والاحتكارات الأجنبية. هذا ما رهن الاستثمار بالسياسة الخارجية بدل أن يربطه بالسياسة الداخلية. ففي اقتصاد ضعيف النمو، يتحوّل الرهان على الاستثمار الأجنبي إلى “حصان طروادة”، إذ تُقدم الدولة تنازلات استراتيجية وسيادية لجذب رؤوس الأموال، وتصبح التنمية رهينة لرضى القوى الدولية (واشنطن، دول الخليج، تركيا) التي لا ترى ولا تهمها حاجات المجتمع، ما جعل القرار الاقتصادي رهن “الأمن القومي” الخارجي أكثر منه استراتيجية وطنية.
… يتولّد شعور متزايد لدى قطاعات واسعة من الرأي العام السوري، المؤيّد والمعارض، بأن الوقت قد حان، ونحن على أبواب مرحلةٍ جديدةٍ للمراجعة وإعادة النظر في المسائل العديدة التي تثير التساؤل والانتقاد، من أجل استعادة الثقة وإعادتها إلى السوريين، وفي سبيل انطلاقة جديدة تستكمل فيها البلاد ما فاتها في الأشهر القليلة الماضية، وتتجنّب الوقوع في أزمة مستعصية، وربّما الارتداد عمّا تحقّق من إنجازات. من هنا تبرز الحاجة اليوم إلى مراجعة جدّية لمجموع الخيارات السياسية والاجتماعية والثقافية التي ركّز عليها الحكم الجديد، خصوصاً ما تعلّق ببنية السلطة والنظام وبالمشاركة السياسية، وبأهمية العودة إلى حكم القانون ودولة المؤسّسات وعدم التخلّي عن العدالة الانتقالية، وتطهير الدولة من الفساد والمحسوبية التي نمت مع التكوّر على الذات وغياب الشفافية والرهان على علاقات القرابة العقائدية أو حتى العائلية.
وأبرز ما ينبغي التشديد عليه في هذه المراجعة رسم معالم “المشروع الاجتماعي” الذي ينبغي أن يستجيب لتطلّعات الشعب، لا أن يبقى حبيس تطلّعات نُخبة السلطة وحلفائها. كما يستدعي التخلّي عن الاعتقاد بأن المحرّك الرئيس للتنمية هو الرساميل والاستثمارات وليس البشر وقدرتهم على التفاهم والتعاون وبذل الجهد، وحماسهم لتحقيق الأهداف التي تصبّ في مصلحتهم.
باختصار، ليست التنمية مسألةً تقنيةً مرتبطة بحجم رأس المال الذي يمكن للدول أن تستقطبه. إنها في الأساس مشروع تحوّل وتغيير اجتماعي له أبعاد أخلاقية وسياسية وقانونية. وهو لا يتحقّق على يد الحاكمين أو التقنيين والإداريين، وإنما يحتاج إلى مشاركة الشعب بأكمله، وبشكل خاص الفعّاليات الاقتصادية والاجتماعية والفكرية.

يجب رسم معالم “المشروع الاجتماعي” الذي ينبغي أن يستجيب لتطلّعات الشعب السوري

وإذا كان الشعب هو محور التنمية الحقيقي، والاستثمارات وسيلة للارتقاء بشروط حياته وتأهيله، فالرهان الرئيس ينبغي أن يكون على تعبئته والتفاعل معه والاستماع إلى مطالبه وبثّ الأمل فيه ودفعه إلى المشاركة في التضحية وبذل الجهد. وهذا لا يتم إلا إذا أُخذت مصالحه الأساسية بعين الاعتبار، ووُفّرت فرص التأهيل والتدريب ومناصب العمل لأبنائه، وباستعادة الخبرات الإدارية والمهنية والعلمية والعناية بها وتشجيعها على العودة إلى سورية والمشاركة في عملية التنمية، فهي العمود الفقري.
يستدعي ذلك فتح الحياة السياسية، وتشجيع الشباب على الانخراط فيها والمشاركة بأفكارهم وأحلامهم وجهودهم في الارتقاء بمستوى وعي المجتمع، وإيجاد رأي عام واعٍ ومسؤول وقادر على المشاركة. والأحزاب والجمعيات والنقابات هي مدارس الوطنية والانصهار وفهم القانون واحترام المصالح العمومية. ولا يمكن محاربة النزاعات والانحيازات الطائفية والأقوامية من دون ترسيخ حكم القانون والقضاء العادل والعدالة الانتقالية.
ينبغي التركيز على بناء دولة المؤسّسات والفصل بين السلطات، والبدء منذ الآن بوضع مشروع للإدارة المحلية اللامركزية من خلال تعديل قانون 107 للإدارة المحلية، فيمكن لجمهور المحافظات أن ينتخبوا منذ الآن المجالس البلدية، وفي مرحلة ثانية مجالس المحافظة والمحافظ من بين أعضائها، وفي مرحلة ثالثة بالانتخاب المباشر. من دون ذلك، يُخشى أن لا يكون بديل المراجعة سوى الهروب إلى الأمام وتشجيع التيارات المتطرّفة داخل النظام على انتزاع المبادرة للضغط على النظام عبر حملات “تديين” قسرية لحرف الأنظار عن الوعود التنموية المتبخّرة. بالتأكيد لن تسير سورية على خطى أفغانستان؛ هناك عوامل كثيرة تمنع من ذلك، لكنّها قد تنزلق نحو تضييق الخناق على الحريات العامة وتصفية المجتمع المدني. الآفاق لا تزال مفتوحة، والرهان اليوم هو على “الإنسان السوري” قيمةً ومحوراً، لا “زبوناً” في سوق الاستثمارات الدولية.

المصدر العربي الجديد

اترك رد

عاجل