لبنان: إخلاء مركز إيواء النازحين في حاصبيا خلال أيام.. دون توفير بدائل

فريق التحرير26 يوليو 2024آخر تحديث :
غارة إسرائيلية استهدفت سيارة في بلدة عين بعال جنوب لبنان – متداول

“كان شغلي الشاغل تأمين دواء لطفلي لا أملك شيئًا من ثمنه، اليوم أجد نفسي من دون مأوى حتّى” يقول محمد علي، النازح من كفرشوبا والأب لخمسة أطفال، بينهم طفل مصاب بمرض عصبيّ. وصل محمد يوم الأربعاء خبر بضرورة إخلاء مركز الإيواء في حاصبيا حيث نزح مع أسرته في بداية العدوان الإسرائيلي على الجنوب. منذ ذلك الحين تشتّت أفكاره، تُذهله بدلات الإيجار المتداولة، وينقبض قلبه على ابنه الذي يحتاج لعناية شديدة ولمكان آمن ونظيف من أجل صحّته المتدهورة: “حال الآخرين ليست أفضل، هذا حرام”، يقول بصوت كئيب.

وقد تبلّغ الأهالي بضرورة الإخلاء، صباح الأربعاء، بعد أن عُلّق على مدخل مبناهم كتاب موجّه إلى رئيس البلديّة بتاريخ 19 تمّوز، يحمل توقيع صاحبي المبنى الشقيقين رياض ووسيم زين الدين، يطلب إخلاء المبنى “ضمن مهلة 10 أيّام كحدّ أقصى”، من أجل استثمار المبنى “كمدرسة للخدمات والنشاطات التربويّة”. 

ويهدّد التشريد عشرات النازحين في فندق مهجور على أطراف عين قنيا، بعد طلب أصحاب المبنى من النازحين إخلاءه، وإبلاغ بلديّة حاصبيّا النازحين بضرورة الإخلاء وعدم نيّتها مساعدتهم. والبلديّة كانت قد بادرت إلى فتح المبنى كمركز إيواء تحت إدارتها خلال الأشهر الـ 10 الأخيرة من العدوان الإسرائيليّ المستمرّ. اليوم، حزمت الأسر حقائبها من دون أن تعرف وجهتها التالية، وفي ظلّ الاستهداف الإسرائيليّ المعلن للمدنيّين في القرى الحدودية، وتباطؤ الأجهزة الرسميّة عن تأمين البدائل، وغياب تواصلها مع    النازحين لتوجيههم، أو على الأقلّ لطمأنتهم، تشتدّ محنة الأسر الآتية من قرى العرقوب، وتجد نفسها تفاضل بين خيارات أفضلها سيّئ.

وكان الأهالي قد وجدوا في عين قنيا أمانًا نسبيًا، حيث لم تدخل بلدة حاصبيا وقراها المحيطة دائرة العدوان. ويدلّك الأهالي على “أوتيل النازحين”، كما سرَت التسمية محلّيًّا،ومن آخر القرية تتفرّع الطريق العام نحو اليمين، وتأخذك خارج الحدود العقارية للبلدة الهادئة، نحو المبنى المنعزل عن محيطه. والبناء الذي هو فندق مهجور قائم على العقار 2968 من أراضي حاصبيّا البلدة، كان في فترة سابقة مركز حجر صحيّ لمصابي كورونا، ونُقل إليه الأهالي بعد أن تجمّعوا في ساحة مسجد قريب. 

في الطابق العلوي، ومن على الشرفة المطلّة على قرى العرقوب، تضرب الحاجة ابتسام كفًّا بكفّ، وقد احتدت نظراتها: “نزوح فوق نزوح، وتهجير فوق تهجير”. تحكي الحاجة السبعينية عن تضييقات واجهها النازحون “من أجل دفعهم إلى مغادرة المركز”، وصلت إلى حد انقطاع المياه المتكرّر عنهم. هدف لم يعد يحتاج إلى تحليل بعد استيقاظهم يوم الأربعاء على كتاب طلب الإخلاء. تقطع الغارات الإسرائيليّة على كفرشوبا الحديث، ويتصاعد الدخان لينشغل قسم من الناس بتحليل جهة الضربة ومكان الاستهداف، وليذكّر المشهد باستمرار الخطر الذي دفع الناس للنزوح أوّل مرّة. 

خفض تدريجي للمساعدات

يقول النازحون إنّهم واجهوا خفضًا تدريجيًّا للدعم خلال إقامتهم في المبنى، حيث باتت المساعدات تقتصر على المنظّفات. والمبنى الذي يحمل اسم فندق، طوابقه الأولى في مرحلة العظم أي مرحلة البناء الأساسية، وغرفه التي يسكنها النازحون تخلو من أي أثاث. ويخصّص النازحون فرشات وزّعت عليهم بداية الحرب للنوم، ويجلسون في النهار على كراسٍ بلاستيكيّة حملوها معهم من قريتهم. وقد حوّلت الأسر شرفات الغرف إلى مطابخ صغيرة، وأماكن لغسل الملابس. وميزة المكان الوحيدة ربما هي توافر المراحيض في الغرف، لولا أنّ انقطاع المياه بات يتكرّر مؤخّرًا.

وفي المبنى اليوم، 18 أسرة، تضمّ 85 فردًا، رجال ونساء وأطفال وكهول. معظم الأسر قدمت من كفرشوبا، وبعضها من شبعا. يبدو القلق في عيون الأطفال جليًّا، خصوصًا أنّ الأهل طلبوا منهم أن يساعدوا في حزم الحقائب والاستعداد للمغادرة، من دون أن يملك الكبار بالضرورة أجوبة لأسئلة الصغار. وقد اشتاق هؤلاء لقراهم، لولا أنّهم يشاهدون الغارات اليومية عليها، مباشرة من نوافذ غرفهم. 

يشدّ الأهل على أنفسهم، ويقولون “نحن أولاد خير”، ويشدّدون على أنّ “أنفسنا عزيزة” بما لا يترك مجالًا لاستجداء أحد من أجل تمديد إقامتهم “بعد أن طردنا بشكل رسمي”. لكن 10 أشهر من تعطّل الأعمال جعلت الحال عسيرًا، ويبدي البعض استعداده لبيع ما يمكن بيعه – إن توفّر – من أجل جمع بعض المال للاستئجار، أو حتى الاستدانة. 

رغم ذلك يقول الأهالي إنّهم يواجهون صعوبة في إيجاد من يؤجّرهم بيتًا أو شقة “ولو جمّعنا الـ 400 دولار لاستئجار مسكن في المنطقة، فإنّنا واجهنا رفضًا تأجيرنا مساكن ضمن المنطقة”، يقول خير الله عبد العال، الخمسيني النازح مع أسرته من كفرشوبا. ويدّعي الرجل أنّ أسبابًا سياسيّة تمنع بعض الأهالي في المحيط من تأجير النازحين، وهو ما لم نتمكّن من نفيه أو تأكيده.

حوّل النازحون شرفات غرفهم إلى مطابخ

هل كان إيواء النازحين مجّانيًا حقًا؟ 

تواصلنا مع بلدية حاصبيا، التي يقع الفندق ضمن نطاقها، وقال رئيسها لبيب الحمرا: “فعلنا ما بوسعنا، وبعد 10 أشهر، الموضوع هو خارج أيدينا”. وأكد الحمرا أنّ البلدية هي الجهة التي فتحت الفندق للنازحين بناء على اتفاق مع أصحابه، وبناء على تجربة سابقة أيام كورونا: “لكن الأزمة طالت وصاحب العقار حرّ بملكه”، مشدّدًا على أنّ “حرية الملك الخاص مقدّسة”، ومحذّرًا من أنّ “البعض يريد أن يفتعل حملة بروباغندا”، ليؤكّد أنّ “إيجاد حلّ لإيواء النازحين  ليس من ضمن مسؤولياتنا”. 

يضعف غياب عقد رسميّ مع أصحاب العقار، الحماية القانونيّة لإقامة النازحين. وتقول سيدة من أسرة أحد صاحبَي العقار، تعرّف عن نفسها على أنّها من أسرة الملّاك، رفضت التصريح باسمها، إنّ “مشروع المدرسة لم يكن في البال سابقًا وكنا نعوّل على المزيد من الدعم المادي كأصحاب للمبنى”، لتؤكّد أنّ “لا شيء مجّانيًا”، و”التفكير بالربح الماديّ هو حقّ لنا”. وفي الاستدعاء الذي وجّهه صاحبا العقار، رياض ووسيم زين الدين، قال الشقيقان إنّ البلديّة كانت قد استلمت المبنى “لإدارته كمركز إيواء للنازحين بشكل مجّانيّ ومن دون أيّ مقابل”، وكذلك أنّهما كانا قد تقدّما بطلب لتوقيع عقد إيجار للمبنى مع مجلس الجنوب “ولم يتم الردّ على طلبنا لغاية تاريخه”. 

إلّا أنّ مصدرًا في مجلس الجنوب ينفي في حديث إلى “المفكرة” بشكل قاطع “عدم الرد”، ويقول: “هذا غير صحيح، نحنا ردّينا، وقلنا لهم إننّا حاضرون وقدّمنا لهم مبلغًا تحت عنوان ‘مساهمة ماليّة’ من الأموال المخصّصة لدعم النازحين”. ويوضح المصدر أنّ صحابَي المبنى حصلا على مبلغ 300 مليون ليرة قبل شهرين، كمساهمة ماليّة، كاشفًا بأنّ رئاسة المجلس عرضت دفع مساهمات ماليّة جديدة في حال قبول أصحاب الفندق إبقاء النازحين في المبنى، إلّا “أنّنا لسنا قادرين على الاستئجار من دون قرار من مجلس الوزراء ونعتمد نظام المساهمات الماليّة كبديل”، بحسب المصدر. ويستطرد قائلًا إنّه “في مطلق الأحوال الأموال التي بحوزتنا لا تكفي لفتح باب استئجار مبانٍ وإلّا لن يبقى شيء لتمويل المساعدات”.

حسّان النازح من كفرشوبا يتفقّد المياه في خزّانات المبنى

الخطر في قرى العرقوب يضيّق خيارات النازحين 

الأسبوع الماضي، وبسبب انقطاع المياه، قرر أحد النازحين في المبنى ويدعى خير الله عبد العال الذهاب إلى قريته كفرشوبا من دون أن يخبر أحدًا، من أجل أن يستحم في منزله، إلّا أنّ اشتداد القصف الإسرائيلي أجبره على المغادرة والعودة إلى المبنى حيث أسرته. الخوف الذي أحسّ به، يمنعه اليوم من أخذ خيار العودة بأسرته إلى القرية المواجهة للمواقع الإسرائيليّة. يقول الناس هنا إنّ العودة إلى كفرشوبا تحت نيران الحرب التي لا تميّز بين المدنيّين قد ترقى إلى مستوى “رمي النفس في التهلكة”، لكن خياراتهم محدودة، وهم عاجزون عن إيجاد منازل للاستئجار، ولم تطمئنهم أي من الجهات الرسمية على مصيرهم. 

ويفكّر بعض النازحين الذين تلقّوا أمر إخلاء في التوجّه إلى الهبّارية التي يعيش أهلها والنازحون فيها تحت ظروف الحرب، حيث تعرّضت قريتهم مؤخرًا للعدوان بالفسفور الأبيض، وارتكبت فيها مجزرة المسعفين حيث استهدف المركز الطبّي الوحيد في القرية. 

يقول علي بعلبكي، من غرفة الكوارث في النبطيّة: “نعمل بشكل حثيث لتأمين بديل قبل انتهاء المهلة، ونتواصل مع البلديّة والقائمقام وخليّة الأزمة في حاصبيّا، ولدينا عدّة خيارات”. لكنّ مهلة الإخلاء تنتهي يوم الإثنين المقبل (10 أيّام من تاريخ 19 تمّوز)، ما يجعل الوقت ضيّقًا بالفعل أمام حسم البديل المناسب للأهالي.

ومع القليل من التقصّي، تبيّن أنّ هناك نيّة لنقل الأهالي إلى ثانوية مرج الزهور، وهي مدرسة مغلقة افتتحت مع بداية الحرب لإيواء النازحين. إلّا أنّ الأهالي يعبرون عن تخوّفهم من هذا الحل، لأنّه يبعدهم كثيرًا عن منطقتهم ويشتت العوائل والأقارب، بخاصّة وأن كثير من الأسر لجأت إلى الهبارية القريبة. 

وثمة هاجس آخر لدى الأهالي هو ظروف النزوح التي ستشتدّ في ثانوية مرج الزهور، التي تُؤوي بالفعل اليوم 12 عائلة، ومع إضافة أكثر من ضعف العدد، يتوقّع الأهالي تدهور ظروفهم وظروف النازحين الموجودين في الثانويّة، حيث يقلّ فيها عدد دورات المياه الواقعة خارج الصفوف بطبيعة الحال، ويزداد التزاحم حتى على أبسط الأمور مثل قضاء حاجة أو الاستحمام، وتصعب عيشة الأسر فيها ورعاية الأطفال فيها. 

وحين سألنا بعلبكي قال إنّ “ثانوية مرج الزهور هي حلّ بحوزتنا لكنّنا نحاول في ما تبقّى من المهلة أن نجد منازل للنازحين ضمن منطقة حاصبيّا”.

يشار إلى أنّ 3% فقط هي نسبة القاطنين في مراكز إيواء من كلّ النازحين في محافظة النبطيّة، وأقل من 2% من مجمل النازحين، رغم ذلك، تتراجع ظروف الإيواء في المراكز الـ11، الموزّعة على صور وبرج الشمالي وكوكبا وكفردنيس ومرج الزهور وحاصبيّا. والدعم الحزبيّ يأتي على شكل مساهمات ماليّة شهريّة محدودة، والأداء الحكوميّ هو الأضعف، وسط تعويل مبالغ به على المنظّمات التي يقيّد عملها التمويل الممنوح لها ضمن برامج محدّدة. 

واليوم، مع إغلاق مركز حاصبيّا، وتباطؤ الاستجابة الرسميّة للأزمة، تزداد محنة عشرات الأسر، ورغم أن الجهل بالمصير صعب، إلّا أنّه لا يتوقّع أن يكون حلّ دمج النازحين هنا مع النازحين في ثانويّة مرج الزهور، مع ما يحمله من زيادة الضغط على مدارس غير مؤهّلة أساسًا لإقامة الأسر، منصفًا لأيّ منهم. 

المصدر المفكرة القانونية
التعليقات

عذراً التعليقات مغلقة

    عاجل