من فلسطين إلى السودان: شعوب تستحق الحياة

عالية منصور9 مايو 2023آخر تحديث :
من فلسطين إلى السودان: شعوب تستحق الحياة
عالية منصور

السودان تتصدر تغطية نشرات الأخبار في العالم العربي، والبرامج التلفزيونية ومقالات الرأي وعناوين الصحف، كيف لا وهي المأساة الجديدة التي تنضم إلى سلسلة المآسي والأزمات التي تعيشها المنطقة؟

لزائر جديد لعالمنا قد يبدو الأمر أنه ما يكاد شعب من شعوب هذه المنطقة يضع حدأ لمآسيه حتى تبدأ رحلة شعب جديد بالمعاناة، ودوما وأبدا السبب واحد وإن اختلفت الذرائع.

نراكم المشكلات والأزمات، نحاول مداواتها بالمسكنات، ولكن ما من أزمة واحدة تم حلها من عشرات السنين.

صار خبر موت أسير فلسطيني في السجون الإسرائيلية بعد إضرابه عن الطعام خبرا هامشيا، فكل يوم يُقتل الفلسطينيون، لا جديد وموتهم لم يعد سوى حدث روتيني اعتيادي، وخبر في نهاية نشرة الأخبار.

لا شيء مختلفا في العراق، مئات آلاف البشر هجروا، وآلاف مختفون قسريا، وغيرهم لا يدري ذووهم إن كانوا أحياء أم أمواتا.. فاسدون يتحكمون بالدولة، الدولة الغنية وشعبها الفقير، الدولة النفطية التي لا تستطيع تأمين أدنى مقومات الحياة لأبنائها من غير المنتمين إلى ميليشيات السلطة.

في لبنان، يحيون ذكرى الحرب ويحتفلون كيف انتهت باتفاق سياسي، وعند كل استحقاق سياسي يعودون- هم أنفسهم- من شاركوا في الحرب وفي الصلح، لنبش قبور الحرب الأهلية والتذكير بها مرة والتهديد بإعادتها مرات، هو السلم الهش كما الدولة.

على صفحات التواصل الاجتماعي نقرأ عن الأسرى اليمنيين الذين يقتلون يوميا تحت التعذيب في سجون الحوثي، ولكن خبر الموت تحت التعذيب أيضا لم يعد خبرا صادما.

ليبيا ليست أحسن حالا، صراعات وموت ودمار جديد على أشلاء دمار ممنهج.

أما سوريا فحدث ولا حرج، مأساة العصر، حيث بات الضحية هو المشكلة التي يجب وضع نهاية لها، ملايين اللاجئين هم المشكلة لا من هجرهم ولا من سرق أملاكهم ولا من قتل أبناءهم.

اقتباس: على صفحات التواصل الاجتماعي نقرأ عن الأسرى اليمنيين الذين يقتلون يوميا تحت التعذيب في سجون الحوثي، ولكن خبر الموت تحت التعذيب أيضا لم يعد خبرا صادما.

صار خبر موت أسير فلسطيني في السجون الإسرائيلية بعد إضرابه عن الطعام خبرا هامشيا، فكل يوم يُقتل الفلسطينيون، لا جديد وموتهم لم يعد سوى حدث روتيني اعتيادي، وخبر في نهاية نشرة الأخبار

واليوم، وقد وصل الصيف، سنعود لنقرأ عمن لم يسعفهم الحظ هربا في البحر إلى عالم آخر، سنتفاعل مع من سيقضون في مياه البحر المتوسط غرقا، كما كل عام، سينقل الإعلام صور الأطفال الغرقى وكأنهم نائمون، ستلاحق الحكومات مافيات تهريب البشر، ونتجاهل جميعنا الفاعل الحقيقي الذي دفعم إلى البحر وهم يحملون أطفالهم.

ليست خطيئة الإعلام أنه ينتقل من تغطية مأساة لينسى التي قبلها، فلا صفحات الصحف ولا ساعات من البث التلفزيوني كافية للحديث عن مآسي شعوب الجمهوريات العربية.
كيف لا ومن يدعي أنه يمثل هذه الشعوب مشغول بالتمثيل عليها في أحسن أحواله، إن لم يكن هو سبب مآسيها.

إنه الفشل الذي رافقنا منذ الاستقلال الزائف، فشلنا في إقامة دولة ونجحنا في تثبيت أنظمة معادية لشعوبها، أنظمة أدركت أن وجودها واستمرارها لا يمكن أن يكون إذا كانت هناك دولة ومؤسسات.

ليست خطيئة الإعلام أنه ينتقل من تغطية مأساة لينسى التي قبلها، فلا صفحات الصحف ولا ساعات من البث التلفزيوني كافية للحديث عن مآسي شعوب الجمهوريات العربية

وبدل أن يكون معارضو هذه الأنظمة نقيضا لها، أصبحوا في أغلب الأحوال نسخة ممسوخة عنها، معارضة تختلف مع السلطة على من سيرتكب الجريمة بحق الشعوب لا على من سيبني دولة تستحقها هذه الشعوب، كما شعوب العالم أجمع. معارضة لا تقل تبعية عمن تعارضهم، تتحين الفرصة لترتكب نفس الموبقات التي ارتكبتها تلك الأنظمة.

من فلسطين إلى السودان وما بينهما، وبينهما الكثير، لا زالت الحلول تتراوح، بين مسكنات وإخفاء النار بالرماد، ولكن ألم يحن الوقت لينتبه العقلاء أن النيران المشتعلة لا يمكن احتواؤها بسياسة تغطيتها بالرماد؟ ألم يحن الوقت للبدء في إطفاء الحرائق بدل تجاهلها، قبل أن تلتهم ما تبقى منا؟

المصدر المجلة
التعليقات

عذراً التعليقات مغلقة

    عاجل