انطباعات أولية عن “عطب الذات” للدكتور برهان غليون

2020-04-02T22:16:23+03:00
2020-04-03T00:29:05+03:00
آراء
سامي الدريد2 أبريل 2020آخر تحديث : منذ شهرين
انطباعات أولية عن “عطب الذات” للدكتور برهان غليون
86347622 1451010621717268 2720125070570684416 o - حرية برس Horrya press

قدم البروفسور برهان غليون لمكتبتنا في جنديرس جميع ما أصدرته الشبكة العربية للأبحاث والنشر من مؤلفاته، من ضمنها كتاب عطب الذات، وهو عبارة عن شهادة يقدمها الدكتور على شكل براءة ذمة (واضحة المعالم في لغة صياغة الكتاب) للشعب السوري المخذول، ليس فقط من البعيد بل أيضا من نخبته ومعارضته التي كان يعتقد أن ٱوانها قد ٱن بثورته، وانتظر منها مساعدته ببناء بلده ومستقبله مشمرا عن سواعده، باذلا من عرقه ودمه وماله. ولكن خاب ظنه، ومات رجاؤه، ووجد نفسه وحيدا يزداد انغماسا في وحدته يوما بعد يوم وعاما بعد عام، فلم يلامس صوت أمله وٱلامه ومعاناته وموته ٱذان أحد من نخبته ورجال معارضته السياسية، لم يحرك في ضمائرهم الميتة ريشة او ذرة غبار من جبال معاناته وٱلامه. وكان عليه المضي وحيدا صابرا في تحمل ٱلامه، محتسبا ساعة نصر تأتيه بغتة تخلصه من الظلم والطغيان، مثكلا بجراحاته النازفة المتزايدة المتعمقة في جسده النحيل أصلا طيلة عشرة أعوام. وشهادة لتاريخ الثورة وسوريا أمام التاريخ البشري ككل. وأخيرا كدين يرده لجامعته التي لم تقطع راتبه خلال فترة رئاسته للمجلس الوطني، على شكل دراسة ميدانية حية وعملية للدروس التي كان يلقيها في جامعة السوربون طيلة ثلاثة عقود.

لا أحد في سوريا ولا حتى في العالم يشك بدرجة الدكتور برهان العلمية، ولا أحد يجرؤ على التقليل من قيمتها وثرائها، وما تحمل في ثناياها من خبرة سببها التدريس في أعرق جامعة في العالم، وعملية سببها التجارب التي عايشها طيلة سبعة عقود (أطال الله في عمره).

بدأ الدكتور غليون كتابه بسرد لمحة تاريخية لسياسة نظام الأسد، قصد منها تفصيل شامل لسياسة النظام، ووسائل معالجاته للأزمات والمعارضات، وطريقة عمله، وأسس منهجه، من جهة، وتوضيح أفكاره تجاهها، وتبيان مواقفه ومبادئه وانجازاته خلال حقبة الأسدين، من جهة أخرى. انتقل بعدها لانطلاقة الثورة المباركة، والظروف والأحوال التي رافقتها الثورة في سبيل حاجاتها لتأسيس مظلة سياسية لها، وصولا لتأسيس المجلس الوطني الذي ترأسه وظروف تشكيله وإعلانه. ومع أني لم أتجاوز رقم ال١٠٠ في عدد صفحات هذا الكتاب الثمين الذي يناهز ال٥٠٠ صفحة، سيطر على نفسي فيها شعور الحزن العميق لسببين:

الأول: على نفسي بعد أن اكتشفت مدى عمق الحماقة والسذاجة التي أنا عليها، فقد بقيت أرفض الاقتناع بعدم أهلية النخبة السورية حتى يوم تهجيرنا من دمشق، كنت أظن أنهم لابد سينهضون نهضة رجل واحد في يوم سوري أغر، كنت أعتقد بشكل لا يدع مجالا للشك أن الأمر مسألة وقت، لابد سيتفقون، ولم لا وكلهم عقلاء وأجلاء وصادقون، أكثرهم قضى أعز سني حياته في زنازين الأسد ومعتقلاته. كنت أحمقا وساذجا وجاهلا. فقد اكتشفت أنهم فاقدي الأهلية منذ اليوم الأول للثورة، بل من قبل ذلك حتى.

أقتبس “في النهاية نجحت جهود الناشطين وضغوطهم في تذليل روح المناورة والتلاعب والمكابرة لدى نخب لم تمارس السياسة إلا كنزاعات لاتهدأ على سلطة ونفوذ وهميين داخل تجمعات وأحزاب تعيش هي نفسها في عزلة عن الشعب والجمهور، وهي تصطف الى جانب بعضها كفقاعات تفتات من سم المؤامرات التي تحيكها بعضها لبعض” .

الثاني: على الشعب السوري وحجم البلاء الذي حل عليه، والخيبة واليأس الذي عاناه من امكانية انتظار النصر من نخبة مهترئة ومتفسخة ومريضة بأشد الأمراض فتكا بأمال الشعوب ونضالها من أجل حريتها، كانت وطأتها أشد عليه من وطأة النظام الأسدي المجرم، الذي لم يدخر وسيلة في سبيل قتله وسحقه وتدميره. فالوقت الذي استهلكه السوريون عموما، ونشطاء الثورة وشبابها ليتأكدوا أن رهانهم على مثل هذه النخبة كمن يراهن على حمار أعرج في سباق خيل أصيل، هو ثمن غال جدا، وثقيل على كاهله، وربما كان سببا بعجزه عن اجتراح بدائل اسعافية بعد اكتشافه المخزي لنخبته التي كان يأمل بها.

الحقيقة أثناء قراءتي البطيئة -لأن الكتاب يتحدث عن فترة زمنية عاصرتها ومازلت حتى الساعة، ولي فيها ذكريات حفرت ٱثارا عميقة في نفسي، وأحدثت تغييرات جذرية فيّ، وكل جملة فيه أو خبر يجرني رغما عني لأحداث كثيرة سبب لي بعضها أذى ماديا ونفسيا وجسديا، وتنكأ ما دمل من جراح تطلب اندمالها زمنا طويلا ومعاناة جسيمة- أصابتني الدهشة والذهول أكثر من مرة، دهشة بعثت في نفسي تساؤلات زادت ٱلامي الما، وأحزاني حزنا، فكانت القشة التي قصمت ظهري فعلا.

فما الذي استفاده رجالات النخبة السورية العريقة من معرفتهم الدقيقة بالنظام السوري وأدواته ومنهجه وتركيبته؟ كيف انعكست هذا المعرفة على واقع الثورة المغدورة لتجنبها ٱلاما فاضت عن طاقتها؟ مالذي تغير بأدائهم وطريقة معالجتهم للأمور نتيجة هذه المعرفة؟ لاشيء البتة. وكم كانت دهشتي كبيرة وأنا اقرأ الأوصاف المثيرة للاشمئزاز التي يسردها الدكتور برهان لرجالات النخبة والمعارضة بلغة تنبض من بين حروفها الصدمة، اذا كنت أنت يا دكتور الكبير عمرا وقدرا، والسياسي والمعارض العتيق، وصاحب التجربة العريقة في السياسة السورية، صدمت، وكأنك تتعرف الى أشخاص لاتعرفهم، ولم تلتق بهم من قبل مطلقا، فما يقول الناس البسطاء؟! هل نزلت عليهم قماءتهم وفساد تفكيرهم بليل داهم؟ أليسوا هم ذاتهم من كنت تخوض معهم طيلة عقود نضالك ومقاومتك؟ كيف انقلبوا فجأة بشكل معاكس تماما؟ ألا تعرف وأنت الأكاديمي العريق أن قيادة المعارضة السورية الحزبية محتكرة أسريا؟ وأن الكفاءة والنزاهة تأتي بالمرتبة الثانية أو ربما العاشرة، بعد الأسرة والرصيد والوكيل والداعم والجامعة التي حصل على شهادته منها؟ ان كنت تعرف، ويجب ذلك، فمحال أنك لا تعرف، أفليس الواجب الانطلاق من الواقع لمعالجته بعد تشخيص مرضه؟ لماذا قبلت بطريقتهم المريضة القائمة على المحاصصة في تشكيل المجلس الوطني؟ إذا كان الدكتور الذي نحترمه ونقدره ونعتز به برهان غليون يفرض شروطا ثلاثة لتأسيس المجلس اولها المحاصصة وأقتبس “تمثيل جميع التيارات والقوى المعارضة” لماذا يا دكتور وضعت هذا الشرط؟ هل الأصل قوى المعارضة وتياراتها أم مبادئ الثورة وقيمها؟ شرطك يا دكتور فرض المحاصصة وتجاهل مبادئ وقيم الثورة، وضرب بها عرض الحائط. ما فائدة الجمع الكثير إذا كان مهلهلا وغير مترابط؟ وقد بان لك ذلك يوم إعلانه واقتبس”كان المجلس زواجا بالإكراه قبلنا به لتجنب خروج الأمور عن السيطرة”.. تفسيري لشرطك الأول هذا بحسن ظن يقيني فيك سببه الخطأ في تقدير النقطة الفاصلة بين النظري الذي مارسته طيلة عقود، والعملي الذي وجدت نفسك في مواجهته، فقد درست ودرست في محاضراتك، أن النمو والنجاح والتنمية يجب ان يقوم به جميع قوى المجتمع، بدون مفاضلة او تمييز. وهذا صحيح تماما ولكن بعد تحديد وتعريف دقيق للمجتمع، فليس مجتمع الأسد من مجتمع الثورة بشكل أكيد، وليس منه أيضا أصحاب المصالح والمنافع والأهداف الخاصة سواء كانوا منتظمين بأحزاب، أو تيارات أو أي شيء ٱخر. ليس المهم مشاركة الجميع بل المهم المحافظة على قيم ومبادئ الثورة، كان يتوجب أن يكون شرطك الأول اطار عام يتلخص بتلك المبادئ والقيم، فمن قبله فهو منا ومن لم يقبله فليس منا. وثاني الشروط البناء الجديد ورفض البناء القديم، والحجة لأن البناء القديم سيفرض قوامه كاملا على البناء الجديد، كيف رأيت ان علاج هذه المشكلة بهدم البناء القديم كاملا وبناء جديد بشروط جديدة؟ وما الضامن أن لا يأتي بناء أجد يهدم ما بنيت على أنقاض بناء ٱخر؟ ألا تجد في هذه الطريقة في التفكير تقاربا وتماذجا وتماهيا بل واندماجا مع طريقة المعارضة الحزبية؟ الذي تعتبر المحاصصة عنوانه الأبرز.

رابط مختصر

عذراً التعليقات مغلقة