أتاتورك وأردوغان والعرب والثورة

2020-02-23T17:20:19+02:00
2020-02-23T17:20:24+02:00
آراء
عماد المصري23 فبراير 2020آخر تحديث : منذ شهر واحد
أتاتورك وأردوغان والعرب والثورة
Imad Almasri - حرية برس Horrya press

مصطفى كمال أتاتورك، والذي يصفه كثير من المسلمين أو الإسلاميين بالخائن، ربما ارتكب أخطاء جارحة للمسلمين، نعم فعلها، ولكنهم أي الناقمون عليه لم يتدارسوا ظروف البلاد في تلك الحقبة، ولا يتوقفون عند التحالف الأممي الذي حاصر البلد، وخنقها من كل جانب، واحتل أجزاء كبيرة من أراضيها، وكان يسعى لاحتلال كل تركيا كما فعلت اليونان آنذاك، ولكن بعد قراءتي المتواضعة لتلك المرحلة وجدت بأنه قد اكتشف سر اللعبة الدولية لاستعادة ما أمكن من مخلفات الدولة العثمانية التي بدأ سقوطها قبل بزوغ نجم أتاتورك بشكل متتالي من خلال تولي سلاطين ضعاف، أو مغلوب على أمرهم.

لقد فهم اللغز الذي ستسمح له دول التحالف، والغرب برمته لإعادة ما أمكن من الأراضي التركية، وتوحيد الشعب بمختلف إثنياته تحت علم واحد، وإعادة بناء دولة متماسكة قوية، وكان لا بد من التضحية بأشياء ثمينة لها مكانتها في قلوب الناس وخاصة المسلمين، كاستبدال اللغة وأحرفها، والبدء من الصفر.

لقد فعلها وفضل ذلك عندما رأى بأنه إن لم يقم بهذه الإجراءات القاسية فإنه تركيا مقبلة على كارثة أعظم من التي كانت تعيشها!

قد يقول البعض إنه لا يوجد مبرر يسمح لأي رئيس لكي ينهض بالبلد على حساب الفئة الأكبر من الشعب! وقد يقول بعضهم دون تأكد: إنه كان عميلاً مخصصاً ليقوم بما فعله نكاية بالإسلام والمسلمين!

وسيأتي الجواب إذا أخذ بحسن نية: إن نشأة الرجل كانت بالأصل علمانية، حيث أصرت والدته على متابعة دراسته بالمدارس العلمانية في سلونيك اليونانية التي ولد فيها، وتلك كانت رغبة والده الذي توفي عندما كان طفلاً، وبالتالي فإن نشأته وإن تعارضت مع الأفكار الدينية، إلا أنها كانت أفكار وطنية مغمورة بحب بلاده وأمنها. ومن المؤكد بأن الغرب قام بدعم الرجل بسبب توجهه العلماني، وهذا ما استفاد منه أتاتورك لإعادة الهيبة إلى تركيا كدولة قوية بعد أن تفتتت وتلاشت قواها، وتبعثرت جيوشها.

والعبرة نراها اليوم كسوريين وعرب؛ نحن نرى تركيا اليوم، الدولة القوية والعضو في حلف النيتو، صاحبة الاقتصاد العالمي في صفوف الدول العظمى، وهي الدولة التي تصنع وتزرع وتنسج وتأكل من إنتاجها، وتصدر للعالم على الجهات الأربعة.

نراها اليوم بقيادة رئيس يشهد له أعدائه بقدراته السياسية والخطابية، وهو الذي دأب على إنشاء المشاريع الضخمة في داخل وخارج تركيا، على مدى أكثر من عقدين.

هذا الرجل فهم نفس اللعبة العالمية ، واكتشف نفس اللغز، نتحدث بالتأكيد عن رجب طيب أردوغان.

فعندما خرج من السجن، خرج بعقلية وخطاب جديد، موجه للعالم الخارجي، شيء يطابق سياسة أتاتورك، بشكل أكثر ملائمة للداخل التركي المحافظ، فحظي بحب عموم الشعب، مع توافق غربي رأى فيه بأنه لا يشكل خطراً على الفكر العصري والمتمدن لما يعيشه العالم من حداثة وتسارع، واختلاف فكري وعقائدي لا يتوقف ولا يبتعد عن حلبات الصراع العالمي، سيما وأنه صار بمقدور أي دولة تمتلك مقومات معينة أن تؤثر على فئات كثيرة بداخل أي دولة أخرى إذا أرادت استهدافها.

إلا أن أردوغان تسرع في الآونة الاخيرة، وارتكب أخطاء لا يمكن للغرب أن يتجاهلها، ولكنهم أصبحوا مضطرين للاستمرار بالتعامل معه بشكل ندي، ظاهره الصداقة، كما يفعل هو بالضبط، أما الباطن فلا نعلم منه شيء.

وهذه الحالة تؤكد بأنه وبرغم تسرعه، تؤكد بأنه وصل إلى مرحلة معينة من القوة التي تقول فيها دولته كلمتها بثبات أمام الدول، ولم يعد من السهل التلاعب أو التحكم بتركيا كالسابق.

ولنقترب أكثر من واقعنا؛ بإمكاننا طرح أمثلة لحكومات عربية حاولت تقليد النموذج التركي لكي يتاح فرصة بناء دولة ذات سيادة واقتصاد يسمح لها اللعب في الساحة الدولية.

ولكن مشكلة هذه الدول (العربية الحديثة)، أنها تجاهلت تماماً ما يناسب شعبها وثقافته، فأدارت له ظهرها، وهمشت ثقافته، بل عارضته كلياَ، وعاملته وكأنه شعب غربي بثقافة غربية، دون مراعاة لجذور أو نشأة، فبالغت حكوماتهم بتغرييب الصورة العامة للحياة أكثر من الغرب انفسهم، بغية نيل مزيد من الرضى والقبول، ولكنه كان تغريباً شكلياً، يعتمد على قشور الغرب كالملاهي الليلية وحفلات الغناء، وانتشار الخمور ومعاملها، وليس في الثقافة والعلم وإنشاء المعامل وتدشين المنشئات الصناعية لاستثمار العقول، لأن (معظم) جامعاتهم هي جامعات أوربية وليست محلية، (ومعظم) المدرسين والخبراء هم من الغرب وليسوا من أبناء المنطقة، وهو ما يجعلها كخيمة في وسط صحراء واسعة، مهددة بالإقتلاع إذا ما هبت عاصفة الشعب وثارت ثورته.

ما المراد إيصاله؟

لا شك بأننا نحمل (شئنا أم أبينا) الثقافة الإسلامية والعربية، راغبين أو مرغمين، فهي ما نملك من إرث ولغة، وعلم وتجارب وفصاحة.

ولا شك بأن الفئة العظمى تجد في أن أي مساس لهذا الإرث هو تهديد مباشر للوجود. وهذا شعور له تبريراته عند أصحابه، ولكن؛ إذا تجاهلنا بقية المعطيات المحيطة والمحيقة فإن هذا الشعور لن ينقذ ذلك الإرث، ولن يتمكن أتباعه من الاستفادة منه لاحقاً، وسيصبح عرضة لمزيد من التهديد والتشويه أكثر من ذي قبل.

لذلك، فإن الاستفادة من تجارب الآخرين هي سمة الأذكياء، فعندنا بعض دول العرب، وعندنا تركيا، تجارب يمكن للشعب السوري فهم اللغز العالمي الذي تسيطر عليه القوى العظمى، وهنا تحاول الأنظمة العربية الديكتاتورية مجاراة اللعبة، من حيث إرضاء الغرب بأشكال الانفتاح (الظاهري)، وهو بالنسبة للغرب أمر مكشوف، ولكنه أقل خطورة من غيره لأنه وإن كان خدعة إعلامية مكشوفة، إلا أنه لا يهدد السياسة الغربية ولا الثقافة الغربية التي لديها فكرة مسبقة ومتغلغلة بأدمغتهم رسختها أحداث 11 سبتمبر بخبث ودهاء، بأن العرب والمسلمين كلهم متطرفون، وجاهزون لتفجير أنفسهم في أي تجمع غير مسلم، وقد وصل الأمر للهروب من أمام أي زي عربي (جلابية، عمامة، ولحية) لأنه رسم بالأذهان بأنه زي الإرهابيين.

لنعد إلى سورية وغيرها من بلاد الثورات:

أبناء الثورات ينظرون إلى الأمر بعين واحدة، أنها ثورة حق ضد الباطل والظلم.
لا شك أنها كذلك، ولكنهم (بالعموم)، لا يولون أهمية للبرامج الإعلامية التي يسوقها الخصوم لتشويه هذه الثورات، بحيث وصل التشوه والانقسام إلى داخل صفوف أبناء الثورة أنفسهم، لأنهم وبرغم أن معظمهم ينتمون للإسلام والعروبة بطبيعة الحال، إلا أن فيهم أعداد أخرى ليست إسلامية وليس عربية أو عروبية، وأيضاً من بين العرب والمسلمين هناك اختلاف منهجي يضاف إلى قائمة الانقسامات.

وهنا يلعب الإعلام المضاد للثورات لعبته، مستغلاً هذه الثغرات (المحقة)، ليضعف قوة الثورة وليدق مساميره وأوتاده في أماكن هي بالأساس شقوق موجودة، مما يجعل ضرباته أكثر إيلاماً وتأثيراً، لأنها تلامس العصب بشكل مباشر!

ولا شك بأن الأنظمة القمعية التي ثار عليها الشعب، تعلم طبيعة شعبها وما يؤجج مشاعره، وما يزيد بفرقته. قبل أن تلعب ألاعيبها في صفوف الثورة عن طريق توسيع الشروح الموجودة بالأصل:
(كالخلاف الديني والعرقي، والفكري)، قامت وما زالت تنشر وتروج لصورة القتل والتعذيب الذي يقوم بها عناصرها، بل أضافت إلى ذلك استئجار أو دفع (بعض) الموالين لها بتصوير مقاطع فيديو للاحتفال والابتهاج بهذه الجرائم، كنوع من التعبير عن الامتنان للحكومة بهذا النصر المزعوم، وهدف هذه المشاهد هو منع أي فرصة لأبناء البلد الواحد من الإلتقاء أو التفاهم، لأن من شاهد هذه الاحتفالات سيصاب بداء الكراهية والحقد، والتهديد والوعيد لفاعليها، وبعدها سيشعر المهدد الموالي، بأنه عرضة للخطر مجدداً، وأن خلاصه الوحيد هو البقاء وراء قوة الحكومة التي تدعي حمايته من وحشية أبناء الثورة كما يصور له النظام.

لنعد إلى اللغز:
بعد أن سيطر النظام السوري على معظم المحافظات والمدن بدعم عسكري مباشر من روسيا وايران، وبرغم كل التهديدات والوعود التي أطلقتها تركية، ومع أنها كما ذكرنا بأنها دولة قوية لا يمكن تجاهل قوتها ومكانتها، ولكنها ومع ذلك؛ تبدو غير قادرة على مواجهة العالم وحدها، وهذا أمر منطقي ومفهوم. فهي تعلم اللغز وتعلم أسرار اللعبة جيداً، لأنها في حال فعلت وقررت فهي أمام خيارين: إما أن تتحد معها الدول العربية والمسلمة لتنتصر، وهذا لن يحدث بناء على المعطيات المعروفة للجميع. أو أن تصبر وتستمر لتنجو من مواجهة محتومة النتائج، وهي الدمار والخراب والفناء، بحيث لن تقوم لها قيامة ثانية قبل أقل من 50 سنة.

لذلك فإن أهل الثورات في البلاد العربية هم أمام نفس الخيارات المذكورة: إما أن تتحد الدول العربية والمسلمة بانتصار هذه الثورات كما يشتهون، وهذا لن يحدث بناء على المعطيات المعروفة. أو أن يفهموا لغز اللعبة العالمي، وألا يواجهون سمك القرش الذي سيأكلهم ويطحنهم لا محال، إلى حين أم ينموا ويكبر صغار السمك، ويصبح قرشاً بإمكانه لاحقاً اتخاذ القرار المناسب.

وعدا كل ذلك يبقى خارج الحسابات البشرية التي تتخذ من الأسباب والحساب منهجاً للعقلاء، ويبقى متعلق بإعجاز إلهي لا أحد يعرف عنه شيء، سوى التمني.

وأذكر كلمة قالها لنا المتحدث والخبير في ريادة وقيادة المجتمع الأمريكي الأستاذ “جاك كانفيلد”، في مركز المؤتمرات القطري بالدوحة، بأنهم: أي الغرب وأمريكا، لا يكرهونكم، ولكنهم متخوفون بعض الشيء. أي أنهم يخافون من مستقبلهم معنا، من توجهنا إذا كان سيهدد مستقبلهم، وهنا يأتي دورنا نحن لنزيل هذا التشوه الذي رسخته الأنظمة الديكتاتورية في أذهان الغرب، لأن الغرب اليوم هو المتحكم بخيوط اللعبة، بينما نحن وبرغم كل طموحاتنا ما زلنا نحبو في أول طريق الحرية والعدالة والمساواة، بعد أن تلاشت مقدرات بلادنا، وتحولت إلى ألعوبة بأيدي المافيات التي تستغل نقاط قوتنا وتبعثرنا من أجل أن تبقى هي اللاعب المهم في هذه اللعبة.

فما رأيك في ذلك؟

رابط مختصر

عذراً التعليقات مغلقة