الدولة المتوحشة.. حين يتحول الانتقال الاقتصادي إلى عبء اجتماعي

مدين يحيى10 أبريل 2026آخر تحديث :
الدولة المتوحشة.. حين يتحول الانتقال الاقتصادي إلى عبء اجتماعي
مدين يحيى أخصائي علوم سياسية

لم تعد المسألة في سوريا اليوم مجرد انتقال نظري من نموذج اقتصادي إلى آخر، بل تحوّلت إلى اختبار حقيقي لقدرة السلطة الجديدة على فهم معنى “الدولة” قبل أن تعلن شكلها الاقتصادي. فالإعلان الضمني أو الصريح عن التوجه نحو اقتصاد السوق الحر لا يكفي بحد ذاته، بل يفتح الباب أمام سؤال أكثر عمقاً: أي سوق حر؟! ولصالح من؟
ما يجري اليوم يحمل ملامح انتقال مشوّه، لا من اقتصاد الدولة إلى اقتصاد السوق الحر ، بل من دولة منهكة إلى سوق منفلت. فالدولة التي لم تستكمل بعد إعادة بناء مؤسساتها، ولا تزال تعمل بعقلية بيروقراطية ثقيلة موروثة من النظام السابق، تحاول في الوقت ذاته تحرير الأسعار ورفع الدعم، وكأنها تمتلك أدوات الضبط والتوازن التي تمتلكها الدول المستقرة
وهنا تكمن المفارقة: يتم تحرير السوق دون تحرير الدولة من عجزها.
إن رفع الرواتب، الذي يُقدَّم بوصفه إنجازاً، يفقد معناه حين يترافق مع تضخم منفلت فما قيمة زيادة شكلية في الدخل إذا كان سعر الخبز – بوصفه المؤشر الأكثر حساسية للفقر – قد قفز من 500 إلى 4000؟ هذه ليست مجرد أرقام، بل تعبير عن اختلال عميق في العلاقة بين الدولة والمجتمع. “الدولة هنا لا تعيد توزيع الثروة، بل تعيد توزيع الفقر”.
وفي قلب هذا المشهد، يقف ابناء الطبقة العاملة، التي شكّلت تاريخياً الحاضنة الاجتماعية لأي مشروع تغييري، أمام معادلة قاسية: هم من دفع ثمن الثورة، وهم اليوم يدفعون ثمن “الإصلاح”. لكن دون أن يرى نتائج ملموسة. فاقتصاد السوق ، حين يُفرض في بيئة فقيرة دون شبكات أمان، يتحول إلى أداة إقصاء لا إلى وسيلة نمو.

التناقض البنيوي يظهر بوضوح: الدولة تريد أن تتخلى عن دورها الاجتماعي، لكنها لم تتخلَّ بعد عن أدواتها التحكمية

الأخطر من ذلك، أن الخطاب الاقتصادي الرسمي يبدو وكأنه يقفز فوق الواقع. كيف يمكن الحديث عن جذب استثمارات في ظل بيئة إدارية ما تزال أسيرة الروتين القاتل؟ المستثمر لا يخشى فقط المخاطر الأمنية، بل يخشى أيضاً الزمن الضائع في دهاليز المعاملات، حيث يمكن لورقة واحدة أن تعطل مشروعاً لأشهر. الاقتصاد الحر لا يقوم فقط على حرية السوق، بل على كفاءة الدولة، وهذه الأخيرة ما تزال غائبة.
ثم إن التناقض البنيوي يظهر بوضوح: الدولة تريد أن تتخلى عن دورها الاجتماعي، لكنها لم تتخلَّ بعد عن أدواتها التحكمية. فهي لا تزال تحتفظ بقوانين اشتراكية في الإدارة والتنظيم، بينما تتبنى سياسات ليبرالية في التسعير ورفع الدعم. والنتيجة ليست اقتصاداً مختلطا، بل اقتصادا مرتبكا، يثقل كاهل المواطن ويُنفّر المستثمر في آنٍ معاً.
هذا النمط من “اقتصاد السوق المشوه” يخلق طبقة ضيقة من المستفيدين، مقابل اتساع دائرة الهشاشة، لدى باقي طبقات المجتمع ،ومع غياب الشفافية تتحول الخصخصة – إن حدثت – إلى إعادة توزيع للنفوذ لا للثروة. وهنا يظهر خطر الدولة المتوحشة: دولة تنسحب من التزاماتها الاجتماعية، دون أن تتخلى عن سلطتها، فتترك المجتمع لمصير اقتصادي قاسٍ، بينما تحتفظ لنفسها بأدوات السيطرة.

مع غياب الشفافية تتحول الخصخصة – إن حدثت – إلى إعادة توزيع للنفوذ لا للثروة

إن بناء اقتصاد سوق حر في سوريا لا يمكن أن يتم عبر الصدمات، بل عبر التدرّج. لا يمكن رفع الدعم قبل بناء بدائل، ولا يمكن تحرير السوق قبل إصلاح القضاء والإدارة، ولا يمكن مطالبة المواطن بالصبر إلى ما لا نهاية دون إشراكه في الفوائد ، فالثقة بين الفرد والدولة التي تآكلت عبر سنوات، لا تُبنى بالوعود، بل بالنتائج.
المشكلة اليوم ليست في الاتجاه نحو ( اقتصاد السوق الحر) بحد ذاته، بل في الطريقة التي يُدار بها هذا التحول ، فالدول لا تُقاس بالشعارات الاقتصادية التي ترفعها، بل بقدرتها على تحقيق التوازن بين الكفاءة والعدالة، وسوريا في هذه اللحظة المفصلية، تحتاج إلى رأسمالية اجتماعية، لا إلى رأسمالية متوحشة؛ إلى دولة تنظّم السوق، لا دولة تنسحب منه؛ إلى إصلاح مؤسسي يسبق التحرير الاقتصادي، لا أن يأتي متأخراً عنه.

الدول لا تُقاس بالشعارات الاقتصادية التي ترفعها، بل بقدرتها على تحقيق التوازن بين الكفاءة والعدالة

في النهاية، لا يمكن لأي مشروع سياسي أن ينجح إذا خسر قاعدته الاجتماعية. والشعب السوري، الذي لم تعد الوعود تقنعه، لن يقيس المرحلة القادمة بما يُقال، بل بما يعيشه يومياً: سعر خبز، فاتورة كهرباء، وفرصة عمل. تلك هي المعايير الحقيقية لأي انتقال… وتلك هي اللحظة التي تختبر فيها الدولة: هل هي مشروع بناء، أم مجرد سلطة تبحث عن صيغة جديدة للبقاء؟

اترك رد

عاجل