

أثبتت التحولات التاريخية التي شهدناها في كانون الأول/ ديسمبر 2024 أن النموذج السوري في اقتلاع الأنظمة الاستبدادية وتفكيك بنيتها العسكرية من جذورها تمثل الأسلوب الأنجع للتخلص من أنظمة الاستبداد الإقليمي.
واليوم، لم يعد تبني هذا النموذج مجرد خيار سياسي، بل ضرورة أمنية قصوى فرضتها الاعتداءات الإيرانية السافرة التي طالت المصالح الحيوية لدول المنطقة، مجبرةً إياها على التحرك الاستباقي لحماية أمنها القومي من نظام يسعى لتحويل استقرار الخليج إلى رهينة بيده.
طالت التحركات الإيرانية العدوانية الأخيرة دولتين إقليميتين كبيرتين لهما وزن وكلمة حاسمة في الميدان، المملكة العربية السعودية وتركيا. مؤخراً استهدفت المسيرات الإيرانية مصفاة سامرف في ميناء ينبع السعودي، وهو المنفذ الاستراتيجي البديل لتصدير النفط بعد إغلاق مضيق هرمز في مطلع الشهر الجاري.
بعث هذا الاستهداف السافر لينبع برسالة يأس إيرانية مفادها أن كافة طرق التصدير باتت في خطر، وهو ما استوجب رداً حاسماً عبّر عنه وزير الخارجية السعودي في اجتماع الرياض التشاوري، مؤكداً أن حسابات طهران خاطئة تماماً إذا اعتقدت أن دول الخليج غير قادرة على الرد. بالتوازي، تلقى الجانب التركي صفعة غادرة بإسقاط نيران إيرانية لمروحية كانت تحمل فنيين من شركة أسيلسان أكبر عملاق للصناعات الدفاعية التركية، في 21 آذار 2026.
ويضع هذا التصعيد طهران في مواجهة مباشرة مع تنسيق عسكري سعودي-تركي محتمل، خاصة وأن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان اعتبر قمة الرياض بمثابة آخر تحذير إقليمي ضد التهور الإيراني، محذراً من أن خطر الحرب الشاملة ازداد بشكل كبير نتيجة هذه الحماقات.
لقد أثبتت الأيام الـ 12 الأولى من نزاع 2026 أن دول الخليج تمتلك درعاً حصيناً نجح في اعتراض 3133 صاروخاً وطائرة مسيرة. ومع ذلك، فإن الاستمرار في الدفاع السلبي يمثل انتحاراً اقتصادياً؛ فاستنزاف صواريخ باتريوت المكلفة لإسقاط مسيرات شاهد زهيدة الثمن يخلق عبئاً مالياً مستداماً. هنا تبرز أهمية التحول نحو العمليات الجراحية العميقة. إن الأساطيل الجوية السعودية والإماراتية والقطرية المكونة من طائرات F-15SA ورافال وتايفون قادرة، بالتنسيق مع الحلفاء، على شل قدرة الحرس الثوري في مهده.
يبرز هنا تباين استراتيجي جوهري؛ فبينما يميل مستشار الأمن القومي الأميركي جيك سوليفان إلى تقييم مفاده أن إيران الفوضوية والمنقسمة أكثر أماناً لإسرائيل، فإن هذا السيناريو يمثل كابوساً لدول الجوار. إن الهدف الإسرائيلي المتمثل في تفتيت إيران إلى أشلاء لا يناسب دول الخليج ولا تركيا؛ إذ يتطلب أمن المنطقة ضمان نظام جديد في طهران يمتلك السيادة والمسؤولية، بحيث لا يشكل خطراً مستقبلياً على الملاحة البحرية أو أمن الجوار.
لذا، يجب على دول المنطقة أن تتدخل لتقول كلمتها في عملية التغيير، لضمان ألا يكون البديل مجرد فراغ أمني. إن دول الخليج العربي لن تدخل هذا الصراع رغبةً فيه، بل لأن إيران أجبرتها على ذلك بتحويل استقرار المنطقة لرهينة سياسية.
خلافاً للحالة السورية في بداياتها، تمتلك إيران اليوم جبهة داخلية منظمة قادرة على إدارة المرحلة الانتقالية ومنع الفوضى الشاملة. تلعب وحدات المقاومة التابعة لمنظمة مجاهدي خلق، النشطة في كافة المحافظات الإيرانية الـ 31، دوراً محورياً في زعزعة أركان النظام. وقد نفذت هذه الوحدات في آذار 2026 وحده أكثر من 31 عملية نوعية استهدفت مراكز القمع والفساد التابعة للحرس الثوري.
القضية الأبرز هي التحرك الميداني لـ جيش التحرير الوطني الإيراني، الذي أثبت قدرته كذراع ضاربة من خلال عملية جريئة استهدفت مجمع القيادة في طهران في 23 شباط 2026، تلاها هجوم نوعي على مبنى المحافظة في الأهواز في 17 آذار.
وتقدم هذه القوة المنظمة، المنضوية تحت لواء المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية، حكومة مؤقتة وخارطة طريق واضحة لنقل السيادة وإرساء جمهورية ديمقراطية تعددية، وهو ما يضمن انتقالاً منظماً يقطع الطريق على سيناريوهات التفتيت الدولية.
خلافاً لتوقعات البعض، لن تتحول إيران إلى نسخة من كوريا الشمالية؛ فالنظام الإيراني القائم على الولاء الأيديولوجي والفساد والريعية يتفكك بنيوياً تحت وطأة التدمير الاستراتيجي والانهيار الاقتصادي، حيث وصل سعر الريال إلى 1.4 مليون مقابل الدولار.
تتحول إيران اليوم بسرعة إلى دولة فاشلة تقاد بشكل أكبر من قبل ميليشيات الحرس الثوري التي تتضاءل قدراتها اللوجستية والقيادية بعد مقتل كبار القادة في شباط. وكما نجح النموذج السوري في قطع طريق طهران-بيروت، يجب على العرب اليوم قطع طريق الثورة من منبعها من خلال دعم البديل الحقيقي القابل للتطبيق وإفشال سناريوهات الفوضى.
الخلاصة أن استلهام التجربة السورية في قلب طهران اليوم لا يمر عبر التدمير الممنهج لقدرات النظام العسكرية فقط، بل يجب أن يشمل دعم الديناميكيات الداخلية الحاسمة والبدائل المنظمة مثل منظمة مجاهدي خلق ووحدات المقاومة وجيش التحرير الوطني، كضرورة لا بديل عنها لضمان أمن إقليمي دائم.
لا يمكن للمملكة العربية السعودية وحلفائها الوقوف مكتوفي الأيدي أمام الاستهداف السافر لسيادتها؛ فالحسم العسكري والأمني والإعلامي هو السبيل الوحيد للتحرر من الابتزاز الإيراني وضمان أن يكون اليوم التالي لسقوط النظام بداية لعصر استقرار جديد يخدم مصالح شعوب المنطقة.





