سبعة أعوام.. والمرأة حاضرة في الثورة السورية

2018-03-15T17:58:14+02:00
2018-03-15T18:05:13+02:00
المرأة والطفل
فريق التحرير15 مارس 2018آخر تحديث : منذ 3 سنوات
أحمد الرحال
Untitled 166 - حرية برس Horrya press
كانت المرأة السورية الشريكة التي تقف إلى جانب الرجل في الثورة تصرخ وتنادي بالحرية وتحلم بمستقبل أفضل لبلدها ولأبنائها. وكانت شهيدة وأم شهيد وأخت شهيد وزوجة شهيد وبنت شهيد

شاركت المرأة السورية منذ بداية الحراك الثوري السلمي ضدّ النظام الاستبدادي الذي أذاق السوريين رجالاً ونساءاً دون تفريق، أشكالاً مُتعدّدة من القمع والإذلال، وانخرطت في الثورة السورية منذ ندائها الأول وكانت فيها جنباً إلى جنب مع الرجل، وتحدّت بجسارة مخاطر القمع والقتل والاعتقال اليومي في ميادين الحراك كافة.

ولم يكن للمرأة السورية أيّ تقصير منذ بداية الثورة وحتى يومنا هذا، ورغم طبيعة المرأة المرهفة والحساسة وأنوثتها إلا أنها أبت إلا أن تشارك الرجل في ثورة الحرية والكرامة في ظل الظروف القاسية والمريرة التي عانتها طيلة سبعة أعوام، برزت مشاركتها الواسعة في المرحلة السلمية في المشاركة بالمظاهرات، تشييع الشهداء، وكتابة اللافتات والشعارات المناهضة للنظام، وإلقاء الخطب. فضلاً عن دورها في مجال العمل السياسي، وإطلاق الأحزاب الجديدة، وتحرير صحف ومواقع الثورة، والعمل مع تنسيقيات الثورة. كما كان وجود الأنثى حاضراً بقوة في المؤسسات التعليمية والإغاثية والطبية. وبرغم واقع المرأة وبنية جسدها الذي لا يسمح لها بأن تكون بجلادة الرجل وقسوته وتحمل أعباء المعارك، إلا أن هناك منهن أثبتت وجودها بحملها للسلاح ودفاعها عن أرضها وأبنائها.

كانت “فدوى سليمان” من أوائل الفنانين السوريين الذين شاركوا بثورة الكرامة منذ انطلاقتها، فلم تغب عن مظاهراتها أو اعتصاماتها، وأصبحت إحدى أيقونات الثورة السورية في مرحلتها السلمية حين دعت إلى الصمود في وجه القمع. حيث تصدرت العديد من المظاهرات في عدد من المدن السورية، أشهرها تلك التي كانت في مدينة حمص عاصمة الثورة السورية. وفي ظل تزايد شعبيتها كأحد وجوه الثورة، إلا أن “فدوى” باتت هدفاً للنظام، وعمدت إلى قص شعرها مثل الرجال والتنقل من منزل لآخر لتفادي اعتقالها.

واتجهت الكثيرات إلى تكثيف أنشطتهن على مواقع التواصل الاجتماعي، والمدونات الإلكترونية، كمنبر يتحدثن من خلاله بحرية ضد القمع والظلم الذي يتعرض له الكثير من السوريين المطالبين بالحرية. ومع انطلاقة الثورة السورية، اتّخذت الفنانة السورية “يارا صبري” قرارها بأن تتبنّى قضيّة المعتقلين السوريين. بدأ عملها حين كانت في دمشق على شكل نداء على فيسبوك للمطالبة بحرية المعتقلين، كان النداءُ إصراراً منها على كلمة حرية، فالحرية ليست تهمة، وهي حق مشروع لكل الناس، ولكن مع بداية الثورة وكسر حاجز الخوف، أصبح الاهتمام بهذا الملف بالنسبة لها أمراً ملحاً وواجباً إنسانياً. سبع سنوات لم تنقطع خلالها “يارا” يوماً عن الاهتمام بالمعتقلين، لتثبت لنا بأن جملتها الشهيرة “لا بنكل ولا بنمل، بدنا ياهن بدنا الكل”، لم تكن مجرّد كلماتٍ بل فعلاً يومياً له تأثيره العميق. سبع سنوات من عمر الثورة السورية كانت بمثابة بداية جديدة لها كما للسوريين جميعاً، وكانت تجربة باص الحرية بمثابة فُسحة أملٍ ومحاولة لدعم أهالي المعتقلين، والتّأكيد لهم أنّنا هنا إلى جانبهم، إضافة إلى أنّها تجربة يتشارك فيها السوريون قلقهم على المعتقلين، وفرحهم بحرية من ينجو منهم.

وبالتوازي ظهرت شخصيات نسائية كناشطات حقوقيات في المجتمع السوري على غرار الناشطة “رزان زيتونة” التي أسست مع ناشطين لجان التنسيق المحلية في سوريا لتوثيق انتهاكات النظام السوري لحقوق الإنسان، وكانت تلعب دوراً رئيسياً في تنظيم عمل اللجان. ومع بداية الثورة اضطرت للتخفي بسبب نشاطها الإعلامي لنقل ما يحدث على الأرض السورية لوسائل الإعلام المختلفة، ولاسيما الانتهاكات التي يتعرض لها السوريون في ثورتهم من أجل الحرية من اعتقالات وتعذيب وقتل وتنكيل. ويُذكر أن الناشطة رزان زيتونة حصلت عام 2011 على جائزة “أنا بوليتكوفيسكايا” المرموقة بسبب تقاريرها عن الفظائع المرتكبة ضد المدنيين في سوريا، واختارها البرلمان الأوروبي في ذات العام للفوز بجائزة ساخاروف لحرية الفكر.

ولم يتوقف نشاط المرأة السورية خلال الثورة عند هذا الحد، بل إنها حملت الكاميرا وبدأت بتوثيق جرائم النظام السوري عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وباتت توثق الحصار الذي تفرضه قوات الأسد على المناطق الخارجة عن سيطرته، وهو ما حصل مع الإعلامية “جودي عرش”، بعدما اعتقلها الأمن العسكري في حمص منتصف شباط 2012 لعدة ساعات، أثناء محاولتها إدخال المساعدات إلى حي الوعر الذي نشأت فيه، تعرضت “جودي” خلال الاعتقال للضرب والتعنيف الجسدي والنفسي، وبعد خروجها عادت إلى الحي وبدأت مسيرتها في الإعلام والتوثيق إلى أن خرجت منه لتتابع عملها في مدينة الباب.

ومع ارتفاع وتيرة القمع الذي يفرضه نظام الأسد على المناطق المحررة، وتطويقها وفرض الحصار عليها، عانت معظم المناطق من الجوع ونقص الرعاية الصحية، وباتت أشبه بالسجون ولكنها غير مغلقة، فما كان من “أم سميح” إلا أن أخذت بالتحرك على مستوى علاقاتها وأهل الخير لمد يد المساعدة لها لخدمة الفقراء. وبدأت بالتواصل مع صديقتها في المعتقل سابقاً لمدّها بمبلغ مالي، لتنفيذ مشروع إطعام عدد من العوائل المحتاجة في مدينة حرستا، ولم يمنعها اعتقالها من العمل على مد يد العون للفقراء والمحاصرين في الغوطة الشرقية. فبعد خروجها من المعتقل بدأت مسيرتها عبر مطبخها المكون من أربع مواقد الخشبية، وبمساعدة التبرعات التي كانت تأتيها من أهالي مدينة السويداء ومن المغتربين. وبات المطبخ طريقتها لتحدي النظام والحصار معاً، وتحطيم سياسية التجويع التي يتبعها النظام لتركيع أهالي الغوطة.

أما عن ساحات المعارك، فلم تخلُ من وجود السوريات أيضاً، كمثيلات “سعاد الكياري” الملقبة “أم عبود” التي برزت في ميادين القتال والتضحية في درب الثورة إلى جانب الثوار الأحرار في بلدها أبو الظهور بريف إدلب الشرقي. ومع بدايات الثورة السورية ظهرت “أم عبود”، حاملة سلاحها، ومتوعدة رئيس النظام السوري بشار الأسد وقواته بالقتل، بسبب القمع الوحشي الذي مارستهُ قواته ضد المدنيين المطالبين بالحرية. وبعد أن فقدت اثنين من أشقائها على يد قوات الأسد، توجهت إلى حمل السلاح بنفسها، والانضمام إلى فصائل الثوار، وقاتلت جنباً إلى جنب إلى جانب الثوار على الجبهات. عرفتها في كل بقاع إدلب وعرفها كل من زار الجبهات قوية صلبة حرة ثائرة صابرة ثابتة.

وكما هو الحال ذاته، أبت المرأة السورية إلا أن تثبت وجودها أيضاً في العمل الإنساني، فمنهن من سلكت الطريق الطبي محاولة تحمّل ضغط العمل والحصار والقصف، مثلما فعلت طبيبة الأطفال “أماني بللور” وهي مديرة مشفى ميداني في الغوطة الشرقية، الذي معظم أطباءه وممرضيه من الرجال. تقوم بمتابعة عملها باستمرار لمساعدة الجرحى والمصابين والاطمئنان عليهم، مواجهة نظرة المجتمع القاسية لها بحكم أنها امرأة. وفي الطرف الآخر كانت “صبحية السعد”، المندفعة والمحبّة للعمل الإنساني، والمتطوعة في صفوف الدفاع المدني في مدينة إدلب. دأبت على المشاركة في كل المهام التي تقتضيها الظروف من نقل الإصابات ومداواة الجرحى، وإنقاذ المدنيين في المواقع المستهدفة والتوعية الخاصة بالحماية الشخصية خلال القصف والغارات.

ولم يتوقف عمل المرأة السورية هنا فحسب، إنما حاولت أن تكون منبراً لإيصال صوت السوريين للمجتمع الدولي حول ما يحدث في سوريا من جرائم وانتهاكات تُرتكب بحق الشعب السوري. فكانت “نغم الغادري” أحد السبّاقات في ميدان العمل السياسي، وهي نائب سابق في الإئتلاف الوطني السوري. أكدت من خلال عملها على قدرتها على رفع صوت السوريين الأحرار، وذلك من خلال مشاركتها في مؤتمر “التعهد من أجل المساواة” في العاصمة الفرنسية باريس، على سبيل المثال، حيث تحدثت عما تتعرض له المعتقلات داخل سجون الاعتقال وخارجها من ضغطٍ نفسي قد يدفعهن للانتحار، وخاطبت المجتمع الدولي الذي تخاذل عن مساعدة أبناء بلدها ويقف عاجزاً أمام موتهم وتهجيرهم وقتل أحلامهم وذكرياتهم.

ويمكن القول هنا أن مسيرة المرأة في الحراك السوري، كسرت القيود البالية التي وضعها المجتمع وشاركت بصنع تاريخ سوريا الجديد. ولكن مع تصعيد العمليات العسكرية من قبل نظام الأسد برزت أهمية الدور النسائي على الأرض، وشجاعتهن في مواجهة الموت. فكانت الشريكة التي تقف إلى جانب الرجل في الثورة تصرخ وتنادي بالحرية وتحلم بمستقبل أفضل لبلدها ولأبنائها. وكانت شهيدة وأم شهيد وأخت شهيد وزوجة شهيد وبنت شهيد، وما تزال وحتى هذه اللحظة تقدم التضحيات الواحدة تلو الأخرى في الوقوف في وجه نظام امتهن سياسة إذلال شعبه وقهره، وتحمل أوزار التشرد والشتات مع الرجال. وفي الذكرى السابعة لثورتنا المجيدة لا يسعنا إلا القول بأن ثورة يحملها رجالها ونساؤها على عاتقهم معاً لا يمكن هزيمتها.

رابط مختصر

عذراً التعليقات مغلقة