من استغلال الألم إلى صُنع الذاكرة.. ألمانيا وإسبانيا حَوَّلْتْ سجون القمع إلى متاحف.. متى يأتي دور صيدنايا؟

رسومات سجن صيدنايا وإخفاء الأدلة: مقارنة بين تاريخ السجون في سوريا والدول المتقدمة

لجين مليحان16 فبراير 2025آخر تحديث :
من استغلال الألم إلى صُنع الذاكرة.. ألمانيا وإسبانيا حَوَّلْتْ سجون القمع إلى متاحف.. متى يأتي دور صيدنايا؟
سجن صيدنايا أحد أكثر أماكن الاعتقال وحشية وإجراما لدى نظام الأسد

تحويل سجون القمع إلى متاحف للذاكرة: دروس من ألمانيا وإسبانيا

السجون التي شهدت فترات قمعية ليست مجرد جدران صامتة، بل ذاكرة حية تحمل شهادات الضحايا وآلامهم. حول العالم، تتحول بعض هذه السجون إلى متاحف تروي قصص الظلم، وتصبح أدوات لتوعية الأجيال بمخاطر الاستبداد. ألمانيا وإسبانيا نموذجان بارزان في هذا السياق، حيث حوّلتا سجونًا رمزية إلى فضاءات للذاكرة، تشابهًا مع ما يُمكن أن يحدث لسجن صيدنايا السوري لو توفرت الإرادة السياسية.

ألمانيا من جحيم “الشتازي” إلى متاحف الحقيقة

  • سجن هوهنشونهاوزن (برلين): التاريخ الأسود كان المقر السري لجهاز أمن الدولة (شتازي) في ألمانيا الشرقية، حيث عُذّب آلاف المعارضين بين 1951 و1989، فتحول إلى نصب تذكاري بعد سقوط الجدار، حوّل الناجون السجن إلى متحف عام 1994. اليوم، تُقدّم جولات بإشراف سجناء سابقين، تروي تفاصيل التعذيب النفسي، مثل العزل في زنازين مظلمة لأشهر، وتُعرض أدوات المراقبة التي استخدمها النظام لتحطيم الروح قبل الجسد.
  • معسكر زاكسنهاوزن (أورانينبورغ): كان رمز الإبادة النازية وشهد إبادة عشرات الآلاف بين 1936 و1945، معظمهم من اليهود والمعارضين. أصبح متحف للإنذار الدائم: يُعد اليوم جزءًا من شبكة التذكير بالمحرقة، مع معارض تفاعلية تُظهر كيف حوّل النازيون السجون إلى آلات موت. الزائر يسمع أصوات الناجين عبر سماعات، وكأن الجدران ما زالت تئنّ.
    أما إسبانيا: مواجهة شبح فرانكو عبر الذاكرة
  1. قلعة مونتجويك (برشلونة): من قلعة عسكرية إلى سجن دموي خلال حكم فرانكو (1939–1975)، سُجن فيه آلاف الجمهوريين، وأُعدم المئات رميًا بالرصاص. ومتحف الذاكرة الديمقراطية افتُتح عام 2007، يعرض صور الضحايا الشخصية، ورسائلهم الأخيرة لأحبائهم، مع تركيز على ضرورة “عدم النسيان” في مجتمع ما يزال منقسمًا حول إرث الديكتاتورية.
  2. سجن كارابانشيل (مدريد): أيقونة القمع الفرانكوي الذب شهد تعذيبًا منهجيًا للمعارضين حتى إغلاقه عام 1998. صراع الذاكرة vs النسيان رغم هدم أجزاء منه، حوّل الناشطون قبو السجن إلى “مركز ثقافي” عام 2008، تُنظم فيه معارض فنية تستلهم قصص السجناء، كنوع من المقاومة الثقافية ضد محو التاريخ.
  3. سجن برغش (إقليم الباسك): “سجن المثقفين” خلال السبعينيات، احتجز النظام عشرات المثقفين المناهضين للفرانكوية. ليصبح فيما بعد”فضاء للحوار”: تحوّل جزء منه إلى متحف يعقد ندوات عن “التسامح”، ويوثق كيفية استخدام السجون سياسيًّا لسحق الهُويات المحلية.

سوريا وسجن صيدنايا: هل من أمل في تحوّل مماثل؟

بينما نجحت ألمانيا وإسبانيا في تحويل سجونهم إلى أدوات لمحاربة النسيان، يظل مصير سجن صيدنايا الذي يُعتبر أحد أكثر السجون وحشية في القرن الـ21 معلقًا، بسبب الإهمال وانعدام المسؤولية. لكن دروس التاريخ تُظهر، أن التحوّل يتطلب إرادة سياسية تبنت ألمانيا سياسات صارمة لمحاكمة مجرمي “الشتازي”، بينما أقرت إسبانيا “قانون الذاكرة التاريخية” (2007) لتعويض ضحايا فرانكو. الذاكرة سلاح ضد التكرار متاحف مثل “هوهنشونهاوزن” لا تُكرّم الضحايا فحسب، بل تُعلّم الزائرين كيفية كشف علامات الاستبداد المبكرة. والصراع حول الرواية جزء من العلاج الجدل الإسباني حول متحف “كارابانشيل” يثبت أن الاعتراف بالتاريخ عملية مؤلمة، لكنها ضرورية.

ختاما: لا تبيعوا دماءنا.. فالتاريخ لا يُشترى
السجون التي تتحول إلى متاحف ليست أماكن للموتى، بل للأحياء الذين يرفضون أن تموت الحقيقة و تُسرق كرامتهم مرتين: مرةً تحت التعذيب، ومرةً تحت شعارات الإعلانات. ألمانيا وإسبانيا تعلماننا أن الاعتراف بالجرائم بداية العدالة، أما الصمت فيصير تواطؤًا. ربما يأتي يومٌ تُفتح فيه الأبواب، لا لتصير سوقًا للدعاية، بل لتروي للعالم أن الظلم سقط، وأن الحقيقة انتصرت. لكن هذا اليوم لن يولد دون خطواتٍ جريئة محاكمة الجناة، حماية المواقع، وإشراك الضحايا في كتابة تاريخهم. وربما يأتي اليوم الذي يصبح فيه سجن صيدنايا متْحفا، ليسرد للعالم أن الظلم لم ينتصر.

التعليقات

عذراً التعليقات مغلقة

    عاجل