الحيطان في ذاكرة السوريين

2017-03-06T09:14:02+02:00
2017-03-06T09:15:42+02:00
آراء
فراس علاوي6 مارس 2017آخر تحديث : منذ 4 سنوات
الحيطان في ذاكرة السوريين
feras - حرية برس Horrya press

* فراس علاوي

للحيطان قصص كثيرة في ذاكرة السوريين تكاد تدخل في تفاصيل حياتهم، شكّلَ وجودها منعطفاً في حياتهم وحضوراً فاعلاً حتى في أفعالهم وأقوالهم، ولعل أبرز أشكال ذلك الحضور كانت في المثل القائل: “الحيطان لها آذان”، وهو مثلٌ يحمل بين طياته سنيناً من القمع والخوف في ذاكرة السوريين.

يقول حسام وهو أحد معتقلي الرأي السابقين، كان قد اعتُقل لسبب بسيط كما يروي، وهو أن أحد أصدقائه سجن بتهمة انتماءه لتنظيم الإخوان المسلمين، وبحسب المادة الثامنة التي تقضي بالإعدام لكلّ من ثبت انتماؤه لجماعة الإخوان المسلمين، وبحسب قانون الطوارئ الذي بقي العمل به مستمراً في سوريا طيلة عقدي الثمانينات والتسعينات وحتى قيام الثورة السورية، فإن السجن كان مصير كل من يشتبه بانتمائه للتنظيم أو أنه على صلة مع أحد المعتقلين أو المشتبه بهم.

يتابع حسام: «لقد اعتقلت لمدة أحد عشر عاماً بين حيطان معتقل بارد، مورست ضدي كل أنواع التعذيب وطرقه وفنونه، ومن ثم أصبحتُ في غياهب النسيان أعواماً حتى تم الإفراج عني دون أن يكون هناك سبب واضح.

من يقول إن الحيطان هي عبارة عن جماد؟!، الحيطان قد تصبح في يوماً ما صديقة لك، وقد تصبح لها أفواه تنطق حين تكون وحيداً في زنزانتك الفردية، وقد يصبح لها آذان تشكو لها همك وتودعها ذكرياتك، وقد تسجل عليها وصيتك لعلً أحداً يقرؤها بعد موتك».

سياسة الاعتقال والتعذيب، والقبضة الأمنية المشددة التي مارسها نظام الأسد وفروعه الأمنية جعلت الخوف مزروعاً بين أفراد المجتمع، كما عمل النظام على زرع الشك وعدم الثقة بينهم من خلال بثّ الإشاعات وتجنيد العملاء، وفي الوقت ذاته من خلال الوشاية التي كانت طريقته في اعتقال المناهضين له. ممّا جعل المجتمع يعوم على صفيح من الشك والرعب من عملاء النظام وأفراد الاجهزة الأمنية والذين كانوا كزائر الليل، يسكنون الحيطان وخلف النوافذ كما كانت تعتقد أجيال كاملة عاشت على الخوف من الحديث حتى لا تسمعها الحيطان.

الحيطان ذاتها كانت شرارة الانعتاق والثورة، وكانت اللوح الذي سجل عليه أطفال درعا اعتراضهم على وضعهم الراهن فكانت شرارة الانطلاق منها. كذلك أصبحت لوح الثورة المحفوظ حين تزينت بشعاراتها ورسومها، فكانت أدبيات الثورة الأولى مرسومة على الحيطان.

عام 2011 كان عام حيطان الثورة بامتياز، حيث رسمت أهدافها ودستورها على أطرافها، ولم يعد لها آذان بل أفواه تبتسم لمن يكتب عليها، فكانت ظاهرة الرجل البخاخ التي انتشرت بقوة في أيام الثورة الأولى، وكان لكل منطقة رجلها البخاخ الذي أصبح صديق الحيطان.

يكتب عليها ويعلق آمال السوريين الباحثين عن الحرية، كان الرجل البخاخ في كل منطقة أحد أكثر المطلوبين لأجهزة الأمن، وهذه الظاهرة أتعبتهم كثيراً لدرجة أن الفروع الأمنية أصبحت مستنفرة للإيقاع بهم، وقد اعتقل عدد منهم وكذلك استشهد عدد آخر.

الحيطان لها قصص أخرى مع معتقلي الثورة، أبو عمار أحد المعتقلين الذين أفرج عنهم النظام مؤخراً يقول: «للحيطان قصص وقصص، وقد أصبح بيننا وبينها ألفة ومحبة، فهي المؤنس في الوحشة وهي مستودع الأسرار، كذلك هي اللوح الذي تحفظ فيه مذكرات المعتقلين وتعرف أخبارهم.

فعلى حائط الزنزانة تجد اسماً لمعتقلٍ مرَّ من هنا، او اسماً لمعتقلٍ استشهد فأصبحت ذاكرةً وكتاب تاريخ كذلك، فهي تقويمهم حيث كانت تستخدم لعد الأيام والأسابيع والأشهر».

هذه الحيطان افتقدها السوريون في لجوئهم حين سكنوا المخيمات، تلك الخيام التي فقدت الحيطان. حسين، أحد سكان المخيمات يقول: «لم يعد للمثل القائل الحيطان لها آذان أي معنى، فلا وجود للحيطان أصلاً. افتقدناها لدرجة أن ظهورنا أصابها الانحناء ولم نعد نعتاد إسنادها للحائط، بل إن هناك أطفالاً ولدوا لا يعرفون ما هو الحائط ولا كيف يستندون إليه، فالخيام هي مأواهم وموطنهم الذي فتحو عيونهم عليه، حتى أنهم يستغربون الحيطان والأدراج حين خروجهم من المخيم».

يبقى الحائط الأحدث، وهو الحائط الافتراضي الأزرق الذي أحدث خرقاً في حياة السوريين وذاكرتهم. هذا الحائط الذي أصبح وطنهم الجديد، فيه يفرغون شحنة الغضب التي تعتريهم ويعبرون عن أفكارهم وقضاياهم، فيه يتنازعون ويختلفون ويصنفون بعضهم بعضاً بين ثائر ومؤيد ورمادي، فيه ينتقدون ويخوّنون ويمجّدون وفيه يتذكّرون ويبثّون لواعج أنفسهم.

الحائط الأزرق هو الذي جمعهم بعد هذا الشتات. راشد أحد نشطاء الفيسبوك ومستخدميه يقول: «تحول الحائط الأزرق إلى موطن جديد للسوريين، لجأوا إليه كي يعبروا عن أوجاعهم ومكنونات صدورهم، وبذات الوقت ليتواصلوا مع بعضهم بعضاً بعد أن أصبح كل منهم في بلد.

كذلك أصبحَ مكاناً يمارسون فيه هواياتهم التي لم يتمكنوا من ممارستها في ظل القمع والتهميش الذي كان يمارس عليهم في وطنهم، مع أنه عالم افتراضي إلا أنه أصبح ملجأً للسوريين، يذكرهم بمقاهي مدنهم وبآثارها ومنتدياتها وسهرات عائلاتها».

هذه قصة السوريين مع الحيطان التي أصبحت جزءاً من حياتهم ومن ذاكرتهم، وامتلكت على مرّ تاريخ ذاكرتهم أفواهاً وآذاناً، وأصبحت شاهداً على تاريخهم بعد أن تركوا عليها جزءاً من ذواكرهم وأحلامهم وآلامهم.

رابط مختصر

عذراً التعليقات مغلقة