الجولان بين المفاوضات والاستيطان.. ماذا جرى في التسعينيات؟

سمر بدر29 أكتوبر 2026آخر تحديث :
سمر بدر
أهالي مجدل شمس في الجولان السوري المحتل يتواصلون مع أقاربهم عبر خط الفصل عام 1999، خلال سنوات المفاوضات السورية الإسرائيلية (AFP).

في المادة السابقة من هذه السلسلة، تناولنا توسع الاستيطان الإسرائيلي في الجولان بعد عودة القنيطرة إلى الإدارة السورية عام 1974، ثم فرض الاحتلال قوانينه على الهضبة عام 1981 والإضراب الواسع الذي خاضه سكان القرى السورية المحتلة رفضاً للضم. ورغم الاحتجاجات والمواقف الدولية الرافضة للقرار الإسرائيلي، بقي معظم الجولان تحت الاحتلال، واستمرت المستوطنات في التوسع. ومع بداية التسعينيات، انتقل ملف استعادة الأرض إلى مسار جديد عبر المفاوضات.

لكن السنوات التي انشغلت فيها دمشق وحكومات الاحتلال بمناقشة الانسحاب لم تكن سنوات انتظار هادئة بالنسبة إلى الجولانيين. ففي صيف عام 1999، جلست سامية صعب على تلة في قرية عين التينة، على الجانب السوري من خط الفصل، تتابع جنازة شقيقها في مجدل شمس المحتلة، على بعد نحو 500 متر منها. لم تتمكن من المشاركة في وداعه، واكتفت العائلة بتبادل التعازي عبر مكبرات الصوت من جانبي المنطقة الفاصلة.

نقلت صحيفة «الغارديان» البريطانية قصتها في تقرير عن العائلات التي فرقها الاحتلال الإسرائيلي منذ عام 1967. وقالت سامية إنها لم تر شقيقها منذ أكثر من ثلاثين عاماً، وإن والديها توفيا أيضاً قبل أن تتمكن من لقائهما مجدداً. وكانت عائلات كثيرة في الجولان تعيش الانفصال نفسه، رغم أن بعضها لا يبعد عن الآخر سوى مسافة قصيرة.

في تلك الفترة، كانت دمشق تستعد لاستئناف مفاوضات السلام مع الجانب الإسرائيلي، بعد سنوات من المحادثات المتقطعة التي بدأت في مؤتمر مدريد عام 1991. وفتحت تلك المفاوضات باباً جدياً للبحث في انسحاب الاحتلال من الجولان، لكن شيئاً لم يتغير بالنسبة إلى السكان الذين بقوا في قراهم أو المهجرين الذين استقروا في دمشق وريفها ومناطق سورية أخرى.

جاء مؤتمر مدريد بعد حرب الخليج، التي شاركت فيها سوريا ضمن التحالف الذي قادته الولايات المتحدة، وفي وقت كان الاتحاد السوفيتي يفقد نفوذه الدولي. وافق حافظ الأسد على الدخول في مفاوضات مباشرة برعاية أميركية، متمسكاً باستعادة كامل الأراضي التي احتلت عام 1967. أما رئيس حكومة الاحتلال إسحاق شامير فعارض الانسحاب الكامل، قبل أن يتغير الموقف مع وصول إسحاق رابين إلى رئاسة الحكومة.

وفي عام 1993، نقل وزير الخارجية الأميركي وارن كريستوفر إلى دمشق استعداداً مشروطاً من رابين للانسحاب الكامل من الجولان، مقابل اتفاق سلام وضمانات أمنية وعلاقات طبيعية مع سوريا. عُرف هذا العرض باسم «وديعة رابين»، وأصبح أحد أهم مراجع المفاوضات اللاحقة، لكنه لم يكن اتفاقاً موقعاً أو التزاماً نهائياً بالانسحاب. فقد أراد رابين معرفة ما ستقدمه دمشق مقابل استعادة الأرض، وبقي تحديد الحدود وشروط التنفيذ موضع تفاوض.

تمسكت دمشق بخط 4 حزيران 1967، الذي يختلف عن الحدود المرسومة عام 1923، كما تناولنا في المادة الأولى من السلسلة. وتركز أحد أهم الخلافات عند الشاطئ الشمالي الشرقي لبحيرة طبريا، حيث كانت السيطرة السورية تصل إلى حافة المياه في بعض المواقع قبل الاحتلال. أرادت سوريا استعادة تلك المواقع، في حين تمسك الجانب الإسرائيلي بإبعاد السيادة السورية عن شاطئ البحيرة والحفاظ على سيطرته على المياه.

وخلال زيارة الرئيس الأميركي بيل كلينتون إلى دمشق عام 1994، أعلن حافظ الأسد استعداد سوريا لإقامة علاقات سلمية وطبيعية مقابل الانسحاب الكامل إلى خط 4 حزيران، ومن جنوب لبنان. لكن الإعلان لم يحسم الخلاف، إذ أصرت دمشق على تثبيت حدود الانسحاب، بينما أرادت حكومة الاحتلال ضمانات أمنية واتفاقاً على طبيعة العلاقات وترتيبات المراقبة العسكرية قبل الالتزام بالتنفيذ.

وفي الجولان نفسه، لم تتوقف المشروعات الاستيطانية بانتظار نتائج المفاوضات. فقد استمر البناء وتطوير الأراضي الزراعية والمنشآت الاقتصادية والسياحية، ولا سيما في مستوطنة كتسرين التي أصبحت أكبر تجمع استيطاني في الهضبة. وكانت سلطات الاحتلال تقدم تسهيلات مالية وسكنية لتشجيع الانتقال إلى المنطقة، في وقت كانت فيه إمكانية الانسحاب مطروحة على طاولة المفاوضات.

وأثار إعلان رابين استعداده لإخلاء مستوطنات من الجولان إذا اقتضى اتفاق السلام ذلك اعتراضات داخل إسرائيل، خصوصاً بين المستوطنين الذين خشوا خسارة منازلهم ومشروعاتهم. ومع اغتيال رابين ثم وصول بنيامين نتنياهو إلى رئاسة الحكومة، تعثر المسار التفاوضي وازداد الدعم السياسي لتوسيع الاستيطان. وأيد نتنياهو خطة حملت اسم «الجولان 2000»، تضمنت بناء مساكن جديدة وتطوير الطرق والمشروعات الاقتصادية بهدف زيادة عدد المستوطنين.

وتوضح تقارير الأمم المتحدة أن التوسع شمل أراضي زراعية ومشروعات سياحية وصناعية، إلى جانب الدعم الحكومي المقدم للمستوطنات. وفي المقابل، كان المزارعون السوريون في مجدل شمس وبقعاثا ومسعدة وعين قنية يواجهون صعوبات في الوصول إلى الأراضي واستخدام المياه وتسويق محاصيلهم، خصوصاً التفاح الذي شكل مصدر رزق رئيسياً لكثير من العائلات.

وفي شباط 1999، شهدت منطقة الخشة التابعة لقرية بقعاثا حادثة وثقتها لجنة أممية معنية بالممارسات الإسرائيلية. فبحسب المعلومات التي تلقتها اللجنة، صادرت سلطات الاحتلال أراضي زراعية لمصلحة مستوطنين اقتلعوا أشجار التفاح المزروعة فيها. وتجمع أهالٍ من القرى السورية المحتلة في الموقع وأعادوا غرس الأشجار، في احتجاج على الاستيلاء على أراضيهم.

كانت هذه الحادثة واحدة من صور الصراع على الأرض خلال سنوات التفاوض. فالمستوطنات التي طُرح احتمال إخلائها كانت تحصل على أراضٍ ومشروعات جديدة، بينما حاول السكان السوريون المحافظة على ما بقي لهم من ممتلكات ومصادر رزق. وبالنسبة إلى المهجرين خارج الجولان، لم يكن هناك طريق للعودة إلى القرى التي غادروها بعد حرب حزيران، وقد نشأت أجيال كاملة بعيداً عنها.

أما في دمشق، فكان حافظ الأسد يدير المفاوضات ضمن حسابات أوسع شملت علاقته بواشنطن والوجود العسكري السوري في لبنان، في ظل سلطة شديدة المركزية وقيود واسعة على الحياة السياسية. ولم يكن للمهجرين من الجولان تمثيل مستقل في المحادثات، رغم ارتباط مستقبل قراهم وأراضيهم بالاتفاق الذي يجري البحث فيه. وبقيت مطالب العودة واستعادة الممتلكات معلقة على نتائج المفاوضات بين الحكومات.

ومع وصول إيهود باراك إلى رئاسة حكومة الاحتلال عام 1999، استؤنفت المحادثات بوساطة أميركية، والتقى باراك وزير الخارجية السوري فاروق الشرع قبل انتقال الوفود إلى شِبردزتاون في الولايات المتحدة مطلع عام 2000. وهناك أعدت إدارة كلينتون مسودة معاهدة تناولت الانسحاب والأمن والمياه والعلاقات الدبلوماسية والتعاون الاقتصادي.

أظهرت المسودة أن دمشق كانت مستعدة لمناقشة علاقات دبلوماسية كاملة وتبادل السفراء وفتح المعابر وإنهاء المقاطعة الاقتصادية، مقابل الانسحاب من الجولان. لكن الوثيقة أبقت قضايا أساسية من دون اتفاق، أبرزها خط الحدود واستخدام المياه والترتيبات العسكرية. فقد طلب الجانب الإسرائيلي ضمانات للمراقبة والإنذار المبكر في جبل الشيخ، بينما طرحت سوريا تشغيل محطة مراقبة بواسطة جهات أميركية وفرنسية، من دون استمرار وجود عسكري إسرائيلي داخل الأراضي المستعادة.

وكان مصير المستوطنات حاضراً أيضاً في المسودة. فقد طرح الجانب الإسرائيلي ترتيبات تسمح ببقاء مستوطنين في الجولان حتى بعد انتقال السيادة إلى سوريا، وهو ما أكدته تغطيات صحفية معاصرة للمفاوضات. ولم يصبح هذا المقترح اتفاقاً ملزماً، لكنه أظهر أن الجانب الإسرائيلي كان يبحث إمكان الحفاظ على وجود المستوطنين، بعد سنوات من الحديث عن احتمال إخلائهم.

وفي المقابل، لم تتضمن النسخة المنشورة من المسودة بنداً مستقلاً يحدد كيفية عودة السوريين المهجرين أو معالجة حقوقهم في الأراضي والمنازل التي تركوها عام 1967. ولا يكفي ذلك للقول إن القضية لم تطرح في اتصالات أخرى، لكنه يوضح أن الوثيقة المتاحة لم تقدم معالجة واضحة لمصير هؤلاء، رغم تناولها مستقبل المستوطنين والترتيبات الاقتصادية والأمنية.

انتهت جولة شِبردزتاون من دون اتفاق، وحاول كلينتون إعادة المفاوضات إلى مسارها خلال لقائه حافظ الأسد في جنيف في آذار 2000. ونقلت صحيفة «واشنطن بوست» عن مسؤول أميركي أن الخلاف على شاطئ بحيرة طبريا كان العقبة الرئيسية، إذ كان باراك مستعداً، وفق الرواية الأميركية، لانسحاب واسع من الجولان، لكنه رفض وصول السيادة السورية إلى شاطئ البحيرة. أما الأسد فتمسك بالعودة إلى خط 4 حزيران.

وتختلف روايات المشاركين والوسطاء حول مسؤولية كل طرف عن فشل المحادثات، وحول حدود العروض التي قدمت خلالها. لكن الوثائق والتصريحات المعاصرة تؤكد أن المفاوضات لم تنتج اتفاقاً نهائياً على الحدود أو ترتيبات التنفيذ، رغم التقدم الذي تحقق في مناقشة العلاقات الدبلوماسية والقضايا الأمنية والاقتصادية.

ولم يؤد تعثر المفاوضات إلى وقف النشاط الاستيطاني. فقد وثقت تقارير أممية استمرار التحضير لمشروعات سكنية في كتسرين ومستوطنات أخرى خلال عام 2000، حتى بعدما خاضت حكومة باراك محادثات تناولت الانسحاب من الجولان. وفي حزيران من العام نفسه، توفي حافظ الأسد وانتقلت السلطة في دمشق إلى ابنه بشار، لتنتهي مرحلة تفاوضية امتدت قرابة عقد من دون استعادة الأرض.

أما في الجولان، فبقيت العائلات التي فرقها الاحتلال تعيش على جانبي خط الفصل، واستمر المزارعون السوريون في مواجهة القيود المفروضة على أراضيهم ومياههم، فيما ظلت المستوطنات ومشروعاتها قائمة. ولم تتحول المسودات التي ناقشها المفاوضون إلى ترتيبات تسمح للمهجرين بالعودة أو تعيد القرى والأراضي المحتلة إلى أصحابها.

ومع انتقال السلطة في دمشق، بقي ملف الجولان مفتوحاً، وظهرت خلال السنوات التالية محاولات جديدة لإحياء المفاوضات. لكن الأرض التي كانت موضوع تلك المحادثات واصلت التغير بفعل الاستيطان، في وقت بقيت فيه الحدود التي طالب بها الجانب السوري من دون اتفاق. وهي المرحلة التي تتناولها المادة السابعة من سلسلة الجولان.

للمزيد:

المصدر وزارة الخارجية الأميركية والأرشيف الدبلوماسي الأميركي، وثائق مؤتمر مدريد ومفاوضات السلام السورية الإسرائيلية. سجلات البيت الأبيض، المؤتمر الصحفي لحافظ الأسد وبيل كلينتون في دمشق عام 1994. الأمم المتحدة، تقارير اللجنة الخاصة المعنية بالممارسات الإسرائيلية في الجولان السوري المحتل لعامي 1999 و2000. صحيفة الغارديان، تقرير العائلات المنفصلة في الجولان، تموز 1999. صحيفتا واشنطن بوست ولوس أنجلوس تايمز، تغطية مفاوضات شِبردزتاون ومسودة المعاهدة ولقاء جنيف عام 2000.

اترك رد

عاجل