
سلسلة الجولان | المادة الثانية
في المادة الأولى من هذه السلسلة، توقفت القصة عند حدود رسمتها اتفاقات ما بعد الحرب العالمية الأولى، ثم أعادت حرب 1948 وهدنة 1949 تشكيلها. لكن الهدنة لم تصنع حدودًا هادئة، إذ بقيت المناطق المنزوعة السلاح والأرض والمياه مصدر توتر مستمر بين سوريا وإسرائيل، إلى أن وصلت المواجهة إلى نقطة الانفجار في ربيع 1967.
وفي 7 نيسان من ذلك العام، شهدت الجبهة واحدة من أكبر المواجهات قبل الحرب. بدأ الاشتباك في منطقة منزوعة السلاح قرب بحيرة طبريا، ثم امتد إلى المدفعية والدبابات ومعارك جوية بين سوريا وإسرائيل، في امتداد لسنوات من الاشتباكات الحدودية والخلافات على الأرض والمياه.
بعد أقل من شهرين، بدأت حرب حزيران.
في 5 حزيران 1967، وجهت إسرائيل ضربة جوية واسعة ضد مصر، واتسعت الحرب سريعًا إلى الجبهتين الأردنية والسورية. وشهدت الجبهة مع سوريا تبادلًا للقصف منذ الأيام الأولى، لكن الهجوم البري الإسرائيلي الواسع على الجولان لم يبدأ إلا في 9 حزيران، بعدما كان القتال قد توقف عمليًا على الجبهتين المصرية والأردنية.

صباح ذلك اليوم، بدأت القوات الإسرائيلية اقتحام المواقع السورية في الهضبة. لكن الصورة التي انتشرت لاحقًا عن سقوط الجولان كله من دون قتال لا تتطابق مع الوثائق المعاصرة للحرب، التي تشير إلى مقاومة سورية واستمرار القصف والقتال، وإلى أن الهجوم الإسرائيلي استغرق وقتًا أطول مما كان متوقعًا.
وقعت المعارك إذن، لكن خلال ساعات بدأ ميزان الجبهة يتغير بسرعة. تقدمت القوات الإسرائيلية داخل الهضبة، وتراجعت وحدات سورية عن مواقعها، إلى أن وصلت الحرب في صباح اليوم التالي إلى القنيطرة، مركز الجولان الإداري والعسكري.
وهنا ظهرت واحدة من أكثر وقائع الحرب إثارة للجدل.
في 10 حزيران، أعلنت إذاعة دمشق سقوط القنيطرة قبل أن تكون القوات الإسرائيلية قد أحكمت السيطرة عليها. وتشير تقارير ووثائق تعود إلى يوم الحرب نفسه إلى أن العمليات العسكرية كانت لا تزال مستمرة في محيط المدينة عند صدور الإعلان، وأن القوات الإسرائيلية واصلت تقدمها بعدها.
وفي رسالة بعث بها رئيس الوزراء السوفيتي أليكسي كوسيغين إلى الرئيس الأميركي ليندون جونسون صباح ذلك اليوم، ورد أن المعارك كانت لا تزال جارية قرب القنيطرة، فيما أبلغ مسؤول إسرائيلي الأمم المتحدة لاحقًا أن القوات الإسرائيلية سيطرت على المدينة في ساعات بعد الظهر.
فتح الإعلان المبكر بابًا واسعًا من الأسئلة داخل سوريا، وظهرت لاحقًا روايات واتهامات حملت القيادة العسكرية مسؤولية انهيار الجبهة، وكان حافظ الأسد يشغل منصب وزير الدفاع آنذاك.
لكن الفصل بين ما تثبته الوثائق وما بقي موضع اتهام ضروري لفهم ما حدث. فالمصادر المتاحة تؤكد أن قتالًا وقع على الجبهة، كما تؤكد أن إعلان سقوط القنيطرة جاء بينما كانت العمليات العسكرية لا تزال مستمرة. أما الروايات التي تتحدث عن صفقة أو قرار متعمد بتسليم الجولان، فلا تتوفر في المصادر التي استندت إليها هذه المادة أدلة مباشرة تكفي لإثباتها.
ومع انتهاء القتال في 10 حزيران، أصبحت أجزاء واسعة من الجولان تحت الاحتلال الإسرائيلي. لكن الحرب لم تغيّر خط السيطرة وحده، بل غيرت أيضًا الخريطة السكانية للهضبة.
ولم يكن الجولان قبل الاحتلال ذا غالبية درزية، بل كان مجتمعًا سوريًا متنوعًا، وكان الدروز جزءًا من سكانه وليسوا غالبيتهم.
وبحسب تقرير لممثل الأمين العام للأمم المتحدة بعد الحرب، قدرت المصادر السورية عدد سكان المنطقة التي خضعت للسيطرة الإسرائيلية بنحو 115 ألف شخص، بينما قدرتهم المصادر الإسرائيلية بنحو 90 ألفًا، بينهم نحو 17 ألف لاجئ فلسطيني.
وعندما زار المبعوث الأممي المنطقة بعد الحرب، كان معظم السكان قد غادروها، ولم يبقَ فيها سوى نحو ستة آلاف من الدروز وعدد محدود من المدنيين الآخرين، معظمهم في القنيطرة.
ومن هنا تغيرت صورة السكان في الجزء المحتل. بقي سكان عدد من القرى الدرزية في شمال الجولان، بينما خلت قرى وبلدات أخرى من معظم سكانها الذين انتقلوا إلى الداخل السوري.
وفي 22 تشرين الثاني 1967، أصدر مجلس الأمن القرار 242، الذي أكد عدم جواز الاستيلاء على الأراضي بالحرب، ودعا إلى انسحاب القوات الإسرائيلية من أراض احتُلت خلال النزاع وإلى التوصل إلى سلام عادل ودائم في المنطقة.
لكن الجولان بقي تحت الاحتلال.
وخلال أيام قليلة، انتقلت القضية من نزاع امتد سنوات حول خطوط الهدنة والمناطق المنزوعة السلاح إلى واقع مختلف: أرض سورية محتلة، وسكان غادر معظمهم قراهم وبلداتهم، وخطوط سيطرة فرضتها الحرب.
غير أن حزيران 1967 لم يكن نهاية المواجهة. فبعد ست سنوات، عادت القوات السورية إلى الجولان في حرب تشرين 1973، وبدأ فصل جديد انتهى باتفاق فض الاشتباك عام 1974، ورسم واقعًا جديدًا على الجبهة ما زالت آثاره حاضرة حتى اليوم.








