
سلسلة الجولان | المادة الثالثة
في المادة السابقة من هذه السلسلة، انتهت حرب حزيران 1967 باحتلال معظم الجولان السوري، بعد يومين من الهجوم البري الإسرائيلي على الهضبة.
لكن توقف القتال لم يغلق قصة السقوط.
ففي صباح 10 حزيران، أعلنت إذاعة دمشق سقوط القنيطرة في ما عُرف لاحقًا بالبلاغ العسكري رقم 66، بينما كانت العمليات العسكرية لا تزال مستمرة، ولم تكن القوات الإسرائيلية قد أحكمت سيطرتها على المدينة بعد.
تحول البلاغ لاحقًا إلى واحدة من أكثر وقائع حرب حزيران إثارة للجدل في سوريا. ظهرت روايات حمّلت وزير الدفاع آنذاك حافظ الأسد والقيادة العسكرية مسؤولية إعلانه المبكر، فيما تحدثت روايات أخرى عن معلومات وصلت من الجبهة، وعن محاولة لدفع المجتمع الدولي إلى التدخل ووقف التقدم الإسرائيلي.
المؤكد أن إعلان سقوط القنيطرة سبق السيطرة الإسرائيلية الكاملة عليها. أما الحديث عن قرار متعمد بـ”تسليم الجولان”، فبقي اتهامًا سياسيًا لم تظهر حتى الآن وثيقة مباشرة تحسمه.
لكن بالنسبة إلى سكان الجولان، لم يكن السؤال فقط من أصدر البلاغ ولماذا.
خلال أيام، تغيرت حياة مجتمع كامل.
تقرير قدمه ممثل الأمين العام للأمم المتحدة بعد الحرب قدّر عدد سكان المنطقة السورية التي أصبحت تحت السيطرة العسكرية الإسرائيلية بنحو 115 ألف شخص وفق الأرقام السورية. وعندما وصلت البعثة الأممية إلى المنطقة، كان معظم السكان قد غادروها، ولم يبقَ سوى بضعة آلاف، معظمهم من الدروز، إلى جانب عدد محدود من المدنيين الآخرين.
ووصف التقرير قرى مر بها بأنها خالية من السكان والحيوانات.
كان الجولان قبل عام 1967 أكثر تنوعًا مما توحي به تركيبته السكانية التي ظهرت بعد الاحتلال. عاش فيه عرب سنة ودروز وعلويون وشركس وتركمان ومسيحيون، إلى جانب لاجئين فلسطينيين.
ومع خروج معظم السكان، تركز السوريون الذين بقوا تحت الاحتلال في عدد محدود من القرى، أبرزها مجدل شمس وبقعاثا ومسعدة وعين قنية، إضافة إلى الغجر.
لهذا أصبحت الغالبية بين السوريين الذين ظلوا في الجزء المحتل من أبناء الطائفة الدرزية. لم يكن السبب أن الجولان كان ذا أغلبية درزية قبل الحرب، بل أن معظم مكوناته الأخرى لم تعد موجودة في المنطقة التي بقيت تحت الاحتلال.
أما الذين خرجوا، فتوزعوا في دمشق وريفها ومحافظات سورية أخرى.
وفي حالات كثيرة أصبحت العائلة الواحدة على جانبي خط وقف إطلاق النار. بقي أقارب في القرى المحتلة، فيما عاش آخرون على بعد عشرات الكيلومترات منهم من دون قدرة على العودة إلى بيوتهم وأراضيهم.
من بقي داخل الجولان ظل سوريًا تحت الحكم العسكري الإسرائيلي، ولم يتحول تلقائيًا إلى مواطن إسرائيلي. أما قضية الجنسية وفرض القوانين الإسرائيلية على الجولان، فستظهر بصورة أكثر وضوحًا في مرحلة لاحقة، وصولًا إلى المواجهة الواسعة مع السكان بعد عام 1981.
ورغم خط وقف إطلاق النار، لم تنقطع الصلة بسوريا.
قبل أشهر من حرب تشرين 1973، كانت محاكم عسكرية إسرائيلية تنظر في قضايا عدد من أبناء الجولان، ولا سيما من مجدل شمس، بتهم الاتصال بسوريا وجمع معلومات عن مواقع القوات الإسرائيلية وتحركاتها.
وفي أيار 1973، حكمت محكمة عسكرية إسرائيلية على شكيب يوسف أبو جبل من مجدل شمس بالسجن ثلاثين عامًا بتهمة التجسس، بعد اتهامه بعبور خط وقف إطلاق النار ونقل معلومات إلى سوريا عن انتشار القوات الإسرائيلية وتحصيناتها. وبحسب مصادر جولانية وتقارير معاصرة، استشهد نجله عزت شكيب أبو جبل مطلع عام 1973 قرب خط وقف إطلاق النار، خلال نشاط مرتبط بنقل المعلومات بين الجولان وسوريا.
هذا النشاط لا يعني أن سكان الجولان شكلوا قوة عسكرية شعبية شاركت جماعيًا في هجوم تشرين.
لكنه يكشف أن بعض أبناء الجولان شاركوا في المواجهة من داخل الأرض المحتلة عبر جمع المعلومات والاتصال بسوريا، فيما بقي آخرون يعيشون تحت الاحتلال في انتظار ما ستأتي به السنوات التالية.
بالنسبة إلى الجولانيين، لم تبدأ المواجهة عند الساعة الثانية من ظهر السادس من تشرين.
بالنسبة إلى المهجرين بدأت يوم خرجوا من قراهم عام 1967، وبالنسبة إلى من بقوا بدأت يوم وجدوا أنفسهم تحت الاحتلال.
وفي دمشق، كانت السنوات الست قد غيّرت السلطة التي ستخوض الحرب التالية.
أثناء حرب حزيران كان نور الدين الأتاسي رئيسًا للدولة، وكان صلاح جديد صاحب نفوذ واسع داخل حزب البعث، فيما كان حافظ الأسد وزيرًا للدفاع.
عمقت هزيمة 1967 الصراع داخل السلطة. تراجع موقع جناح صلاح جديد، فيما ازداد نفوذ الأسد داخل المؤسسة العسكرية، إلى أن حسم الصراع في تشرين الثاني 1970 عبر ما سُمّي رسميًا “الحركة التصحيحية”، واعتُقل جديد والأتاسي وعدد من خصومه.
وفي آذار 1971 أصبح حافظ الأسد رئيسًا للجمهورية.
وهكذا دخلت سوريا حرب تشرين بقيادة الرجل الذي كان وزيرًا للدفاع عند سقوط الجولان، وأصبح بعدها رئيس الدولة والقائد الأعلى للقوات المسلحة.
وخلال السنوات التي سبقت الحرب، أعادت سوريا بناء جزء مهم من قدراتها العسكرية بالاعتماد على الاتحاد السوفيتي، الذي زودها بالدبابات والطائرات وأنظمة الدفاع الجوي والأسلحة والتدريب.
كانت موسكو الحليف العسكري الأكبر لدمشق، لكن ذلك لا يعني أنها كانت صاحبة قرار الحرب. ظل حجم معرفتها المسبقة بموعد الهجوم موضع نقاش حتى في الوثائق والدراسات التي تناولت تلك المرحلة.
وفي 6 تشرين الأول 1973، بدأت الحرب.
عند نحو الثانية بعد الظهر، هاجمت سوريا ومصر القوات الإسرائيلية في توقيت متزامن، لكن على جبهتين منفصلتين.
هاجم الجيش السوري مواقع الاحتلال الإسرائيلي في الجولان، فيما عبرت القوات المصرية قناة السويس إلى سيناء المحتلة.
لم يقاتل الجيش المصري في الجولان. أهمية الهجوم المتزامن كانت في فتح جبهتين في وقت واحد، وإجبار إسرائيل على توزيع قواتها واحتياطها بين الشمال والجنوب.
كما لم تكن أهداف دمشق والقاهرة متطابقة تمامًا.
سوريا كانت تسعى إلى استعادة الجولان والوصول إلى خطوط ما قبل حزيران 1967، فيما بنت مصر خطتها الأولى على عبور قناة السويس وتثبيت قواتها شرقها، بما يغير الوضع العسكري ويفتح الباب أمام مسار سياسي جديد.
وفي الجولان، جاءت الساعات الأولى مختلفة تمامًا عن حزيران.
فوجئت القوات الإسرائيلية بحجم الهجوم السوري. تقدمت المدرعات والمشاة على جبهة واسعة تحت غطاء كثيف من المدفعية والدفاع الجوي، وسيطرت قوات سورية على الموقع الإسرائيلي في جبل الشيخ، واخترقت الخطوط في أكثر من محور، وكان التقدم الأبرز في القطاع الجنوبي من الهضبة.

خلال الأيام الأولى، وصلت بعض المواقع الإسرائيلية إلى وضع بالغ الصعوبة، قبل أن تصل قوات الاحتياط وتبدأ موازين المعركة بالتغير.
بالنسبة إلى المهجرين من الجولان، لم تكن أسماء المواقع التي ترد في البيانات العسكرية مجرد نقاط على الخريطة.
كانت أسماء القرى والأراضي التي تركوها قبل ست سنوات.
ومع تقدم الجيش السوري داخل الجولان المحتل، ظهر احتمال لم يكن قائمًا طوال السنوات السابقة: ربما تصبح العودة ممكنة.
وكان لذلك ثمن بشري كبير.
استشهد آلاف العسكريين السوريين وأصيب آلاف آخرون خلال الحرب. وتختلف المصادر في تقدير الأرقام الدقيقة للخسائر السورية، لذلك يبقى من الصعب اعتماد رقم نهائي واحد من دون تحفظ.
لكن التقدم السوري لم يستمر.
أدخلت إسرائيل قوات الاحتياط بسرعة إلى الجبهة الشمالية، وأعادت تنظيم الوحدات التي بقيت في مواقعها، ثم بدأت الهجمات المضادة.
وتختلف الدراسات في وزن الأسباب التي أدت إلى تغير مسار المعركة، لكنها تتفق على أن الأمر لم يكن نتيجة عامل واحد.
ففي بعض القطاعات أعاقت التحصينات والخنادق المضادة للدبابات حركة القوات السورية، وظهرت اختناقات في محاور التقدم. كما لم تُستثمر بعض الاختراقات بالسرعة المطلوبة، خصوصًا بعدما انتقلت المعركة من تنفيذ خطة هجوم معدة مسبقًا إلى حرب تتغير ظروفها بسرعة.
وتذهب دراسات عسكرية أميركية إلى أن التنظيم السوري المتأثر بالعقيدة السوفيتية أظهر قوة في التحضير للهجوم الأول، لكنه كان أقل مرونة عندما تغيرت الظروف على الأرض، فيما استفادت إسرائيل من سرعة تعبئة الاحتياط وإدخاله إلى المعركة.
كما لعب الطيران الإسرائيلي دورًا أكبر مع مرور الوقت، رغم أن شبكة الدفاع الجوي السورية ألحقت به خسائر وفرضت عليه قيودًا لم يواجهها بالدرجة نفسها عام 1967.
وبحلول 10 تشرين الأول، كانت القوات الإسرائيلية قد استعادت معظم المواقع التي فقدتها في الجولان، ثم عبرت خط وقف إطلاق النار لعام 1967 وتقدمت إلى أراض سورية لم تكن تحتلها قبل الحرب.
وأصبح الخطر أقرب إلى دمشق.
في هذه المرحلة وصلت قوات عراقية إلى الجبهة السورية، ثم شاركت وحدات أردنية إلى جانب القوات السورية والعراقية في محاولات وقف التقدم الإسرائيلي واستعادة المبادرة.
وعلى الجبهة المصرية كان مسار الحرب مختلفًا.
نجحت القوات المصرية في عبور قناة السويس واختراق تحصينات خط بارليف، وأقامت رؤوس جسور على الضفة الشرقية داخل سيناء.
لكن الخطة المصرية لم تكن تقوم منذ البداية على التقدم عبر سيناء كلها. كان الهدف الأول تثبيت القوات قرب القناة، حيث تبقى داخل نطاق الحماية التي توفرها شبكة الدفاع الجوي.
ومع اشتداد الضغط على الجبهة السورية، وسعت مصر هجومها شرقًا في 14 تشرين الأول، وكان تخفيف الضغط عن سوريا أحد الدوافع التي ارتبطت بالقرار. لكن القوات التي تقدمت ابتعدت جزئيًا عن نطاق الحماية الأقوى لشبكة الدفاع الجوي، وتكبدت خسائر كبيرة.
بعد ذلك نجحت القوات الإسرائيلية في اختراق الجبهة المصرية والعبور إلى الضفة الغربية من قناة السويس، فيما أصبح الجيش المصري الثالث في وضع حصار جزئي.
ومع ذلك، بقيت قوات مصرية شرق القناة داخل سيناء.
وهنا يصبح اختصار حرب تشرين بكلمة واحدة، “نصر” أو “هزيمة”، تبسيطًا لنتيجة أكثر تعقيدًا.
في سوريا، حملت الحرب رسميًا اسم “حرب تشرين التحريرية”. وقدمتها السلطة باعتبارها كسرًا لهزيمة حزيران واستعادة لثقة الجيش وقدرته على المبادرة.
وتحدث حافظ الأسد بعد وقف إطلاق النار عن نجاحات عسكرية عربية، وربط قبول سوريا بوقف النار بضمانات تتعلق بالانسحاب من الأراضي المحتلة.
لكن الخريطة العسكرية عند توقف القتال تقول أيضًا شيئًا لا يمكن تجاوزه.
سوريا لم تستعد الجولان في حرب تشرين.
دخل الجيش السوري أجزاء واسعة منه في الأيام الأولى، ثم خسر معظم ما استعاد، وانتهت الحرب بوجود قوات إسرائيلية شرق خط وقف إطلاق النار لعام 1967 داخل أراض سورية إضافية.
لهذا فإن وصف الحرب بأنها “تحريرية” يعبر عن التسمية الرسمية السورية والهدف الذي دخلت دمشق الحرب من أجله، لكنه لا يعني أن الجولان تحرر عسكريًا عام 1973.
وفي إسرائيل حملت الحرب اسم “حرب يوم الغفران”.
ورغم أن القوات الإسرائيلية انتقلت من الدفاع إلى الهجوم على الجبهتين، لم تنتهِ الحرب هناك بالشعور الذي رافق انتصار عام 1967.
المفاجأة كانت قاسية، والخسائر كبيرة، وأثارت طريقة استعداد القيادة السياسية والعسكرية للحرب غضبًا واسعًا. وشُكلت بعد ذلك لجنة أغرانات للتحقيق في الإخفاقات التي سبقت اندلاع القتال، فيما ساهمت تداعيات الحرب في أزمة سياسية عميقة خلال الأشهر التالية.
أما مصر، فلم تستعد سيناء كاملة في تشرين 1973.
لكن جيشها عبر قناة السويس وحطم أجزاء من خط بارليف، واحتفظ بقوات شرق القناة عند انتهاء القتال.
ثم انتقلت المواجهة تدريجيًا من الميدان إلى السياسة، وبدأت اتفاقات فصل القوات والمفاوضات التي انتهت لاحقًا بمعاهدة السلام المصرية الإسرائيلية عام 1979، قبل أن يكتمل الانسحاب الإسرائيلي من سيناء عام 1982.
بذلك لم تعد حرب تشرين سيناء كاملة إلى مصر في أيام القتال، لكنها كانت نقطة التحول التي فتحت الطريق إلى استعادتها لاحقًا.
وفي خلفية المعركة كانت القوتان العظميان حاضرتين.
مع ارتفاع الخسائر بدأت موسكو إعادة تزويد سوريا ومصر بالسلاح، فيما أطلقت الولايات المتحدة جسرها الجوي العسكري إلى إسرائيل. ومع اتساع المواجهة، أصبحت الحرب أزمة دولية يخشى معها من انزلاق واشنطن وموسكو إلى مواجهة أوسع.
وفي 22 تشرين الأول، أصدر مجلس الأمن القرار 338، ودعا إلى وقف إطلاق النار وتنفيذ القرار 242 وبدء مفاوضات بين الأطراف.
لكن وقف النار لم ينهِ قصة الجولان.
عشرات الآلاف من الجولانيين الذين غادروا عام 1967 لم يعودوا إلى بيوتهم. بقيت عائلات مقسمة بين جانبي الخط، وبقي السوريون في القرى المحتلة منفصلين عن بقية البلاد.
أما الشهداء الذين سقطوا على الجبهة، فانتهت الحرب من دون تحقيق الهدف الذي خاضوا القتال من أجله كاملًا: استعادة الجولان.
ومع ذلك، لم تعد المنطقة بعد تشرين إلى ما كانت عليه قبل الحرب.
كسرت الحرب حالة الجمود التي استمرت منذ 1967، وأعادت الجولان والقنيطرة إلى قلب التفاوض، ودفعت الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي إلى الانخراط بصورة أعمق في ترتيبات ما بعد القتال.
وبعد أشهر، ستعود القنيطرة بالفعل إلى الإدارة السورية.
لكن عودتها لن تأتي من خلال استمرار الهجوم العسكري الذي بدأ في السادس من تشرين.
ستأتي ضمن اتفاق فض الاشتباك عام 1974، بعد أشهر من القتال والمفاوضات وجولات هنري كيسنجر بين دمشق والجانب الإسرائيلي، لتظهر على خريطة الجولان خطوط جديدة ستحدد شكل الجبهة لعقود.
للمزيد:
المادة الأولى: قبل الاحتلال.. كيف بدأت قصة الصراع والحدود في الجولان؟
المادة الثانية: من الحدود الملتهبة إلى الاحتلال.. كيف سقط الجولان عام 1967؟








