عادت القنيطرة مدمرة.. كيف استُعيدت مدينة وبقي الجولان تحت الاحتلال؟

سمر بدر10 أكتوبر 2026آخر تحديث :
القنيطرة بعد الانسحاب الإسرائيلي عام 1974، وقد بدت أجزاء واسعة من المدينة مدمرة – ويكيميديا كومنز.

في المادة السابقة من هذه السلسلة، انتهت حرب تشرين 1973 من دون أن يستعيد الجيش السوري الجولان. وبعد تقدم سوري في الأيام الأولى، استعادت القوات الإسرائيلية المبادرة، وعبرت خط وقف إطلاق النار لعام 1967 إلى أراض سورية إضافية، قبل أن يتوقف القتال وتبدأ مرحلة جديدة.

لكن توقف الحرب لم يغلق قصة الأرض.

بعد أقل من عام، عادت القنيطرة إلى الإدارة السورية بعد سبع سنوات من الاحتلال الإسرائيلي، فيما بقي معظم الجولان تحت الاحتلال.

والمفارقة أن المدينة التي عادت لم تكن المدينة التي غادرها أهلها.

كانت أبنية ومنشآت كثيرة مهدمة، وشوارع تحمل آثار سنوات من الحرب والاحتلال. وبعد أشهر، زارت لجنة تابعة للأمم المتحدة القنيطرة وخلصت إلى أن الدمار الواسع فيها كان في معظمه حديثًا ونُفذ من الأرض بصورة متعمدة، باستخدام آليات ثقيلة ومتفجرات في بعض الحالات. إسرائيل رفضت هذه النتيجة، وقالت إن الدمار تراكم نتيجة سنوات من القتال والقصف.

فكيف عادت القنيطرة، بينما بقي معظم الجولان السوري تحت الاحتلال الإسرائيلي؟

للإجابة، لا تكفي خريطة حرب تشرين وحدها.

فبعد توقف المعارك الكبرى، بقيت القوات الإسرائيلية داخل أراض سورية إضافية شرق خط عام 1967، واستمر القتال على الجبهة خلال الأشهر التالية. وفي الوقت نفسه، بدأت معركة أخرى، هذه المرة على الخرائط: أين تنسحب القوات؟ من يسيطر على التلال؟ وهل يستطيع المدنيون العودة إلى القنيطرة؟

كانت المدينة في قلب الخلاف.

فالقنيطرة لم تكن مجرد نقطة عسكرية. كانت مركز المحافظة، ورمزًا لسقوط الجولان منذ عام 1967، ومدينة ينتظر أهلها المهجرون منذ سنوات أن يروا طريق العودة إليها.

لكن الأرض التي كانت سوريا تفاوض عليها لم تبقَ كما كانت قبل الاحتلال.

ففي تموز 1967، بعد أسابيع فقط من الحرب، أُقيمت “ميروم غولان”، أول مستوطنة إسرائيلية في الجولان المحتل، غرب القنيطرة. ثم بدأت مستوطنات أخرى بالظهور خلال السنوات التالية. وتوثق تقارير أممية أن الاستيطان الإسرائيلي في الهضبة بدأ منذ الأشهر الأولى للاحتلال.

أي أن السنوات بين حزيران 1967 وتشرين 1973 لم تكن سنوات انتظار فقط.

كان الاحتلال الإسرائيلي يغيّر الواقع على الأرض، فيما بقي عشرات الآلاف من الجولانيين بعيدين عن قراهم.

وفي دمشق، بقي أيضًا سؤال 1967 حاضرًا.

الجدل حول مسؤولية حافظ الأسد، الذي كان وزيرًا للدفاع عند سقوط الجولان، تناولناه في المادة السابقة. أما مفاوضات عام 1974 فتقدم هذه المرة شيئًا مختلفًا: وثائق توضح ماذا طلب الأسد بعد الحرب، وما الذي رفضه، وما الذي عاد فعلًا إلى سوريا.

هنا دخل وزير الخارجية الأميركي هنري كيسنجر إلى القصة.

لم تكن سوريا وإسرائيل تجلسان وجهًا لوجه.

كان كيسنجر يذهب إلى دمشق ويلتقي الأسد، ثم ينتقل إلى الجانب الإسرائيلي حاملاً المطالب السورية، ويعود بمقترح جديد. ومن هنا جاءت تسمية “الدبلوماسية المكوكية”.

أحيانًا كان الخلاف على كيلومتر واحد.

لكن هذا الكيلومتر كان يعني بالنسبة إلى أهل القنيطرة الفرق بين مدينة يمكن العودة إليها، ومدينة تبقى القوات الإسرائيلية على حافتها.

في 3 أيار، أبلغ كيسنجر واشنطن أن إسرائيل أبدت استعدادًا لخط جديد يسمح بعودة مدنيين سوريين إلى معظم القنيطرة، مع احتفاظها بالمواقع الدفاعية الرئيسية التي كانت تسيطر عليها قبل حرب تشرين. وبعد أيام، كتب أن أحد المقترحات الإسرائيلية يضع خط القوات الإسرائيلية على حافة المدينة، بل بمحاذاة أحد شوارعها، وهو ما يجعل عودة المدنيين إليها عمليًا شديدة الصعوبة.

رفض الأسد ذلك.

طالب بأن تتحرك القوات الإسرائيلية أبعد نحو الغرب، وألا تبقى ملاصقة للقنيطرة، وطالب أيضًا بتغيير الوضع في بعض المرتفعات المحيطة بالمدينة وفي جبل الشيخ.

وفي 12 أيار، كتب كيسنجر أن الاتفاق بات يتوقف بدرجة كبيرة على نقطتين: هل تتخلى إسرائيل عن كامل القنيطرة، وهل تقبل سوريا ببقاء ثلاث تلال كبيرة غرب المدينة تحت السيطرة الإسرائيلية؟

وبعد يومين، جاء عرض إسرائيلي جديد.

وافق الجانب الإسرائيلي على إعادة القنيطرة كاملة إلى الإدارة المدنية السورية، وعلى ترتيبات إضافية شمال المدينة.

لكن الأسد رفض العرض مرة أخرى.

أصر على انسحاب القوات الإسرائيلية من التلال الكبيرة غرب القنيطرة، وعلى تحريك الخط مسافة إضافية، وعلى انسحاب من موقع آخر في جبل الشيخ.

لم يكن الضغط على دمشق إسرائيليًا وأميركيًا فقط.

تكشف إحدى برقيات كيسنجر أن مصر والسعودية والكويت كانت تدعم الوصول إلى اتفاق، وأنها أبدت استعدادًا للضغط على الأسد لقبوله إذا وافقت إسرائيل على إعادة كامل القنيطرة ومساحة محدودة إضافية غرب خط ما قبل حرب تشرين.

وهنا يظهر جانب مهم من مرحلة ما بعد الحرب.

العرب الذين دخلوا تشرين في لحظة تضامن واسعة لم يكونوا متفقين بالضرورة على كيفية إدارة ما بعدها.

كان السادات قد بدأ ينظر إلى التفاوض الأميركي باعتباره طريقًا يمكن أن يعيد الأرض، بينما بقي الأسد أكثر تشددًا في تفاصيل الانسحاب على الجبهة السورية.

واستمرت المساومات.

في 21 أيار، انتهى كيسنجر من اجتماع استمر خمس ساعات مع الأسد، ووصفه في برقيته إلى واشنطن بأنه أصعب اجتماع عقده معه. ومع ذلك، كانت نقطة القنيطرة قد أصبحت أقرب إلى الحل؛ فقد اتفق الطرفان على ترتيبات تمنح الأسد مساحة تسمح بإعادة المدنيين إلى المدينة.

وبقيت التلال.

في النهاية، حصل الأسد على ضمان أميركي يتعلق بتلين رئيسيين غرب القنيطرة: ألا توجد قوات أو أسلحة إسرائيلية على سفوحهما الشرقية، وألا توضع على قمتيهما أسلحة تستطيع إطلاق النار مباشرة على المدينة.

واللافت أن رسالة الضمان الأميركية ربطت هذه الترتيبات صراحة بإعادة إعمار القنيطرة وعودة سكانها إليها.

هنا لا تعود الخريطة مجرد خريطة عسكرية.

فالخط الذي تحرك بضعة كيلومترات كان يعني بيتًا يمكن العودة إليه، أو مدينة تبقى تحت مرمى النار.

وفي 31 أيار 1974، وُقع اتفاق فض الاشتباك بين القوات السورية والإسرائيلية في جنيف.

لم يكن اتفاق سلام.

ولم ينهِ الاحتلال الإسرائيلي للجولان.

كان اتفاقًا عسكريًا لفصل القوات وتنفيذ وقف إطلاق النار.

نص الاتفاق على تمركز القوات الإسرائيلية غرب خط سُمي A، باستثناء منطقة القنيطرة حيث ابتعدت إلى خط خاص عُرف بـ A-1، فيما تتمركز القوات السورية شرق الخط B.

وبين الخطين أُنشئت منطقة فصل.

ونص الاتفاق بوضوح على أن تصبح الأراضي الواقعة شرق الخط A تحت الإدارة السورية، وأن يعود المدنيون السوريون إليها.

خريطة توضيحية لخطوط فض الاشتباك في الجولان بعد اتفاق عام 1974، وتظهر منطقة الفصل وخطوط انتشار القوات – إعداد حرية برس، استنادًا إلى وثائق الأمم المتحدة.

وأُنشئت قوة الأمم المتحدة لمراقبة فض الاشتباك، “أندوف”، لمراقبة منطقة الفصل وتنفيذ الاتفاق.

لكن القنيطرة لم تعد في اليوم التالي مباشرة.

بدأ الانسحاب وإعادة الانتشار على مراحل، وتولت قوات الأمم المتحدة استلام المناطق التي تنسحب منها القوات الإسرائيلية.

وفي 25 حزيران 1974، أُعيدت الإدارة المدنية السورية إلى منطقة الفصل التي شملت القنيطرة والرفيد وجزءًا من جبل الشيخ، بعد أن سلّمت القوات الإسرائيلية المنطقة إلى “أندوف” خلال يومي 24 و25 حزيران.

وهكذا عادت القنيطرة.

لم يعد الجيش السوري إليها لأنه احتفظ بها بعد هجوم تشرين، بل عادت نتيجة حرب فتحت طريقًا إلى مفاوضات انتهت بانسحاب إسرائيلي من المدينة وأجزاء محدودة أخرى.

لكن ما عاد كان أقل بكثير مما بقي.

معظم الجولان السوري ظل تحت الاحتلال الإسرائيلي.

وبقيت المستوطنات التي بدأت إسرائيل بإنشائها بعد أسابيع من حرب 1967 داخل المناطق التي لم يشملها الانسحاب.

وبقي معظم الجولانيين المهجرين بعيدين عن قراهم الأصلية.

ثم جاءت صدمة المدينة نفسها.

فالقنيطرة التي عادت إلى الإدارة السورية كانت مدمرة على نطاق واسع.

لهذا حملت العودة معنيين متناقضين في الوقت نفسه: استعادة جزء من الأرض، واكتشاف حجم ما حدث فيها خلال سنوات الاحتلال.

وهنا تظهر حدود اتفاق 1974 بوضوح.

استعادت سوريا القنيطرة والرفيد وأجزاء محدودة أخرى، وانسحبت القوات الإسرائيلية من الأراضي الإضافية التي تقدمت إليها خلال حرب تشرين.

لكن الجولان لم يتحرر.

وفي المقابل، حصل الاحتلال الإسرائيلي على جبهة أكثر هدوءًا، بينما بقي الجزء الأكبر من الهضبة والمستوطنات غرب منطقة الفصل.

ومنذ ذلك الوقت، أصبحت قضية الجولان جزءًا ثابتًا من خطاب السلطة السورية، واستخدم النظام حرب تشرين وعودة القنيطرة في روايته عن الصمود واستمرار الصراع مع الاحتلال الإسرائيلي.

أما القول إن حافظ الأسد تعمد إبقاء الجولان تحت الاحتلال ليستفيد منه سياسيًا، فيحتاج إلى دليل لا توفره الوثائق المنشورة حتى الآن.

وتظهر أوراق مفاوضات عام 1974 أنه رفض عروضًا، وطالب بتحريك خطوط الانسحاب وإبعاد القوات الإسرائيلية عن القنيطرة، كما طالب باستعادة مواقع إضافية.

هذا لا يلغي الجدل حول دوره في عام 1967، لكنه يجعل ما جرى بعد حرب تشرين أكثر تعقيدًا من اختصاره بكلمتين: “باع” أو “حرر”.

وبعد الحرب، بدأت أيضًا المسافة تكبر بين دمشق والقاهرة.

دخلت مصر وسوريا حرب تشرين معًا، لكنهما لم تخرجا منها بالطريق السياسي نفسه.

اختار أنور السادات تدريجيًا مسار التفاوض المباشر برعاية أميركية، وصولًا إلى زيارته القدس ثم اتفاقات كامب ديفيد عام 1978 ومعاهدة السلام في العام التالي.

كان أمام مصر في النهاية اتفاق يتضمن انسحابًا إسرائيليًا من سيناء، وهو ما اكتمل عام 1982.

أما الجبهة السورية فكانت مختلفة.

فوثائق أميركية من أواخر السبعينيات تسجل مواقف إسرائيلية واضحة ترفض الانسحاب الكامل من الجولان. وفي إحدى المحادثات قال موشيه دايان إن إسرائيل لا ينبغي أن تنسحب من الجولان كاملًا، وفي حديث آخر أوضح أن المستوطنات والمخاوف العسكرية أصبحت جزءًا من حساب الموقف الإسرائيلي هناك.

لهذا لم يكن أمام دمشق ببساطة “كامب ديفيد آخر” جاهز يعيد الجولان كاملًا مقابل توقيع معاهدة.

وعندما جاءت اتفاقات كامب ديفيد، سأل الأسد لاحقًا المسؤولين الأميركيين إن كان الجولان قد نوقش خلالها.

كان الجواب أن الجولان طُرح فقط ضمن المبادئ العامة للقرار 242، وأن أي تسوية سورية إسرائيلية ستحتاج إلى مفاوضات منفصلة.

وصف الأسد الاتفاقات بأنها “غير متوازنة”، لأنها، بحسب موقفه، كانت محددة في ما تريده إسرائيل وغامضة في مسألة الانسحاب الذي يطالب به العرب.

وهنا افترق المساران اللذان بدآ معًا في السادس من تشرين.

مصر اتجهت إلى معاهدة سلام استعادت بعدها سيناء، أما سوريا فبقيت من دون تسوية تعيد الجولان، واستمر معظم الهضبة تحت الاحتلال الإسرائيلي.

أما في الجولان، فبقي الواقع الذي رسمه اتفاق عام 1974 قائمًا: القنيطرة عادت، لكن معظم الجولان لم يعد.

ورُسم خط فصل لم يكن حدودًا دولية جديدة، لكنه أصبح واقعًا على الأرض سيستمر لعقود.

أما بالنسبة إلى الجولانيين، فلم يكن انتهاء القتال نهاية القضية.

فوراء خط الفصل بقيت الأرض المحتلة، والمستوطنات التي بدأت بالتوسع، والقرى السورية التي بقي أهلها داخل الجولان.

ومع هدوء المدافع، بدأت مرحلة مختلفة.

لم تعد المواجهة فقط على خطوط الجيوش.

أصبحت على الأرض نفسها: من يسكنها، من يملكها، وكيف يحاول الاحتلال الإسرائيلي تغيير هويتها وواقعها.

وهذه هي المرحلة التي تتناولها المادة الخامسة من سلسلة الجولان.

للمزيد:

المادة الأولى: قبل الاحتلال.. كيف بدأت قصة الصراع والحدود في الجولان؟

المادة الثانية: من الحدود الملتهبة إلى الاحتلال.. كيف سقط الجولان عام 1967؟

المادة الثالثة: من الهزيمة إلى محاولة التحرير.. ماذا جرى في الجولان خلال حرب تشرين؟

المصدر الأمم المتحدة، اتفاق فض الاشتباك بين القوات السورية والإسرائيلية وتقارير تنفيذه، 1974. مجلس الأمن الدولي، القرار 350 لعام 1974 المتعلق بإنشاء قوة «أندوف». الأمم المتحدة، تقرير اللجنة الخاصة بشأن الدمار في مدينة القنيطرة عام 1974. وزارة الخارجية الأميركية، Foreign Relations of the United States، المجلد XXVI، وثائق مفاوضات هنري كيسنجر حول الجبهة السورية عام 1974. الأمم المتحدة، تقارير المستوطنات الإسرائيلية في الجولان السوري المحتل بعد حرب عام 1967. وزارة الخارجية الأميركية، Foreign Relations of the United States 1977–1980، وثائق الموقف السوري من كامب ديفيد والجولان. خريطة الأمم المتحدة الرسمية لاتفاق فض الاشتباك السوري الإسرائيلي لعام 1974

اترك رد

عاجل