ما هو أبعد من قرار أممي غير ملزم.. العالم أفظع مما يبدو في الخريطة

علي سفر9 سبتمبر 2026آخر تحديث :
علي سفر
الإعلامي والكاتب السوري علي سفر

في دروس الجغرافيا، كنا نمتلئ بالدهشة حين يقول لنا المدرس إن الخرائط التي نشاهدها في الكتاب، وتحديداً خريطة العالم، غير صحيحة تماماً! وإن أحجام القارات التي نراها هنا، تضخمت لأن طريقة إسقاط الكرة الأرضية على سطحٍ مستوٍ جعلت بعضها يبدو أكبر من حجمه الفعلي! لم يبدُ الأمر مهماً بالنسبة لنا آنذاك، فنحن تلاميذ في مدرسة سورية، وسوريا بلد صغير، كان كبيراً ثم تآكل وجرى شطره إلى أربع دول، فضلاً عن الأجزاء التي ألحقت بتركيا والعراق!

لكن السؤال عن طريقة رسم الخريطة والتي عرفنا فيما بعد أن اسمها “إسقاطة ميركاتور التقليدية” كان يُظهر صعوبة في اعتماد البديل الذي كان يقدم تصوراً أقرب إلى الواقع من الانتفاخات السائدة.

فعلياً، لا يتغير شيء في أحجام مساحات الدول في هذه الخريطة أو حتى الخرائط البديلة، لكن ما يصبح قابلاً للتغيير في حال أُسست معارف التلاميذ على البديل إنما هو الصورة الذهنية وما يترسخ فيها وما يبنى عليه لاحقاً من تصورات عن المكان والحجم وموقع الفعالية إن وجدت هل هي في الهامش أم المركز!

المسألة تبدو وكأنها مجرد قضية ثقافية، لكن التفكير فيها يجعلها أكثر من ذلك، ولاسيما لجهة المنطلقات التي بدأ فيها أصحاب المشروع وكذلك ردود الأفعال عليه، حيث قال ممثل توغو وهي الدولة التي قدمت المشروع نيابة عن قارة أفريقيا إن “الخريطة العادلة لا تغيّر جغرافية العالم؛ إنها تغيّر الطريقة التي نرى بها العالم.

ومن هذه الزاوية يبدو مفهوماً مسعى المجموعة الأفريقية في الأمم المتحدة على تقديم مشروع حمل عنوان “تصحيح الخريطة”، جرى التصويت عليه، واعتمدته المنظمة الأممية بأغلبية 164 دولة مقابل دولة واحدة، مع ستة امتناعات! وجاء في الحيثيات أن المشروع دفع باتجاه استخدام خرائط تحافظ على النسب الحقيقية لمساحات القارات، ولا سيما إسقاطة الأرض المتساوية، بدلا من الاعتماد الواسع على نسخة مركاتور التقليدية.

وفي نهاية الإعلان الأممي كان من المهم الإشارة إلى أن القرار غير ملزم قانونياً، ولا يلغي استخدام مركاتور في المجالات التي تظل مفيدة فيها، خصوصا الملاحة.

المسألة تبدو وكأنها مجرد قضية ثقافية، لكن التفكير فيها يجعلها أكثر من ذلك، ولاسيما لجهة المنطلقات التي بدأ فيها أصحاب المشروع وكذلك ردود الأفعال عليه، حيث قال ممثل توغو وهي الدولة التي قدمت المشروع نيابة عن قارة أفريقيا إن “الخريطة العادلة لا تغيّر جغرافية العالم؛ إنها تغيّر الطريقة التي نرى بها العالم. وعندما تصبح رؤيتنا أكثر عدلاً، فإن ذلك يمهد الطريق أمام مزيد من الفهم والاحترام والسلام بين الأمم”. لكن ممثلة الولايات المتحدة الأميركية التي اعترضت على المشروع فهمت المقصود خلفه بطريقتها، وقالت في معرض توضيح أسباب الرفض: “إنه رغم تقديم مشروع القرار باعتباره محاولة “غير ضارة” لتحديث علم الخرائط، فإنه لا يمكن فصله عن مشروع أيديولوجي أكبر وأكثر راديكالية ينتمي إليه”! أما ممثل الاتحاد الروسي الذي يسيطر سياسياً وعسكرياً على شعوب كثيرة تخضع له بحكم قوته وبطشه، فقد رأى المشروع فرصة لتأكيد البروباغندا التي تسوقها موسكو عن نفسها، فقال إنها: “دأبت على الدعوة إلى تجاوز إرث الاستعمار ومكافحة ممارسات الاستعمار الجديد”. وأضاف أن بلاده تؤيد جهود الدول الإفريقية المستقلة الرامية إلى استعادة العدالة التاريخية وتعزيز دور أفريقيا باعتبارها أحد المراكز الفريدة والمؤثرة في عالم معاصر متعدد الأقطاب”.

وبعيداً عن الجدال الذي سيستمر حول أي قصة تتعلق بإصلاح أيٍ من ملامح الهيمنة حول العالم، لا تملك الدول الضعيفة عسكرياً وسياسياً حول الكوكب الحق في أن تعدل شيئاً، سوى بعض القضايا الثقافية العامة، فقد راكمت نتائج الحرب العالمية الثانية على البشر أن يعيشوا في نظام دولي غير منصف، وجرى تصميمه بحيث لا يستطيع أحد

أن يعدل فيه، إلا إذا قرر الخروج منه، والاشتغال على نظام آخر، ولهذه الرغبة تكاليف كبيرة لا أحد يستطيع تحملها على ما يبدو!

وفي الأصل، يعرف الجميع أن السؤال عن عدالة النموذج المقترح يتبع نوايا صاحب الرغبة ذاته، فحتى الدول العظمى حين تطالب بالتعديلات فهي لا تنوي ذلك من أجل العدالة وإنما من أجل تثبيت مصالحها رسمياً والإضافة على ذلك بإقرار من الشركاء بحقها في ذلك! أي أن ما جرى تثبيته في القرارات الأممية ليس هو نهاية القصة، إذ ثمة توافقات أشد ضرراً على الضعفاء، من مثل أن تستطيع دولة مدعومة من قبل دولة عظمى استباحة الإقليم، كما تفعل إسرائيل في منطقتنا، وأن تفعل دولة أخرى شيئاً مشابهاً في وقت ما بسبب المناكفات وحروب الظل بين الولايات المتحدة وروسيا، والمقصود بالطبع إيران الولي الفقيه، وأن يدفع السوريون ثمناً هائلاً من حيواتهم ومقدراتهم تحت الحكم الأسدي نتيجة لتوافقات دولية، رغم أن الصورة الحقيقية لما جرى هنا، كانت واضحة ومعروفة للجميع!

من صورة العالم إلى العالم نفسه. هنا يتجاوز الأمر الإسقاط الجغرافي أو الخطوط على الورق، ليصبح تدقيقاً بمن يملك القدرة على فرض الوقائع التي تصبح، مع الوقت، أمراً معتاداً لا يحتاج إلى تفسير.

كان الجغرافي ومؤرخ الخرائط البريطاني ج. ب. هارلي قد لفت في وقت سابق، وضمن مشروعه في تفكيك الخرائط، إلى أن هذه الخطوط المرسومة على الورق لتقدم مساحات وحدود الدول، هي جزء من علاقة بين المعرفة والسلطة. وليست تمثيلاً محايداً تماماً، وربما تكمن أهمية هذه الحكاية الصغيرة عن القرار الدولي وانتصار المجموعة الأفريقية في أنها تذكّرنا بأن ما نراه ليس دائماً هو ما يوجد فعلاً، وفي العالم السياسي تصبح المسافة بين الاثنين أكثر خطورة بكثير. فالخريطة يمكن تصحيحها بقرار أممي، أما العالم الذي تصفه الخريطة فلا يتغير بقرار مماثل.

لكن المسألة لا تنتهي هنا. فإذا كانت الخريطة، وهي مجرد تمثيل للعالم، قادرة على أن تمنحنا صورة مختلفة عن حجمه وتوزيع أجزائه، فإن السؤال الأكثر إثارة يبدأ حين ننتقل

من صورة العالم إلى العالم نفسه. هنا يتجاوز الأمر الإسقاط الجغرافي أو الخطوط على الورق، ليصبح تدقيقاً بمن يملك القدرة على فرض الوقائع التي تصبح، مع الوقت، أمراً معتاداً لا يحتاج إلى تفسير.

المصدر تلفزيون سوريا

اترك رد

عاجل