

لم تعد أخبار التوغلات الإسرائيلية في جنوب سوريا حدثًا استثنائيًا. دوريات تدخل قرية ثم تنسحب، حواجز تقام لساعات، مداهمات واعتقالات وتحركات عسكرية تتكرر بين ريفي القنيطرة ودرعا. وإذا قُرئت كل حادثة وحدها فقد تبدو عملية محدودة تنتهي بانسحاب القوة لكن تكرار المشهد يفرض سؤالًا مختلفًا: ماذا لو لم تعد المشكلة في كل توغل بحد ذاته، بل في الواقع الذي يصنعه مجموع هذه التوغلات؟
هذا السؤال يغيّر طريقة قراءة ما يجري في الجنوب. ففرض السيطرة لا يحتاج دائمًا إلى إعلان ضم أو إدارة مدنية جديدة، وقد يبدأ بشكل أبسط: قوة عسكرية تستطيع الدخول إلى منطقة متى أرادت، إقامة حاجز، تفتيش السكان أو اعتقال بعضهم ثم الانسحاب، قبل أن تعود العملية نفسها في مكان آخر. ومع التكرار يصبح تأثير هذه القوة حاضرًا حتى في الأوقات التي لا تكون فيها موجودة فعليًا لأن السكان يبدأون بحساب حركتهم على أساس احتمال عودتها.
وفي تقرير صدر في أيلول، قالت لجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن سوريا إن العمليات الإسرائيلية في الجنوب، بما فيها التوغلات والمداهمات وإقامة بنية عسكرية، أصبحت أكثر ترسخًا، ووثقت حالات احتجاز لسوريين ونقل بعضهم إلى داخل إسرائيل. في المقابل تقول إسرائيل إن وجودها وإجراءاتها جاءت بصورة مؤقتة لحماية أمنها بعد سقوط النظام السابق، وتنفي وجود أطماع إقليمية في سوريا.
لكن كلمة «مؤقت» لا تتعلق بالمدة وحدها. فما يبدأ إجراءً أمنيًا يمكن أن يترك أثرًا يتجاوز زمن العملية نفسها إذا تكرر بالوتيرة ذاتها. الطريق الذي يمكن إغلاقه والأرض التي قد يصبح الوصول إليها مخاطرة، والقرية التي تعرف أن دورية أجنبية تستطيع دخولها، كلها تفاصيل تغيّر علاقة السكان بمكانهم حتى لو بقيت الحدود على الخرائط كما هي.
وهنا يصبح السؤال أصعب من تحديد ما إذا كانت إسرائيل ستضم أرضًا سورية أم لا. فربما لا يكون الضم أصل المسألة أصلًا. السؤال هو ما إذا كان استمرار العمليات يسمح بتكوين مساحة تستطيع فيها إسرائيل فرض اعتبارات أمنية خاصة بها داخل الأراضي السورية، بينما تبقى قدرة دمشق على منع ذلك محدودة. عندها يصبح الفارق بين السيادة الموجودة قانونيًا على الخريطة والسيطرة الفعلية على الأرض أكثر وضوحًا.





