هل نحن بصدد بنية أمنية جديدة في الشرق الأوسط؟

مروان قبلان12 أغسطس 2026آخر تحديث :
هل نحن بصدد بنية أمنية جديدة في الشرق الأوسط؟

من المفارقات العصيّة على الفهم، وتُطرح غالباً في المقاربات الأمنية للنظم الإقليمية، ذلك التناقض الصارخ بين إنفاق منطقة الشرق الأوسط على التسلّح وبناء الجيوش، وافتقارها إلى الأمن، لكنّ المسألة تصبح قابلة للتفسير إذا أخذنا في الاعتبار أنّ دول المنطقة، منذ تشكّل نظامها الحديث قبل أكثر من قرن، سعت، في معظم الأحيان، إلى تحقيق أمنها منفردة، أو بالاستناد إلى قوى خارجية، بدل بناء نظام إقليمي للأمن الجماعي. وكانت النتيجة نشوء معضلة أمنية مزمنة: كلّ دولة تسعى إلى تعزيز أمنها بزيادة قدراتها العسكرية، أو بناء تحالفات خارجية، فتقرأ الدول الأخرى هذه الخطوات على أنها تهديد لها، فتردّ بالمثل، فتزداد المنطقة تسلّحاً والأمن تراجعاً. كشفت حرب “طوفان الأقصى”، وكذلك حرب إيران، حدود النظام الأمني الذي قام في المنطقة منذ نهاية الحرب الباردة على تفوّق إسرائيل العسكري من جهة، واعتماد الدول العربية، لا سيّما الخليجية، على المظلّة الأمنية الأميركية من جهة أخرى.
من هذه الزاوية تحديداً، ينبغي قراءة اتفاقية مكّة للدفاع المشترك التي جمعت السعودية وتركيا وباكستان، فهي ليست مجرّد اتفاق عسكري بين ثلاث قوى إقليمية مهمّة، بل تعبير عن تحوّل أعمق يجري في بنية الأمن الإقليمي، وعن محاولة لبناء الردع بدل انتظار الحماية. وعلى الرغم من أنّ المفارقة الرئيسة في اتفاقية مكّة أنّ الأولويات الأمنية لأطرافها الثلاثة غير متطابقة تماماً، بما في ذلك تحديد مصدر التهديد (تتّصل المعضلة الأمنية السعودية أساساً بإيران، وبقدرتها على استهداف البنية التحتية الحيوية في الخليج، في حين تبقى الهند مصدر التهديد الرئيس في عقيدة باكستان الدفاعية، فيما تتحرّك تركيا ضمن بيئة أمنية مختلفة تشمل شرقي المتوسّط، وسورية، والعلاقات المتوتّرة مع إسرائيل واليونان، إلى جانب عضويتها في حلف شمال الأطلسي). ومع هذا، اجتمعت الدول الثلاث على صيغة تقوم على أنّ الاعتداء على إحداها يُعدّ اعتداءً على الجميع. وهذا تحديداً ما يجعل الاتفاقية مهمّة، فهي لا تقوم على تحديد عدوّ مشترك بقدر ما تقوم على إنتاج ردع مشترك، وهذا التمييز أساسي لفهم طبيعتها.
بهذا المعنى، لا يغدو الغرض من الاتفاقية إنشاء جيش مشترك يخوض حروب الدول الثلاث، ولا إرسال تركيا قوّاتها إلى جنوب آسيا إذا اندلعت مواجهة جديدة بين الهند وباكستان، أو أن تجد باكستان نفسها تلقائياً طرفاً في مواجهة محتملة بين تركيا واليونان، بل تغدو وظيفتها الأساسية زيادة حالة عدم اليقين لدى أي دولة تفكّر في مهاجمة أحد أطرافها، بمعنى أنّ أي هجوم قد لا يبقى محصوراً في مواجهة مع دولة واحدة. بعبارة أخرى، الاتفاقية مصمّمة لمنع الحرب أكثر ممّا هي مصمّمة لخوضها وكسبها. ولهذا يُرجَّح أن يظهر أثرها العملي في مجالات أقلّ شمولاً من إرسال الجيوش، لكنّها أهمّ على المدى البعيد، مثل تبادل المعلومات الاستخبارية، والتدريب والمناورات المشتركة، والدفاع الجوي والصاروخي، والتنسيق العسكري، وتوحيد بعض المعايير العملياتية، والتصنيع الدفاعي المشترك. وهنا تظهر عناصر التكامل بين الدول الثلاث بصورة لافتة. السعودية توفّر القوّة المالية، ومكانة متفرّدة في قلب سوق الطاقة العالمية، وتركيا تمتلك أكبر قاعدة صناعية دفاعية بين الدول الثلاث، إلى جانب خبرة متنامية في المسيّرات والصواريخ والحرب الإلكترونية. أمّا باكستان فتضيف جيشاً كبيراً ذا خبرة عملياتية طويلة، وفوق ذلك كلّه مكانتها بوصفها قوّة نووية.
الأهم من تفاصيل الاتفاقية السياق الذي أنتجها، فقد بنت دول الخليج عقيدتها الأمنية عقوداً على افتراض أنّ الولايات المتحدة ستحميها عندما تتعرّض مصالحها لتهديد كبير، لكنّ سلسلة الأزمات التي بدأت بالهجمات على منشآت “أرامكو” عام 2019، مروراً بحرب غزّة، واتساع نطاق الصراع الإقليمي، وصولاً إلى حرب إيران، أوضحت الفارق بين امتلاك علاقة استراتيجية مع واشنطن وبين الحصول على ضمانة غير محدودة للأمن. هذا لا يعني أنّ السعودية تتّجه إلى فكّ ارتباطها بالولايات المتحدة، كما لا ينبغي قراءة اتفاقية مكّة بوصفها تحالفاً خارج المظلّة الأميركية، ورؤية واشنطن لأمن المنطقة. على العكس، تُعدّ الاتفاقية في بعض جوانبها متوافقة تماماً مع الاتجاه الذي تطالب به واشنطن حلفاءها منذ سنوات: أن يتحمّلوا نصيباً أكبر من أعباء أمنهم. وإذا تمكّنت السعودية وتركيا وباكستان من تأمين جزء أكبر من أمن الإقليم (ضمناً تقييد إيران وإسرائيل)، فقد يسمح ذلك لواشنطن بتقليل الموارد اللازمة لإدارة أزماته، والتركيز أكثر على المنافسة الدولية الأوسع مع الصين، وإلى حدّ أقلّ مع روسيا.

المصدر العربي الجديد

اترك رد

عاجل