

لا يمكن فهم أزمة السويداء من خلال الأحداث الأخيرة وحدها، ولا من خلال تصويرها باعتبارها حدثاً أمنياً عابراً بين الحكومة السورية وبعض الفصائل المحلية، فالمسألة أقدم وأعقد، وتعكس أزمة ضعف ثقة بين المجتمع الدرزي في سوريا والدولة المركزية بدأت حتى قبل استقلال الدولة السورية في العام 1946، إضافة إلى دور إسرائيلي سلبي هدام، لا ينكره إلا جاهل.
تتجلى عقدة مشكلة دروز سوريا بارتباطها بتاريخ طويل من العلاقات الدينية والاجتماعية والسياسية التي تجمع دروز السويداء بدروز الجولان وفلسطين وإسرائيل، والعلاقة مع دروز لبنان وانقساماتهم السياسية، وهي علاقة تقوم على رابطة الدم والطائفة وقد ظهرت بوضوح في تصريحات الشيخ موفق طريف وفي مواقف بنيامين نتنياهو وفي الخطاب الذي تبناه حكمت الهجري خلال السنوات الأخيرة. الدروز في إسرائيل خدموا في جيشها منذ عقود وشاركوا في الحروب إلى جانب القوات الإسرائيلية كتفا إلى كتف وهناك وحدات عسكرية ارتبط اسمها بحضور درزي قوي وبالمعارك الصعبة نتيجة التماسك الموجود بين الجنود الدروز واستعدادهم للقتال دفاعا عن بعضهم وعن المؤسسة التي ينتمون إليها. ولهذا فإن قضية السويداء لم تعد مسألة سورية داخلية فقط بل أصبحت مرتبطة مباشرة بالموقف الإسرائيلي وأي تصور لحلها يتجاهل إسرائيل سيبقى ناقصا لأن تل أبيب تعتبر الجنوب السوري مجالا أمنيا خاصا بها وترى في الدروز جماعة ترتبط بها بعلاقات تاريخية وعسكرية واجتماعية
من هنا يمكن القول إن أزمة السويداء لن تجد طريقها إلى الحل من دون تدخل دولي أو إقليمي فاعل يحبط السياسات التدخلية العدائية الإسرائيلية تجاه سوريا الجديدة، أو تفاهم سوري إسرائيلي واضح يحدد شكل الوجود الأمني والعسكري في الجنوب ويمنع تحول المحافظة إلى ساحة مواجهة دائمة، والنظام السابق كان يعرف حساسية هذا الملف ولذلك ترك للسويداء هامشا واسعا من الحركة وسمح بخروج المظاهرات لسنوات ولم يحاول الدخول إليها بالقوة لأنه كان يدرك أن أي تقدم عسكري قد يستجلب تدخلا إسرائيليا. أما الحكومة السورية الجديدة فقد دخلت المشهد بخبرة محدودة في إدارة التنوع السوري ولم تكن تعرف بشكل كاف تاريخ العلاقات بين الدروز وإسرائيل من جهة، والدروز والعشائر السنية الموجودة في السويداء منذ مئات السنين وقبل تشكل الوجود الدرزي بشكله المعروف، من جهة ثانية، وحين اندلعت الاشتباكات بين مجموعات درزية وعشائر البدو في حي المقوس وأحياء أخرى شمال شرق السويداء دخلت قوات الأمن على أساس أنها قوة فصل نزاع لكنها تعرضت لهجوم غادر على مدخل المدينة وقتل عدد من عناصرها، فتحولت العملية من محاولة لضبط الاشتباك إلى دخول عنيف اتسم بالغضب والثأر وسوء الانضباط من قبل بعض عناصر القوات المسلحة.
هنا تتحمل الحكومة مسؤولية كبيرة لأنها لم تدرك مدى وعمق التغلغل الإسرائيلي في مشكلة السويداء، ولم تدخل بخطة سياسية واجتماعية واضحة، ولم تفهم طبيعة المنطقة وصراع مكوناتها، كما تتحمل الفصائل المسلحة في السويداء مسؤولية الغدر بالقوة التي دخلت للفصل، ثم جر المحافظة إلى مواجهة كان المدنيون أول ضحاياها.
المشكلة في السويداء لا تتعلق بالسلاح خارج سيطرة الدولة فقط، بل بالبنية الدينية والاجتماعية المغلقة التي تجعل كثيرا من الأصوات الحرة عاجزة عن التعبير عن رأيها، فهناك داخل المجتمع الدرزي مبدأ يعرف بحفظ الإخوان، أو “فريضة حفظ الأخوان” وهو الركيزة الثانية من “الخصال أو الدعائم التوحيدية السبع” التي تُشكل جوهر العقيدة والسلوك الأخلاقي والاجتماعي لدى طائفة الموحدين الدروز، وتوجب هذه الفريضة الالتزام بحماية أي فرد من الطائفة إذا تعرض للخطر أو الظلم من جهة خارجية، ظالماً أو مظلوماً، وهو يدفع إلى التكاتف الشديد بين أبناء الطائفة حتى عندما يكون أحدهم مخطئا، كما يظهر هذا التماسك في طريقة التعامل مع شخصيات مثل المجرم عصام زهر الدين الذي كان من أكثر ضباط نظام الأسد وحشية وقسوة بمواجهة معارضي نظام الأسد، وارتبط اسمه بجرائم خطيرة، ومع ذلك لم يخرج داخل بيئته الدرزية موقف واسع يدينه خلال ارتكابه انتهاكات وثقها بنفسه، بل تحول قبره بعد مقتله إلى مكان يزوره البعض، وكأن الانتماء الطائفي غطى على سجله العسكري الدموي، وجرائمه الوحشية الموثقة، وهو ما شكل استفزازاً للسوريين الذين عانوا بشكل مباشر من جرائمه بحق مجتمعاتهم، وخاصة في دير الزور حيث مارس أشد جرائمه وحشية وقسوة.
كما تقف عقوبة “الحرم الديني” أو ما يعرف بالبعد الديني” حائلاً دون بروز أصوات درزية وازنة معارضة لتوجهات الشيخ حكمت الهجري وربطه مصير الدروز بالمصالح الإسرائيلية، و”الحرم الديني” عقوبة دينية واجتماعية تصدر من مشيخة العقل بحق من يخالف المرجعية الدينية فيصبح معزولاً اجتماعياً ويتعرض مع عائلته للمقاطعة التامة، وقد يخشى الناس التعامل معه أو مصاهرته، ما يجعله مهدور الدم بالمعنى الفعلي للكلمة، ولهذا لا يُظهر الكثير من الدروز مواقفهم المعارضة للهجري وتوجهاته وسياساته، لا في داخل السويداء ولا خارجها، ويظهر لمن لا يفهم الواقع داخل الطائفة الدرزية أن الجميع يتبنون الرأي نفسه، في حين أن المسألة ترتبط بحقيقة أن كلفة الخروج عن رأي المرجعية مرتفعة وخطرة. ومن الأمثلة التي تطرح في هذا السياق ما جرى مع الشيخ وحيد البلعوس بعد خروجه عن مشايخ الطائفة وإعلانه موقفا مؤيدا للثورة ثم صدور موقف ديني ضده في العام 2015 قبل اغتياله بفترة قصيرة.
وهذا ما يجعل تحدي السويداء مختلفا وأكثر خطراً وتعقيداً بالنسبة للدولة السورية من تحدي قسد أو بقايا النظام السابق، فقسد يمكن تفكيكها بسبب تعدد مكوناتها وغياب العقيدة الواحدة التي تجمعها، وكذلك الفلول لا يجمعهم مشروع عقائدي موحد، أما في السويداء فهناك تماسك ديني واجتماعي قوي ودعم إسرائيلي مباشر، وتاريخ من ضعف الثقة بين الدروز والسلطة المركزية في دمشق منذ عقود، وما جرى في صيف عام 2025 كان فخا إسرائيليا وقعت فيه الحكومة السورية بسبب ضعف خبرتها. فمنذ التحرير وحتى تموز 2025 حاولت حكومة دمشق التوصل إلى أكثر من اتفاق مع القوى المحلية وكان حكمت الهجري يوافق ثم يتراجع بعد أيام تحت تأثير الموقف الإسرائيلي. وقبل دخول القوات السورية إلى السويداء كان وفد سوري قد اجتمع مع الإسرائيليين في أذربيجان وفهمت الحكومة من اللقاء أن إسرائيل لن تتدخل في الشأن السوري مع بدء مسار تفاوض أمني برعاية أمريكية وتركية ولذلك أرسلت قواتها لفض الاشتباك ولنشر قواتها الأمنية، وتفعيل مؤسسات الدولة في محافظة كانت الميليشيات تمنع فيها حتى وجود شرطي مرور من وزارة الداخلية السورية، وتطلق النار على أرتال الأمن العام كلما حاولت الدخول.
لكن الحكومة أساءت قراءة الرسالة الإسرائيلية ولم تفهم أن السويداء خطا أحمر عريضاً بالنسبة إلى تل أبيب.
المسؤولية إذا ليست على طرف واحد، فالحكومة أخطأت بسبب قلة خبرتها وضعف ثقافتها في إدارة المجتمع السوري المتنوع، والفصائل في السويداء أخطأت حين رهنت مصير مجتمع كامل في المحافظة لمصالح العدو الإسرائيلي، ومنعت الدولة من العمل، وحولت المحافظة إلى منطقة سلاح مغلقة، وحين تعاملت مع الخلاف السياسي بعقلية الطائفة والحماية الخارجية.
ومع ذلك تبقى السياسة هي الحل بمواجهة منطق الفزعات والتحشيد الطائفي والاحتكام للسلاح، فالسياسة قادرة دائماً على إيجاد مخرج، حتى عندما لا يكون هذا المخرج ظاهرا اليوم، ويمكن للدولة أن تصل إلى حل إذا فهمت المجتمع الذي تحكمه وأدركت أن القوة وحدها لا تبني دولة وأن التفاهم لا يعني التنازل عن السيادة، وهو ما يقتضي بالضرورة أن تحتكم العقول في السويداء إلى المنطق الوطني وتكف عن المراهنة على دعم الاحتلال الإسرائيلي.
ويبقى السؤال إلى متى ستظل سوريا تتغذى على دماء شبابها وأطفالها، وإلى متى ستبقى النساء السوريات مكلومات بين حسابات السياسة وطموحات الميليشيات وتدخلات الخارج؟
ختاماً، مهما اختلفت السرديات ومهما حاول كل طرف إثبات أنه الضحية الوحيدة، يبقى الخاسر جميع السوريين لأن الدم الذي يسقط في السويداء أو دمشق أو الساحل أو الجزيرة هو في النهاية دم سوري.





