أي سوريا نريد؟.. تساؤلات حول قضايا وجودية مصيرية

عبد الباسط سيدا22 سبتمبر 2026آخر تحديث :
أي سوريا نريد؟.. تساؤلات حول قضايا وجودية مصيرية

أي سوريا نريد؟ هذا هو السؤال المحوري الذي تتمفصل حوله، وتتفرّخ منه أسئلة السوريين الفرعية، وهي الأسئلة التي لم تعد مجرد تعبير عن أمزجة شخصية، أو رؤى طوباوية، وإنما أصبحت أسئلة وجودية تمس مصير السوريين راهناً ومصير أجيالهم المقبلة مستقبلاً.

هل نريد سوريا موحدة أرضاً وشعباً، تطمئن سائر مكوناتها ومواطنيها من دون أي تمييز؟ أم نريد سوريا موزعة بين مناطق نفوذ، تتحكّم فيها قوى إقليمية أو أمزجة أمراء ميليشيات تعلن من باب التقية تبعيتها للدولة، ولكنها في الواقع العملي تمارس سلطاتها الموازية لسلطة الدولة، وتنتظر اللحظة المناسبة للانقضاض وفرض مشاريعها التي لم ولن تخدم مصلحة السوريين؟

هل نريد سوريا تعتز بجميع أبنائها وبناتها ومكوناتها، وتتباهى بتنوعها المجتمعي والفكري؟ أم نريد سوريا تفرض فيها مجموعة صغيرة رأيها على من يتشاركون معها في الانتماء القومي أو المذهبي، أو كليهما معاً، بحجة أنها تمثلهم، وأنها تعتبر الفرقة الناجية التي ستهدي الجميع سواء السبيل؟

هل نريد سوريا تكون دولتها بالفعل دولة مؤسسات تتوزع بينها السلطات منعاً للاحتكار والتفرد والتسلط. مؤسسات تخضع أعمال القائمين بمهامها للمتابعة والتقييم والتقويم والمساءلة والمحاسبة؟

هل نريد سوريا الانتهازيين المتسلقين الذين يستغلون الأخطاء التي تشجبها غالبية السوريين، ليفرضوا العزلة على أناس لا يشتركون معهم بأي شيء سوى بالانتماء المجتمعي الوراثي، ويتحكّموا بهم، ويلزموهم بقوة المال والسلاح والإعلام بالقبول بهم أو التزام الصمت أو المغادرة، ليتمكنوا من التحدث باسمهم، وعقد الصفقات التي ترسّخ سلطتهم ما قبل الوطنية؟

أم نريد سوريا التي تضمن لكل ناسها، من دون أي استثناء، فضاءً وطنياً واسعاً يشعر فيه الجميع بالأمان والاستقرار؛ فضاءً تحترم فيه الخصوصيات، وتُصان الحقوق الجماعية والفردية ضمن إطار وحدة الشعب والوطن، وكل ذلك بموجب عقد مجتمعي يبدّد الهواجس، ويبيّن الحقوق والواجبات التي لا بد أن يلتزم بها الطرفان: الدولة والمجتمع؟

هل نريد سوريا المتنوعة بتراثها الديني والقومي والمذهبي؛ الغنية باجتهادات أبنائها وبناتها وإمكاناتهم الفكرية والثقافية وتوجهاتهم السياسية الانفتاحية القادرة على التعايش والتفاعل الإيجابي مع الآخر المختلف. سوريا لا تكون فيها المرأة موضوعاً للتهمة أو المتعة، وإنما شريكاً أصيلاً فاعلاً في النهضة والازدهار؟

أم نريد سوريا تفرض فيها مجموعة ممن يتسترون بأردية الفقهاء المتشددين المتزمتين، أو ممن يجدون في القومي أو الديني المذهبي أو الأيديولوجي بضاعة وأداة لفرض السيطرة على غالبية السوريين أو جماعة منهم بغية الحصول على موقع؛ ومن دون أي مراعاة لتغيّر الظروف والأحوال بتغير الأزمان والأماكن؛ فتغدو ممارساتهم وتصريحاتهم مادة غنية تصلح لكتابة روايات ستتفوّق من دون شك على رواية سرفانتس الشهيرة؟

هل نريد سوريا تديرها حكومة رشيدة تضع هدف تخفيف معاناة الناس في مقدمة أولوياتها، وتحاول استثمار الموارد الطبيعية والبشرية، والإمكانات الزراعية والصناعية والخبرات المهنية والتجارية، والاستفادة من الموقع الجغرافي والعلاقات القائمة على المصالح المتبادلة على المستويين الإقليمي والدولي، لصالح السوريين كل السوريين؛ وكل ذلك في مناخ يتّسم بالشفافية والوضوح والمصداقية؟

أم نريد سوريا تتحكّم فيها مجموعة من أصحاب اقتناص الفرص ممن يضعون مصالحهم الخاصة فوق مصالح البلاد والعباد؟

هل نريد سوريا تستعجل الخطى من أجل إغلاق ملف المخيمات والتشرّد؛ وتوظّف الإمكانات المتاحة، مهما كانت محدودة، في مشاريع إعادة تأهيل البنى التحتية الأساسية وتوفير الشروط الضرورية للسكن الإنساني كي يتمكن الناس من العودة إلى منازلهم، ويصبحوا من المساهمين في عملية النهوض عوضاً عن أن يكونوا مجرد ضحايا يدفعون ضريبة مناهضتهم لسلطة آل الأسد المستبدّة الفاسدة المفسدة، وصمودهم الأسطوري، وإصرارهم على رفض جميع محاولات تدوير تلك السلطة التي بُذلت من قبل الأقرباء والأصدقاء والأعداء؟

أم نريد سوريا تكون أشبه بـ”حارة كل مين إيدو إلو”، يتسابق فيها، وعليها، تجار الحروب والأزمات من أجل الظفر بفرص العمر تحت اسم الخصخصة والسوق المفتوحة والمشاريع الاستثمارية؛ وهي مشاريع لا تلامس ولا تتكامل مع حاجات السوريين الحقيقية وإمكاناتهم، بل تثير الاستغراب والامتعاض لديهم، خاصة أن سكّان المخيّمات والعشوائيات ما زالوا يشعرون، بعد نحو عامين من استعادة الوطن، أنهم خارج دائرة اهتمام وتعاطف أصحاب الصفقات التي تعقد في الغرف المغلقة بعيداً عن أعين الناس ومعرفتهم، وخارج نطاق المساءلة والمحاسبة. صفقات يثير التعتيم عليها كثيرا من الهواجس والشكوك على الرغم من كل بهلوانيات المهرجانات الاستعراضية التي كانت؟

هل نريد سوريا تكون دولتها بالفعل دولة مؤسسات تتوزع بينها السلطات منعاً للاحتكار والتفرد والتسلط. مؤسسات تخضع أعمال القائمين بمهامها للمتابعة والتقييم والتقويم والمساءلة والمحاسبة؟

أم نريد سوريا تكون فيها القرارات مركزية، تفرض من دون أي توضيح أو تسويغ مقنع يتجاوز حدود الوعود التبشيرية، والمجاملات العاطفية التي لا تقدم حلولاً حقيقية لقضايا ومشكلات لا تعالج بالتخدير أو أشباه الحلول؟

هذه الأسئلة وغيرها كثير تتفرع، كما نلاحظ، عن السؤال المحوري السوري الوجودي المفصلي: أي سوريا نريد؟

وهو سؤال لا يمكن الوصول إلى إجابة مقنعة بشأنه، وهي إجابة تجسّد لسان حال غالبية السوريين على الأقل، من دون حوار صريح مسؤول مباشر بين السوريين بمختلف انتماءاتهم وتوجهاتهم وجهاتهم. فالحوارات بالمراسلة عبر وسائل الإعلام، أو وسائط التواصل الاجتماعي، لم تؤد حتى الآن إلى المنشود على الرغم من تأثيرها أحياناً في تعديل قرارات بعض المسؤولين، أو التراجع عن بعضها الآخر؛ هذا رغم عدم الإقرار بدور الانتقادات وأهميتها وضرورة أخذها بعين الاعتبار، وهي انتقادات لا بد أن يستمع إليها المسؤولون، بل عليهم تشجيعها، ومن واجبهم الحرص على معرفتها؛ هذا إذا كانت المصلحة العامة هي الهدف.

الوطن ملكية عامة، وكذلك الدولة؛ ولا يمكن لأي مجموعة مهما كانت مؤهلاتها وقدراتها في الدنيا بكاملها أن تدّعي، أو تمنح نفسها مهما كانت الأسباب، حق التحكّم بهما وقيادتهما من دون مشروعية شعبية حقيقية عبر انتخابات شفافة نزيهة؛ كما لا يحق لأي مجموعة، مهما كانت مسوغاتها، أن تقدّم نفسها على أنها الأكثر قدرة من الجميع على تقدير وصيانة مصلحتهم والدفاع عن حقوقهم.

حينما يطالب السوريون بحقهم في مناقشة شؤون واقعهم ومشكلاته، والبت في المخاطر التي تهددهم ومستقبل أجيالهم المقبلة، فهم لا يفعلون ذلك من باب المطالبة بالمحاصصة؛ وإنما لكونهم شركاء في الوطن والمصير، ومن حقهم معرفة شكل الدولة وطبيعة النظام السياسي اللذين سيعتمدان بموجب دستور يتوافق عليه السوريون في نهاية المرحلة الانتقالية التي لن تكتمل من دون خطوات عملية راسخة تعزز الثقة، تمهد الواحدة منها للتالية، وتقطع الطريق أمام تراكم سلبيات المرحلة الانتقالية التي ستتفاعل من دون شك، إذا ما استمرت، مع سلبيات المراحل السابقة، خاصة المرحلة الأسدية التي أنهكت البلاد والعباد، وسدّت الآفاق أمام جيلنا الشاب الذي ثار في جميع الجهات السورية من أجل حريته وكرامته والعدالة الاجتماعية.

تراثنا السوري قد علّمنا دائماً على مستوى العائلات والقرى والبلدات في الريف، والأحياء في المدن، أن نجتمع معاً لنعالج قضايا آنية مطلبية تعكّر صفو الحياة المحلية، أو نبحث في قواعد تحسين العيش المشترك.

السوريون اليوم يمتلكون خبرة واسعة اكتسبوها من كيسهم، وعبر تجاربهم مع السلطات السابقة، لا سيما سلطة آل الأسد؛ كما اكتسبوها من خلال اطلاعهم على تجارب المجتمعات الأخرى في الشرق والغرب التي عاشوا ودرسوا فيها، واطلعوا على تجاربها في ميادين الإدارة ومنظمات المجتمع المدني واحترام حقوق الإنسان وتوفير شبكات الأمان المجتمعي. وهم ينتظرون اليوم حلولاً واقعية تتجاوز دائرة المشاعر الجياشة المشروعة؛ وهم على قناعة، بناء على إدراكهم السليم المدعوم بالعقلية النقدية والمنهج العلمي الموضوعي، بأنه ما لم تعالج القضايا التي تستوجب المعالجة بأقصى سرعة وبالطرق التي تعالجها بالفعل، فإن العواطف الإيجابية ستتآكل وتتراجع، وسيسود الشك والحذر والتحسّب. وحتى نتحاشى كل ذلك، نحتاج اليوم إلى حوار وطني حقيقي شامل من جهة المشاركين؛ حوار يُعطى حقه من جهة الزمان. حوار يعطي القيمة للسوريين من جميع الانتماءات والتوجهات والجهات، ومن دون أي استثناء، ويشعر الجميع بأنهم في دائرة المطلوب المرغوب. حوار يقطع مع أساليب التذاكي وذهنية: نحن نمتلك الحقيقة، ونفكّر لصالح الجميع الذين عليهم الالتزام بالمسارات التي نحدّدها نحن.

تراثنا السوري قد علّمنا دائماً على مستوى العائلات والقرى والبلدات في الريف، والأحياء في المدن، أن نجتمع معاً لنعالج قضايا آنية مطلبية تعكّر صفو الحياة المحلية، أو نبحث في قواعد تحسين العيش المشترك. وكم سيكون من المفيد اليوم أن نستلهم من هذا التراث، ونجتمع على مستوى الوطن، لنبحث في قضايا مصيرية وجودية تخص الشعب السوري، والوطن السوري، والدولة السورية، والأجيال السورية المقبلة.

المصدر تلفزيون سوريا

اترك رد

عاجل